خوان غويتصولو ... فك العُقد الاسبانية

الجمعة 9 يونيو 2017

من بين الكتابات التي تطرقت إلى العلاقة بين دول الجنوب و اسبانيا ، كتاب " إسبانيا في مواجهة التاريخ ... فك العقـد " لخــوان غويتيصولو ، وهو كتاب قيم بالنظر إلى وزن صاحبه إذ ما فتئ هذا الكاتب يدافع عن الثقافة العربية وأهلها . وقد ترجم الكتاب إلى اللغة العربية الأستاذ الدكتور عبد العالي بروكي ، الأستاذ الباحث بالمعهد الاسباني البرتغالي التابع لجامعة محمد الخامس بالرباط .
وحتى نقترب أكثر من مضمون الكتاب ، سأقدم قراءة في المقدمة التي صاغها المترجم مبرزا أفكارها و قضاياها الأساسية ، فقد تمكن الدكتور بروكي من تكثيف المتن عن طريق بيان القضايا المطروقــة في الكتاب ، كما لا تخلو هذه المقدمة من بعض الآراء و الأحكام الصادرة عن المترجم و التي تعبر ، بحق ، عن ملكة نقدية تجاوزت تطويع النص الأصلي إلى إعادة إنتاجه .


عقـدة الهجرة
أفرد غويتيصولو حيزا كبيرا ، في الكتاب ،للحديث عن ظاهرة الهجرة و تفاعلاتها. إذ يذهب صاحب الكتاب إلى " أبعد من تحليل ظاهرة الهجرة بعينها ليطرح أسئلة محرجة حول العـدل الإنسـاني و أبعاده الديموقراطية في البلدان التي تعتبر نفسها حاملة لمشعل القيم . فهو يقلب الزوايا و ينظر من خلال كل الأبعاد و يفتح ملفات التاريخ و يسائل الذاكرة ". (مقدمة المترجم ، ص : 5 ) وليقطع الشك باليقين يستعرض غويتيصولو من الصـور المأساوية التي تنقل إلينا معاناة المهاجرين و ظروف عملهم ، نختار منها قوله : " يعيش المغاربيون في أكواخ بلا ماء و لا إنارة ،أو في مزارع مهجورة كانت تخــزن فيها الآلات الفلاحية أو الأسمدة . وآخرون يقضون لياليهم داخل صناديق خشبية . فلا أحد تقريبا يؤجر لهم سكنا في الضاحية لـ" إلخيدو" ، ولا يسمح لهم بالجلوس في المقاهي أو الحانات منفيون في بـحر البلاستيك ... أينما حلوا تستقبلهم جداريـات تحمل شعارات مثل : " اخرجوا أيها المـورو " و " مغاربة لا ، روسيات نعم " ".( اسبانيا في مواجهة التاريخ ، ص : 29 ) .
ولا يكتفي غويتصولو برصد معاناة المهاجرين في "بحار البلاستيك" بل يتجاوز ذلك ليستنكر القوانين المتعلقة بهم(المهاجرون) ، فبعد ظهور القانون الذي دخل حيز التنفيـذ في 23 يناير من سنة 2001 م و الذي يدعو إلى " التأكد مـن [ قبل] القنصليات من قدرتـهم ( المهاجرون ) على التأقلم مع المجتمع الإسباني ( مانحا بذلك للديبلوماسيين قدرات خارقة للتكهن ، مثل الذي أعطته شرطة الحدود الألمانية للكشف بالعين المجردة عمن يحتمل أن يكونوا حاملــين لفيروس السيدا ) " (نفسه ، ص : 100) . يعلق غويتيصولو على هذا الأمر قائلا : " إن سلب الحقـوق المدنيــة الأساسية في قانون الهجرة الجديد له مرجعية لا دستورية .وأن نتباهى بأنها " الأكثر تقدما في العــالم " ، لا يعدو أن يكون نكتة لا تضحك أحدا . ففي أي عالم يعيش السيد أثنار ؟ ." (– نفسه ، ص : 101 )
و من المضحكات المبكيات أن تبتدئ إسبانيا بالهجرة ثم تنتقل فيما بعد إلى استقبال الهجرة لتتحول من جديد إلى الهجرة ، وهذا ما يفسر وفرة اليد العاملة الإسبانية في المغرب .
 
عقـدة التاريخ
يتبدى من خلال عنوان الكتاب أن الكاتب يهدف إلى تذكر الماضي لمعرفة الحاضر ، وقد أوضح االمترجم ذلك قائلا : " يقربنا هذا الكتاب كذلك من فترات حاسمة من تاريخ إسبانيا ، سواء في عهد فرانكو ، أو في مرحلة الانتقال الديموقراطي أو ما بعد انضمام إسبانيا إلى السـوق الأوربية المشتركة . هذه الفترات التي تؤرخ لمواقف الإسبان من المغاربة ، على الخصوص ، ومن كل الجنسيات و الأقليات المنتشرة في البلد ... ". (مقدمة المترجم ، ص : 6)  كما لا يتوقف صاحب الكتاب عن طــرح مجموعة من الأسئلة الصادمة تاريخيا من قبيل : " من أنشا محاكم التفتيش ؟ من طرد مئات الآلاف مـن اليهود و المورسكيين ؟ من مسح هنود الكاريبي و أمريكا الشمالية من الخريطة ؟ ... من استعبد و احتقر العرب و الأفارقة و الهنود و الفيتناميين ؟ من فرض على الصين استهلاك الأفيون ؟ - أوربا و لا أحد غير أوربا - ... من يسلح اليوم جلاد الفلسطينيين ؟ ... ". (اسبانيا في مواجهة التاريخ ،ص : 112 ) .
و يسترسل غويتيصولو في فضح أساطير التاريخ الإسباني بقوله : " عندما قال كلاوديو سانتشيت البورنوث بأن ثقافة الأندلس دمرتها "سحب الجراد الإفريقي " في إشارة إلى الموحدين و المرابطين ، نسي أن هؤلاء هم من أنشا الخيرالدة في اشبيلية و قصور مملكة غرناطة . في جميع الأحوال كان هذا الجراد مؤدبا .لا ننسى أن ابن رشد عاش في تلك الفترة . هناك مقاومة شديدة لقبول كـل هذه الأشياء ". (نفسه ، ص : 206 )
فـ" سحب الجراد الإفريقي " هي التي أسهمت في وصول إسبانيا إلى تلك المكانة العالية على مستوى عائدات السياحة ، ومع ذلك يتجنى بعض المؤرخين وغيرهم على التاريخ محاولين طمس معالم 800 سنة من الوجود العربي الإسلامي بالأندلس أو " إسبانيا الإسلامية " .  
 
عقـدة غويتيصولو
أشار المترجم إلى الجحود الذي قوبلت به كتابات غويتيصولو من قبل بعض الإسبان ، فتم نعـته بـ"ناكر الجميل " : إذ " لم يوقفه اتهامه بناكر الجميل لبلده من التطرق إلى كل المواضيع الحساسة على جميع المستويات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية والإنسانية بشكل أوسع ، في أبعادها المحلية و الجهوية و الوطنية و القارية و الدولية ". (مقدمة المترجم ، ص : 6) وعن دواعي نعته بـ" ناكــر الجميل " ، يقول خوان غويتيصولو : " لما قمت قبل ثلاث سنوات ( قبل سنة 2001 م ) بفضح ظــروف العمل و السكن اللاإنسانية للمهاجرين في غرب ألميرية ( في المقال من" رءاك و من يراك" بجريدة إلباييس في 19/02/1998م ) ، ودافعت عن كرامة و حقوق أولئك الذين جاؤوا كرهــائن للمافيات على متن الباتيراس : PATERAS  ( عجــلات مطاطية مليئة بالهواء تستعــمل في المسابح أيضا ) ، بحثا عن حياة أفضل ، تم اعتباري " شخصا ناكرا للجميل " من [ قبل ] كــل نواب المجلس في إلخيدو".( اسبانيا في مواجهة التاريخ ،ص : 99 )
إلا أن هذا الوصف لا يزيده إلا إصرارا و ثباتا على فك عقد أنصار" صيد المورو "، فقد قــال مضمنا قول الشاعر العربي : " وإذا أتتـك مـذمتي من ناقـص " ، بقولـه : " فحينما أتسبب في الإزعـاج لمن يفكرون بالشكل الصحيح وتم نعتي ب" ناكـر الجمـيل" أعرف أنني عـلى صدق " .( نفسه ،ص : 84 و 85 )  

نهاية المطاف
وفي نهاية المطاف نجدد التأكيد على أن مقالات الكتاب – كما يقول الأستاذ بـروكي – تبـدو و كأنها كتبت في الأسبوع الأخير أو الأسبوع الذي قبله ، وهـذا ما يجعل كتابـات غويتيصولو تحتفظ بقوتها على الرغم من مرور السنين على كتابتها .
إضافة إلى أننا أثناء قراءة مقالات خوان غويتيصولو نجد أجوبة على  أسئلة طالما شغلتنا وهــي مرتبطة أساسا بالانتماء إلى الجنوب و علاقتنا بالآخر . وقد احتفظت الذاكـرة الجماعية للغرب الإسلامي بأقوال تعبر عن كيفية تمثل القدماء، وقتئذ ،  للعلاقة مع الآخر ، إذ لما خـير المعتمد بن عباد بين الاستعانة بالمرابطين أو مهادنة حكام قشتالة ، قال جملته المشهورة : " [رعي] الجمـال و الله عندي ، خير من [ رعي]  الخنازير " .( الحلل الموشية : مؤلف مجهول ، ص : 45 )    
 
محمد أبـحير


معرض صور