ذاكرة : مراكش العالمية سينمائيا .. قاعاتُها أطلالٌ

السبت 10 ماي 2014

ذاكرة : مراكش العالمية سينمائيا .. قاعاتُها أطلالٌ
 مرحبا، الفتح، الأطلس، موريطانيا، الهلال إدن (القنارية)، الزهرة، الحمراء، الريف ، باريس، لوكس ، بلاص، ريجان .. أسماء شيء لها أن تبقى متعلقة بأطلال ، اطلال دور  فتحت أجيال الخمسينيات والستينيات  والسبعينيات أعينها عليها ، أطلال دور طالما غصت بجماهير تيمها عشق الفن السابع بكل ألوانه ومشاربه وجنسياته.
 
أسماء لا زال وقع نطق أحرفها يحرك في المخيلة التي كهلت أو شاخت سواكن ذكريات ارتبطت بزمن كانت فيه  للفرجة حلاوتها ، وكان لها متذوقوها بمختلف شرائحهم ومستويات ثقافاتهم ونزوعاتهم الشعبية والراقية، فرجة كانت لها أوقاتها ومناسباتها وترتيباتها ، مثلما كان لكل دار من تلك الدور السنيمائية التي جوفتها رياح  التطورات التي عرفها عالم الاتصال وأجهزت على ما تبقى من صولتها الأقراص المدمجة  بعد الشرائط و قام على بوارها غول القرصنة الذي غذاه شيوع الأنترنيت ، ومثلما كان لكل دار من تلك الدور لونها الفرجوي . كانت لها جماهير يختلف عشقها ، فعشاف الفن البوليودي بغنائه ورومانسيته ودراماه وقصصه الأسطورية وأبطاله كراج كومار و ديف أناند  وراج كابور و اخويه شامي وشاشي كابور  ودرا ميندرا  وراجيش خانا وفينود خان وأشا باريخ  وشارميلا تاكور ونور  جيهان وممتاز و هيما ماليني عشاق هذا الفن  كانت مواعيد لقاءاتهم كل جمعة  وأيام الإعياد بسينما الهلال ، أيام أفلام طريق العمال وأمنا الهند وكوهينور ومانكالا  ولص بغداد ووقت  والصداقة  وسانغام وتسري منزل وأفيالي أصحابي  ... قبل أن تنتزع فئات منهم الريف. وعشاق سينما النيل أيام أفلام  العمالقة حسين رياض وأنور وجدي وزكي رستم ويوسف وهبي وأحمد مرسي وفريد شوقي واحمد مظهر وكمال الشناوي ويوسف شعبان وإسماعيل ياسين،  وشكري سرحان وعماد حمدي  ورشدي أباظة وعمر الشريف وفريد الأطرش و عبد الوهاب وعبد الحليم  ومحمود ياسين وحسين فهمي  ونور الشريف وتحية كاريوكا  وناجية إبراهيم (كوكا)  وأم كلثوم وسامية جمال ونجوى فؤاد  وهند رستم وفاتن حمامة وماجدة وشادية ونعيمة عاكف  ومريم فخر الدين ونادية لطفي وليلى طاهر  وسعاد حسني ونجلاء فتحي. وبوسي ... بروائع الأفلام كالوردة البيضاء،دموع الحب ، ممنوع الحب ،رصاصة في القلب،يوم سعيد ،دنانير  وداد، سلامة ، فاطمة، فجر الإسلام ،السمان والخريف، ثرترة فوق النيل،  البؤساء ،اللص والكلاب ، المرأة المجهولة ،خلود، الكرنك، زينب ،انتصار الشباب، حبيب العمر ،لحن الخلود، معبودة الجماهير، الوسادة الخالية ، الخطايا،أبي فوق الشجرةنغم في حياتي،... كانوا يلتقون  في ليالي زاهية بسينما الزهرة التي خرجت من رحمها  الحمراء تحت نجوم السماء لأن هذه السينما   كانت تشتغل مع بداية كل صيف حيث كانت غير مغطاة مثلما كان عليه الحال بسينما باريس وإدن ، اما عشاق الأفلام التاريخية الغربية بأبطالها كيرك دوكلاس ،ميمو بالمارا ، دان فاديس و كوردون سكوت ومارك فوريست و ستيف ريف ... في أفلام ماسيست وهرقل وسبارتاكوس وأوليس ...وأفلام رعاة البقر  بأبطالها مثل جون واين وأنتوني كوين وكلينت إيستود و ڭاري كوبر و هنري فوندا  وفرانكو نيرو وجوليانو جيما  ولي فان كليف  وجون كارڭو ... فكانوا يقصدون موريطانيا أو الأطلس أما عشاق الأفلام البوليسية والتجسس والكوميديا بأبطالها من امثال جان ڭابان ودولون وبلماندو وشين كونري وجيمس كوبرن وروجي مور وبرانسون  وفيرنانديل ولويس دوفنيس وجان ماري وإيدي كونستانتين وتيلي سافلاس (كوجاك) وتوماس مليان وتيرانس هيل وبيد سبنسر ...فوجهتهم كانت دور السينما بجليز  بلاص لوكس باريس هذه الأخيرة  تعتبر أول سينما أغلقت بجليز اما الريجان فبعدما كان لها زبناء جلهم من الأجانب المقيمين  صارت قبلة  للجماهير الشعبية عشاق الأفلام  بمختلف أنواعها  و بالأخص أفلام الفنون الحربية التي كانت هذه السينما سباقة لعرضها بمراكش
 
هذه الدور السينمائية وبعدما غزت قارئات الأقراص  والقنوات الفضائية سائر البيوت وانصرفت الجماهير عنها لكونها إلى جانب  المجانية ومنافسة الشرسة غير المقننة لإنتاج الأقراص المدمجة،  إلى جانب ذلك ، كانت في حاجة إلى تجديد وتجهيز بعد هذه العوامل المذكورة و عوامل أخرى صارت  تلك الدور السينمائية عبارة عن أطلال بعدما اضطر أصحابها إلى إغلاقها ومنهم من فكر في بيعها أو بناء مشاريع عقارية  أو مركبات تجارية فوق أرضيتها . فلم يتأت لهم ذلك لأسباب متعلقة  بقوانين تنظيمية تخص صالات السينما باستثناء غزالة التي لم تكن أصلا قاعة سينمائية حيث كانت تعرف  ب(مقهى الشاميات).
 
 لا تزال الذاكرة محتفظة بالولع  بتلك الدور السينمائية الذي كان متملكا للمراكشيين شيبا و شبابا وطفولة  ، ولع كان الشيب والشباب في ذلك الوقت يطفئون لوعته بالسمر فرادى او جماعات بإحدى قاعات السينما و بعدم تفويت فرصة التفرج على فلم من الأفلام التي تلائم اذواقهم ونزوعاتهم وثقافتهم، وكان ذلك الولع يقضي بأن تسلك طفولة ذاك العهد طرقا لجمع مبلغ الدخول إلى السينما من وراء ممارسة تجارة طفولية كبيع" الكوكو والباليفي (حلويات) " او القيام بسخرة مقابل الحصول على نقود أو توفير بعض مما يسخو به الآباء من نقود الجيب اليومية،  هذا بالنسبة للأطفال غير العاملين أما الطفولة الشغيلة  فإن أجرة الأسبوع تكفي همَّ التفكير في تدبير ثمن ولوج السينما وقد لا يحتاج الطفل العامل إلى خصم ذلك المبلغ من الأجرة الأسبوعية  فيكتفي بما وفر من الإكراميات التي كان معلموهم بورشات العمل أو محلاتها  يقدمونها لهم في نهاية كل يوم عمل "التطريبة" وقد يتطوع بعض الأطفال العاملين  أو الميسورة أًسرهم للتبرع على رفقائهم من أبناء الزقاق أو الحي  أو زملائهم بالقسم او المدرسة بثمن تذكرة الدخول ، ويقضي الأطفال الأسبوع بكامله منتظرين يوم الجمعة أو الأحد للتفرج على الفلم الذي يتم  الإشهار له خلال فترة "الانتراكت "(الاستراحة) أو من خلال جداريات ملصقات الأفلام بباب الملاح أو بطريق مبروكة أو الرميلة أو رياض العروس أو إسبتيين  أو بجامع الفنا وبسور "مارشي"  كليز أو بواسطة عربات حاملة للملصقات كانت تجوب جل أزقة المدينة،كانوا  يقضون الأسبوع  ممنين النفس بالتمكن من قضاء أمسية بإحدى تلك الدور  وقد لا يتأتى  لهم في احيان كثيرة توفير مبلغ التذكرة التي كانت لا تزيد عن درهم ونصف لآن غالبية الأطفال كانت قدراتهم المالية لا تتيح لهم  شراء تذكرة الدرجة الثانية أو البالكون فهاتان كانتا لفئات لا تجد صعوبة في تحصيل مبلغ الدخول للسينما ، قد لا يتأتى لهم ذلك فيكتفون بشراء بطاقة الاستراحة " الأنتراكت " بنصف ثمن الدخول او أقل  وأحيانا مجانا للتفرج على الفلم الذي أدركوه، ومع الشعور بألم الحسرة على عدم التفرج على الفلم ما قبل الاستراحة فإن العزاء يكون في  تسلية النفس بعدم ضياع  فرصة الفرجة إلى جانب الرفاق و الزملاء  أبناء الحي أو الزقاق أو المدرسة .
 
و لا تزال ذاكرة عشاق تلك الدور تستحضر عناء الطوابير التي تمتد على مسافات أمتار على امتداد سور السينما وقد يوجب تفادي التموضع في ذيل الصف الذي قد يؤدي إلى التأخر في ولوج قاعة السينما والاضطرار إلى  اقتعاد كراسي" الحرايرية"  ،هذا في أحسن الأحوال أما إذا ساءت، فربما يقضى وقت الفرجة وقوفا وقد تنفذ تذاكر الدخول فتوصد الأبواب في وجه غير المحظوظين وما أشدها خيبة ووقعا على النفوس.
 
ومن الطرائف التي أ لا تزال عالقة بمخيلة عشاق سينما الريجان و إدن  ما يحدث احيانا حين تتعطل دراجة "بزيز" وهو شخص  كان مكلفا بإيصال أسطوانات الأشرطة بين القاعتين المذكورتين وما يفرضه ذلك من طول انتظار حيث كان مدير القاعتين يعمد إلى عرض نفس الأفلام بالقاعتين ويتم تبادل الفلمين وقت الاستراحة وكانت في بعض الأحيان تقع عوائق تحول دون وصول "بزيز" قبل انتهاء فترة الاستراحة وازداد الأمر تعقدا حينما نصبت أضواء المرور على طول شارع محمد الخامس حيث لم تعد تكفي "بزيز " تلك المدة الواجب الالتزام بها للوصول في الموعد أي قبل انتهاء فترة الاستراحة وحلول وقت العرض الثاني  ويتوقف كل شيء حينما تتعطل دراجة الموصل ولا تصل الأفلام .
 
الوقوف على هذه الدور وهي على الحال الذي آلت إليه لا يمر دون التأسي على  زوال أيام الفرجة الجماعية وما كان يتخللها من ردود افعال المتفرجين أثناء متابعتهم لأطوار الأفلام  وتعليقاتهم عليها، رغم ما صار يشوب أجواء القاعات السينمائية من عدم احترام نظام القاعات كالامتناع عن التدخين والصراخ، لكن حين امتد ذلك إلى  استغلال ظلام القاعات لشرب الخمرة او تدخين المحظورات، أو ممارسات أفعال شاذة ومشينة،وصارت الفئران تنط فوق أرجل المتفرجين والعقارب تتسرب لداخل القاعة مثلما آل إليه الحال بإدن  توقف العديد من عشاق السينما عن ارتياد القاعات السينمائية قبل أن تأتي الأسباب المشار إليها سابقا لتكون آخر مسمار دق  في نعش تلك الدور وغيرها  من القاعات التي هي الآن في حالة احتضار والتي صار بعضها يقاوم البوار بعدما لم تنفع  مسحة إعادة التهيء وتوفير تجهيزات بصرية سمعية حديثة،تقاومه بعرض مباريات رياضية .
 
نهايته، هناك دعوات متعالية تطالب بحماية الدور السينمائية من الانقراض وتطرح حلولا تراها قمينة باسترجاع نزر من الإشعاع الثقافي والترفيهي لدور السينما وهنا لا بد من ساتحضار الدور الفعال الذي لعبته الأندية السينمائية في ترسيخ الثقافة السينمائية في وعي شباب ذلك الوقت .ومن تلك الحلول المقترحة دعم مشروع سينما القرب وذلك من خلال إدخال ترميمات على دور السينما التي لا تزال صالحة للقيام بذلك الدور في هذا العهد ،والسماح لأصحابها ببناء مركبات تجارية على مساحة من عقارها لأن الاعتماد على صالات السينما وحده لم يعد مجديا في ظل إكراهات  ضرائب وأجور وعوائق يستحيل القضاء عليها او على الأقل حصر امتدادها ومنها عائق القرصنة لأن اعتماد تلك الصالات بعد ترميمها كفضاءات ثقافية قد يمكن من المساعدة على ديدبان الحياة الثقافية, ثم إنه لم يعد من المعقول ان تكون مراكش مسرحا لمهرجان سينمائي عالمي سنوي، ويكون هذا المسرح العالمي مفتقدا لقاعات سينمائية شعبية قريبة من الفئات التي تشكل أغلبية بالمدينة .

عبد الله أونين


معرض صور