المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

رسائل خاصة للوزير "ابا احماد" حول تحسين جودة الطبخ الحسني

الاحد 3 ماي 2015

وفقنا على خمس مراسلات1 بين احمد بن موسى "باحماد"، والحاج عبد الكريم بريشة، يتراوح تاريخها بين ( 1298هـ/1880م) و( 1302هـ/1884م)، كلها تدور حول موضوع واحد وهو كيفية استعادة الطبخ التطواني، في قصر المولى الحسن إلى سالف نهضته وازدهاره، بعد بوادر التقهقر التي أخذت تعتريه. ومن خلال هذه الرسائل نستشف خصوصيات الطبيخ السلطاني الممثل لجميع ألوان طيف موائد المدن المغربية الحضارية . وتعدد هذه الرسائل يرمز إلى ما لثقافة الطبخ من أبعاد سياسية وحضارية.
وقبل إعطاء فكرة عامة عن مضمون هذه الرسائل، ووضع نصوصها بين يدي القارئ الكريم، ارتأينا القيام بتعريف موجز بالشخصيتين اللتين تبودلت بينهما هذه الرسائل.


رسائل خاصة  للوزير "ابا احماد" حول تحسين جودة الطبخ الحسني
 
أ- "باحماد" :
 هو أحمد بن موسى( 1257هـ/1841م-1319هـ/1900م) ، تمتد أصوله إلى عبيد البخاري، أدرك أجداده مجدا لدى سلاطين الدولة العلوية، بدءا من عهد السلطان محمد بن عبد الله( ت1204هـ/1789م). فقد كان والده موسى حاجبا لدى السلطان محمد بن عبد الرحمن، وفي أوائل عهد المولى الحسن(ت 1311هـ/1894م) تأتى له الجمع بين الوزارة والصدارة إلى أن توفي سنة ( 1296هـ/1879م).
تربى "باحماد" تربية جمعت بين علم القرويين الذي تحمل شيئا منه عن جهابذة علماء ذلك العصر، والتربية المخزنية التي حذقها معرفة وسلوكا عن طريق المعاينة والممارسة بين أحضان عائلته.وتمتنت وتعمقت بالخدمة السلطانية.
وأول تحد سيواجه "با حماد" هو أنه لم يخلف أباه في المنصب الخطير الذي كان له، لأن السلطان مولاي الحسن ركن إلى أسرة مخزنية أخرى هي أسرة آل الجامعي. ويظهر من هذه الرسائل، التي بين أيدينا، أن نفوذ تلك الأسرة لم يعمر طويلا، إذ سرعان ما إزداد أحمد بن موسى قربا من السلطان على حساب آل الجامعي، فوطد نفوذه واستعاد المجد والمركز اللذين كانا لوالده.
ومما يدلك على حنكته وخبرته السياسية:
1- أنه عندما توفي المولى الحسن بتادلا (1311هـ-1894م)،وهو في الطريق إلى حركة من حركاته، كتم "باحماد" خبر وفاته، ولما وصلت المحلة السلطانية إلى بلاد الشاوية، عمد إلى جمع أهل الحل والعقد من الهيأة المخزنية، وأطلعهم على حقيقة الأمر، وأخذ البيعة مباشرة للسلطان الجديد المولى عبد العزيز2 الذي لم يتجاوز سنه آنذاك 12 سنة، حيث ازداد سنة (1298هـ/1881م). ولا غرابة في تقديمه رغم صغر سنه، فقد صنع تحت عينيه، إذ عهد إليه والده المولى الحسن أمر الإشراف على تربيته وتهيئته للحكم. وعلى أي حال فقصر الباهية بمراكش كاف للدلالة على مبلغ الأبهة التي أدركها "با حماد"، كما أن دار أخيه سعيد وزير الحربية بجواره، مؤشر على ثقته في ذويه وأقاربهه، وإن اضطر إلى إحداث توازنات عن طريق تولية الأباعد فإنه لا يلبث أن يستبد بالأمر دونهم.
2- ومما يدل على حسه الحضاري وحذقه الإداري، أن المولى الحسن عندما لاحظ بوادر تقهقر الطبخ التطواني داخل القصر، أصدر أوامره وتوجيهاته إلى خديمه"با حماد" الذي تلقف الأمر بحزم وعزم، وبادر إلى التنفيذ الفوري ومتابعة الإنجاز خطوة خطوة لغاية التمام. وهذه المتوالية من الرسائل شاهدة على ذلك.
ب- ترجمة عبد الكريم بريشة الذي راسله "با حماد" في شأن النهضة بالطبيخ التطواني في القصر الحسني:
  تعد عائلة بريشة من العائلات التطوانية التي اشتهرت بخدماتها الجليلة مع سلاطين المغرب وشغلت خططا داخلية وخارجية، فكانوا عند حسن ظن المخزن نزاهة وعفة ومروءة وإخلاصا.
ويعتبر مترجمنا عبد الكريم 3( 1246هـ/1830م-1315هـ/1897م) سليل هذه الأسرة، تهذب على يدي والديه، ودرس مبادئ العلوم بمسقط رأسه، ثم انصرف إلى التجارة والتقلب في شؤونها ومغامراتها داخليا وخارجيا، شرقا وغربا، وقد أكسبته هذه المهنة كما جاء في مقدمة ابن خلدون ملكة في المحاسبة والضبط وبعد النظر، والإمساك بدفاتر الدخل والخرج، والتفاوض، وتحري الدقة والوثوق من الربح وتلافي الخسارة- واعتبارا لهذه الخبرة وغيرها رشحه المولى عبد الرحمن سنة 1273هـ/1856م أمينا لمرسى الدار البيضاء. وفي عهد سيدي محمد بن عبد الرحمن ورد الأمر بتوليه مرسى تطوان ( 1284هـ/1867م). وولاه المولى الحسن الأول سنة 1292هـ/1875هـ أمينا عاما لمداخيل ومصاريف الدولة (بنيقة الداخل والخارج).
وعندما استقر الحاج عبد الكريم بتطوان بصفة نهائية، كتب له المولى الحسن ظهير تقدير وتوقير على ذلك ." توقيرا عاما يزداد مع طول الأبد جدة"4. وظلت العلاقة بينه وبين
"با حماد" متينة لم تشبها شائبة تنكر أو خذلان، دلت على ذلك المراسلات الودية الخاصة بينهما، وغالبا ما كان باحماد يكاتبه  في قضاء بعض الأغراض الخاصة بالسلطان وحاشيته. ومن جملة هذه المكاتبات، هذه الرسائل الدائرة حول قضية النهضة بفن الطبخ التطواني بداخل القصر.
ملخص لمضمون الرسائل المتبادلة  بين "با حماد" وعبد الكريم بريشة:
الرسالة الأولى: مؤرخة في 24 جمادى الأولى 1298هـ/1880م.
المرسل: الحاجب السلطاني أحمد بن موسى.
المرسل إليه: أدنى درجة من المرسل من حيث الترابية المخزنية، وهو عبد الكريم بريشة.
 
مضمون الرسالة: لم يرد في صيغة أوامر صارمة، بل حملت الرسالة مشاعر ود متبادلة5 بينهما. فقد أطلعه الحاجب على المشكل، وبين له سببه، والحل المولوي الأمثل ومرجعيته التاريخية. وأنه كامن في الأسر المخزنية التطوانية التي أطراها ونوه بها، وفي ذلك تحفيز وتنشيط لهمة المرسل إليه، وتقوية لعزيمته.وتأسيسا على ذلك، فقد اقتضى نظر السلطان ان يوجه إلى تطوان 12 أمة، على أن يكون نصيب المرسل إليه منهن ثلاثا، والباقي يوزع ثلاثا على بقية الأسر المخزنية المحافظة على أصالة الطبخ التطواني.
- الهدف: تعلم جميع أنواع الطبخ التطواني بما في ذلك الحلويات، بالإضافة إلى أخذ الإماء بحسن التأديب والنظافة والتخلق بالأخلاق الحسنة واللطافة.
وللسيدات ربات البيوت أن يستعملن كل الطرق المؤدية لإكساب الإماء أصول الصنعة واللياقة، وإن اضطررن إلى القساوة فينبغي ألا تتجاوز حد الزجر، واشترط امتلاك كل ذلك في وقت وجيز.
هذه الرسالة هي أطول الرسائل الخمس، وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على أن هذه الرسالة وضعت الإشكال نظريا واستحضرت الحل الممكن إلى جانب تحفيز المتلقي إلى القيام بالعمل على أحسن وجه. في حين جاءت بقية الرسائل مخبرة عن المنجزات. وإذا هيمن العمل تضاءل حظ الكلام.
- الرسالة الثانية جوابية: مؤرخة ب 8 جمادى الثانية 1298هـ/1880م.
المرسل: عبد الكريم بريشة.
المرسل إليه: أحمد بن موسى.
ومضمونها تلخيص للرسالة الأولى، وإلاخبار بأن هذا التكليف زاده وأهل بيته المستبشرين بإنجازه شرفا ومنزلة.
- الرسالة الثالثة: مؤرخة ب 18 جمادى الثانية 1298هـ/1880م.
المرسل: الحاجب أحمد بن موسى.
المرسل إليه: عبد الكريم بريشة.
مضمونها: أن أمر وصول الإماء وتوزيعهن، واستبشار الأهل بتعليمهن، حاصل بالبال.
- الرسالة الرابعة مؤرخة ب: 21 حجة الحرام 1301هـ/1883م.
المرسل: الحاجب أحمد بن موسى
المرسل إليه: عبد الكريم بريشة
مضمونها: أمر السلطان بتوجيه أربع إماء إلى القصر، سماهن بأسمائهن، مع من تعلمن عنده في طرة الرسالة، فمحل المهمش هو الطرة فلا يذكر في المتن إلى جانب رجالات المخزن، ولعل هذا تقليد في كتابة الرسائل المخزنية، وأمر أمناءه في تطوان بتزويدهن والقيام بما يحتجن إليه من جلابيب وسلاهيم.
الرسالة الخامسة: بعد وصول الإماء
المرسل: كتب الحاجب أحمد بن موسى بتاريخ 16 محرم الحرام 1302هـ/1884م.
المرسل إليه: عبد الكريم بريشة
أخبره بوصول الإماء الأربع، وأن التي كانت عنده أملت عليه ما تعلمت داخل بيته، وأن السيدة ربة بيته صادقت على ذلك، كما أن الأخريات الثلاث كانت كل واحدة منهن تحمل تقييدا بما تعلمته. وتعتبر هذه التقاييد المصادق عليها من ربات البيوت بمثابة شهادات تكوين.
 
أنظر نصوص هذه الرسائل
في تاريخ تطوان للشيخ داود
المجلد 12، ص ص/ 145-147.
 
ذ. محمد الطوكي / كلية آداب مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
ذ. محمد الطوكي / كلية آداب مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل