المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

خلاف حول فتوى العالم محمد بن لحسن الدباغ /2

الاحد 11 يناير 2015

هذا عن الخلاف الفقهي، قدمناه فرشا لموضوعنا تاركين للمتلقي من خلاله حرية محاكمة الخصام المحتدم بين فقهاء مراكش، وإن كنا لا نعدم وجوده في جهات أخرى.
​وللعلم فإن ما سنعرضه في أربعينيات القرن الماضي له رجع في وقتنا الحاضر، فلا يكاد يخفت إلا لمعاودة الظهور بطريقة أو بأخرى، وبما أننا اعتمدنا في تشخيص مجريات هذا الخلاف على فتوى لعلم من أعلام المغرب، شيخ الجماعة، أي أستاذ أساتذة عصره محمد بن لحسن الدباغ، فإننا نعتقد أن نوعية هذه الوثيقة تفرض علينا أن نحللها انطلاقا من أصول الفتوى والمتمثلة في :
• المفتي .
• المستفتي.
• موضوع تساؤل الفتوى.
• الحكم أو الجواب.


خلاف حول فتوى العالم محمد بن لحسن الدباغ /2

أ- أما بالنسبة للمفتي فقد ترجمناه في مقالتين، إحداهما بعنوان: تحبيس خزانة محمد بن لحسن الدباغ على كلية اللغة بمراكش.
ثانيهما: خزانة العلامة محمد بن لحسن الدباغ بعد من أبعاد شخصيته.
فمن هو محمد بن لحسن الدباغ:
  هو مفخرة مراكش العلامة البركة شيخ الجماعة سيدي محمد بن لحسن المراكشي- من عيار يتقاطع في بعض المحطات مع سيرة رفاعة الطهطاوي - ازداد في سبعينيات القرن التاسع عشر، وقد مثلت مسيرته العلمية المستوى الرفيع الذي انتهت إليه الدراسة العلمية في جامعة ابن يوسف بمراكش، وبخصوص هذه المسيرة فإننا نجدها تتقاطع مع مسيرة مجايليه من العلماء في بعض النواحي، وتفارقها في نواحي أخرى إلى حد أنها تطبع شخصيته بميسم خاص لا يشاركه فيه غيره.
فمما اتفق فيه مع معظم العلماء؛ حفظه لكتاب الله تعالى في سن مبكرة، واستظهاره لجميع المتون الشرعي منها والعقدي والأدبي الذي يؤهل لمتابعة الدراسة في الجامعة اليوسفية، التي استضمر مجموع معارفها وتحملها عن جهابذة علماء تلك الفترة بمراكش، وفي هذه الفترة كان يراوح بين الدراسة وتعاطي حرفة والده عريف أو أمين الدباغين.
ومن مفارقاته مع مجموعة من علماء مراكش أنه ابتداء من سنة 1909 أخذ في رحلة علمية قادته إلى المشرق، إلى الأزهر في مصر، فاستفاد من الحلقات العلمية المنتظمة في الأزهر الشريف، وقد تتلمذ بها لفطاحل العلم آنذاك، ووقف على الإصلاحات العلمية والتربوية التي توالت على الأزهر، وحضر المنتديات، وشاهد ووعى النقد والخصومات الثقافية والسياسية الحارة المحتدمة بين التيارات السلفية والليبرالية والتكنوقراطية، وبعد ثلاث سنوات من التحمل والحضور الواعي بتلك المجريات أضاف كما يقول ابن خلدون: إلى عقله عقلا جديدا، وعاد إلى مراكش بعقلية وشخصية اصطلحت فيها المعرفة المغربية الأصلية والطرق العلمية والتربوية المشرقية، فأقبل عليه طلبة الجامعة اليوسفية إقبالا منقطع النظير لطرافة بحوثه وتنوع طرقه التربوية، ينهلون من زخم معارفه وسلامة منهجه، كما غصت حلقات دروسه فيما بين العشاءين بالحرفيين الذين كان يبسط لهم المعرفة ويقدمها إليهم سهلة متناسبة مع مستوى مداركهم، وكثيرا ما كان يمزج هذه الدروس بالشعر الشعبي الملحون، والأمثال المغربية العامية، أو فذلكة من هذه القصة الشعبية أو تلك، وهذا الأسلوب كان ينتقل بالحضور من درك العامة الجهلة إلى مستوى المجالسين، ونظرا لهذا الصيت الذي شاع عنه وذاع اختاره الباشا الكلاوي بعد أن عجم عوده، ووجد فيه العالم الحقيقي الجامع بين العلم وصفة الصلاح والطيبوبة والانفتاح، فاختاره مهذبا لابنيه المهدي وإبراهيم، فقام بهذه المهمة خير قيام من غير أن ينقطع عن نفعه للطلبة ومحاربة جهل عامة ساكنة مراكش.
وعندما قرر الباشا إرسال ابنيه المذكورين لمتابعة دراستهما في فرنسا سنة ،1924 اختاره أستاذا مرافقا ومؤدبا ملازما، يواصل تدريسهما ويعمق معلوماتهما في الدين واللغة العربية ويحافظ على هويتهما المغربية.
وبهذه الرحلة ستدخل شخصيته في منعطف جديد وخطير، وستزداد رؤياه للعالم تفتحا واغتناء، ففي فرنسا ستهب على صاحبنا العالم اليوسفي- الأزهري أفكار الحداثة والتنوير، وسيتعرف على علماء المشرق الأوسط والأقصى، وعلى المستشرقين وسيتخذ من فضاء مسجد باريس مركزا لدروسه، يحضرها طلبة مشارقة ومغاربيون، فمن طلبة المغرب الأقصى السادة: أحمد بلافريج ومحمد الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني دون أن ننسى من استؤمن على تربيتهما، ومن توالي هذه الدروس وتتابعها انقدحت فكرة إنشاء رابطة للطلبة المغاربة برئاسة العلامة محمد بن لحسن، وستكون هذه الرابطة فيما بعد نواة لمنظمة طلبة شمال افريقيا.
وبعد عودته من هذه الرحلة الأوربية إلى مراكش سنة 1933، سيعود بهذه الحمولة الثقافية المتفتحة والتجربة الغنية إلى منابر مساجد مراكش، مدرسا وخطيبا وواعظا.
وعلى كل حال فرؤيته للعالم سيصطلح فيها الأصيل المتناغم مع ما تمثله من الأفكار التنويرية، فقد عرف كيف يستفيد من الأساليب الأوربية في العمل من دون أن يفقد شيئا من صفاته وعاداته الإيجابية الأصلية. فمن طلبته في هذه الفترة، السادة أصول الحركة الوطنية في مراكش، وعلى رأسهم عبد الله إبراهيم إلى جانب عبد القادر حسن وأحمد الملاخ وعبد القادر المسفيوي وأحمد بن فضيل وابن عبد الرازق وآخرون.
وفي سنة 1937 سيبتلى الشيخ وثلة من طلبته باستفزازات المستعمر وأعوانه، فقد بيتوا مذكرة أو " موجب تشنيع" يتهمون فيه الوطنيين بالزندقة والكفر، ولتزكيته ودعمه عرضوه على الشيخ ومجموعة من طلبته رموز الحركة الوطنية، قصد المصادقة عليه بتوقيعاتهم، فما كان منهم إلا أن استنكروه، ورفضوا هذا المنكر جملة وتفصيلا وأذانوه، فقدموا إلى القضاء، وصدر الحكم بسجنهم لمدة ثلاثة أشهر نافذة، ونفوا إلى معتقل في تاردانت، حيث قضوها بالتمام والكمال في شغل شاق، في كنس ما تكلس من قاذورات في قنوات صرف ترجع إلى العصر السعدي.
وبعد الإفراج عنهم عاد الأستاذ في اليوم الموالي من جمع شمله بأهله في مراكش، عاد إلى استئناف ما كان عليه من توعية وتدريس بمعدل أربع عشرة ساعة في اليوم لاعتقاده بأن لا كرامة بدون تربية وتعليم. لفقد أعانه، رحمه الله، على تبليغ رسالته وتجاوب مرتادي حلقاته معه، تلك الصفات التي غرست له المحبة في الصدور، وهي كرم النفس وميزة العقل، والعفة في الإفصاح عن العواطف والابتعاد عن التزلف، والاستقامة التامة، والميل إلى مساعدة الناس ميلا لا ينضب معينه، وقد انعكس ذلك في ألم وأسى ساكنة مراكش يوم لقي ربه في يناير 1952، حيث شيعوا جنازته في موقف رهيب يذكر بجنائز أئمة المذاهب.
ب- المستفتي: تطرقت الفتوى إلى المقام الذي أملاها؛ بالإشارة إلى الأشخاص الذين لهم علاقة بالفتوى، ووضعيتهم ومكان وجودهم وتطلعاتهم، والنازلة التي حيرتهم والغاية من طرحها على المفتي. ورد الحديث عن الأشخاص بصيغة التبعيض، وحلي هذا البعض بالنجباء من طلبة العلم بالكلية اليوسفسة، وأنهم يتطلعون إلى مستقبل زاهر، ويرغبون في التخلص من البلبلة والفتنة والتشاجر الذي لا طائل تحته والذي أضر بالمجتمع. وفي الهامش وبخط المفتي خروج عن البعضية السابقة إلى التشخيص أي تعيين طارح السؤال وهو محمد بن رحال المراكشي(1926-2003) ، وخاطبه تارة " يا عزيزي ويا أخي". وعلى كل حال فلا تناقض في ذلك؛ فالهم هو هم جميع الطلبة، وان محمد بن رحال لم يزد على أن أعرب بالمقال على لسان حالهم، ونحن نرجح هذا التوجه نظرا لما تواتر على ألسنة مجاليه، بأن الطالب محمد بن رحال إذا عميت عليه مسألة أو صورة لغوية أو فقهية سأل عنها، وهو بهذه الجرأة يخالف معظم الطلبة الذين يوثرون السكون مخافة غضبة الشيوخ، أما هو فكان يتجرأ حتى على الاستشكال وبخاصة مع العلامة محمد بن لحسن، ويذكر مجايلوه أنه قدم بحثا لأستاذه وهو عبارة عن حاشية على شرح المكودي لألفية ابن مالك، وأنه سأل نفس العلامة ذات يوم في درس للعقيدة عن مكان النفخ في الصور، فأجابه:" حكى ابن حبيب أن الأمير أرسل إلى زياد يسأله عن كفتي الميزان يوم القيامة. فكتب زياد إليه: حدثني مالك عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وسترد فتعلم" وأضاف وماذا أعددت لذلك اليوم.
ج: موضوع الفتوى: هو بيان ما استشكل من ذلك الحديث الجامع بين بركة الاستفتاح وبراعة الاستهلال الذي يقدمه علماء المغرب بين يدي دروسهم الحديثية والتفسيرية خاصة، وهو سردهم لقوله صلى الله عليه وسلم " إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". فموضوع الخلاف قائم على تصور مفهوم البدعة. فالحديث عام، فإن لم يقيد ويخصص فسيدخل تحته كل ما استحدث مما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح، ومن بين هذه المحدثات؛ الذكر عند تشييع الجنائز جهرا وجماعة، والدعاء إثر الصلوات في المساجد جماعة، ولبس الثوب الضيق والسراويل الطويلة، فبهذا التوجه أخذ منكرو هذه الأمور على المشيعين، وعلى المصلين الذاكرين جهرا، والمرتدين لألبسة لا عهد لعصر النبي صلى الله عليه وسلم بها، وقد نصت الفتوى على " شيخ معمم ينادي بأعلى صوته ألا إن النبي، صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح لم يذكروا الله وقت تشييع الجنائز ولم يدعوه بعد الفراغ من الصلوات".
ذ محمد الطوگي / كلية آداب مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
ذ محمد الطوگي / كلية آداب مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل