المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

خطباؤنا بين سندان المذهبية ومطرقة الوزارة الوصية

الاثنين 20 ماي 2013

خطباؤنا بين  سندان المذهبية ومطرقة الوزارة الوصية
لم يعد أحد - من العقلاء - يشك في أن إيقاظ الأمة من نومها العميق من أهم الأهداف والغايات المرجوة ، بل من أهم الأساسيات والضروريات التي ينادي بها الغيورين على هذا الدين ، وهذا الإيقاظ يتأتى تحقيقه إلا من خلال وسائل وآليات عدة ، من بينها ''فن الخطابة'' الذي يعتبر إحدى الركائز الأساسية والوسائل المهمة في الدعوة إلى الله تعالى.
فقد اعتاد المسلمون في كل بقاع العالم أن يجعلوا قبلتهم صوب بيوت الله كل يوم جمعة وأن يعمروا المساجد قصد الجلوس بين يدي خطيب المسجد، لكن الإشكال الذي يفرض نفسه وسط واقع مساجدنا هو ما مدى مساهمة خطباء المساجد في عملية إيقاظ الأمة هذه ؟ وهل يزاول الخطيب هذا الفن (الخطابة) تقربا إلى الله تعالى ومن خلال نية داخلية تنشد نشر الدعوة الإسلامية والمشاركة في عملية إصلاح المحيط والإنسان المستخلف فيه ، أم يزاوله كمهنة
توجب عليه الصعود فوق درج خشبي والإمتثال لتوصيات وإرشادات مقدسة خارجة عن نطاق الدعوة إلى الله ؟. ألا يعتبر المسجد من أولى المؤسسات الدينية التي يمكننا الاعتماد عليها  في تثقيف المسلم والسير به نحو الصراط المستقيم وتلقينه مبادئ الإسلام وتعاليمه من أخلاق ومعاملات وعبادات ... ؟
إن محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة تجعلنا ننكر دور الخطيب المتمثل في عملية إيقاظ الأمة ونثبت في المقابل دوره الحقيقي الذي يتجلى في أداء كلمات خطتها أيادي خارجة عن المسجد لتـُنطـَق بشفتي الإمام عبر مكبرات الصوت مخترقة آذان المستمعين بغض النظر عن تقبلهم لها أو رفضهم.
 
 خُطـَب خير الخلق  (صلوات ربي وسلامه عليه)
لو أمعنا النظر في خطب النبي صلى الله عليه وسلم نجد أنها لا تخرج عن شيئن اثنين : الأول معاملة العبد للعبد والثاني معاملة العبد لربه. فالأول يدخل فيه كل من فقه المعاملات والأخلاق ...  والثاني يبين كيف يُعبد هذا الإله أو فعل المكلف من صلاة وزكاة وصيام ...أو كل الأوامر والنواهي.
وهذه نماذج من خطب النبي صلى الله عليه وسلم ، ففي حجة الوداع قال صلى الله عليه وسلم :... أيها الناس, اسمعوا مني أبيّن لكم, فاني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا, ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد..
وهذه خطبة أخرى للنبي عليه الصلاة والسلام بالمدينة، يقول في آخرها : .. فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل ، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام عليكم وعلى رسول الله ورحمة الله وبركاته 
إلى آخره من الخطب النبوية الشريفة التي عادة ما يكون مغزاها ومقصدها إبعاد المسلم عن النار وملذات الحياة وشهواتها ... وإرشاده نحو المنهاج القويم الذي سلكه خير الخلق ومن سار على نهجه.

محتوى خطبنا بين  سندان المذهبية ومطرقة الوزاة
إن أول صفة يجب أن يتميز بها ''خطيب الجمعة'' هي الإستقلالية ، فعادة ما نجد الخطيب ينتمي إلى إحدى التيارات أو الجماعات الإسلامية، حقيق أن ''الخطيب المغربي'' - ولله الحمد - بعيد كل البعد عن ما يسمى بالـ''التمذهب الفقهي'' يتضح هذا جليا في التشبت بالمذهب المالكي في بلدنا ! فهذه الإستقلالية التي ندندن حولها لا تقف عند التيارات والجماعات الإسلامية فحسب، وإنما تتجاوز أيضا الأمور السياسية .
فلم نعد ندري دور الخطيب في الساحة الدعوية ، هل الدور الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أم دور الفاعل الجمعوي والرجل السياسي الناطق باسم وزارة أبت إلا أن تتدخل في المحراب الدعوي ؟
فبعدما يقضي الإنسان أسبوعا كاملا بين بيته وعمله ... يتجه صباح يوم الجمعة نحو بيت من بيوت الرحمن وذلك بعد اغتساله وتطيبه، لاستعداده للوقوف بين يدي الإمام ليقربه من ربه ويذكره بما يجب عليه ... وبعد ذلك يتفاجئ بسماع خطبة أقرب ما تكون إلى نشرة إخبارية من خطبة جمعة !
فإما يكون الموضوع حول (حوادث السير) وجرد الإحصائيات السنوية، وإما حول (اليوم العالمي للمرأة) أو (التبرع بالدم) ...الخ ، نعم .. تذكير المسلمين بمثل بعض هذه المواضيع جائز ، لكن ألا تخصص الخطبة بأكملها لذلك ، فلكل مقال مقام، فمقال ''حوادث السير'' 
تابع لوزارة التجهيز والنقل والتي تعمل على التذكير دوما عبر شاشات التلفاز وعبر الجرائد الوطنية ومن خلال المواقع على الإنترنت ... أما مقال ''اليوم العالمي للمرأة'' فقد اهتمت به الجمعيات الحقوقية أشد ما اهتمام حتى صارت تطالب بالتسوية بين المرأة والرجل في كل شيء، حتى في ما فرق الله بينهما كالإرث والقوامة ... !
وأخيرا وليس آخرا ، فوزارة الصحة تبذل أقصى جهد لكي تعمم فكرة ''التبرع بالدم'' وتعمل على نشر الموضوع عبر إعلامنا المرئي والمسموع والمقروء فبعد هذا كله، لماذا تسعى وزارة الأوقاف إلى خضرمة الخطب المنبرية بشكل أو بآخر ؟ أوليس يكفينا ذلك الكم الهائل من الدعوات والإشهارات المبثوثة عبر قنواتنا الإذاعية ؟ أم أننا غنيون عن الخطب المنبرية الدعوية ؟ ألا تدري وزارة الأوقاف أن المسجد فقط هو ما يكسبنا بصيص أمل في بحر من اليأس  في هذا الزمان ؟ فإذا ضاعت مهمة الخطابة فبما نستنجد بعد ؟ فحتى لو سلم الخطيب من شباك الانتماءات الحزبية لن يسلم من صنارة البودشيشي أحمد توفيق !

 خطباؤنا بين الأمس والحاضر ... ما لهم وما عليهم :
في اعتقادي أن مواصفات الخطيب النموذجي والإمام المثالي تنصهر كلها في قالب واحد ، هو نية خدمة هذا الدين ونشره على أتم وجه. فلو كان خطباؤنا كلهم يستحضرون هذه النية بين أعينهم ما اتبعوا كتابات السيد توفيق ولا غيره ! فالخطيب ينبغي أن يكون ابن بيئته ووليد محيطه، يراقب - وباستمرار - المستجدات المعاصرة والنوازل الفقهية التي تعترض المسلم في حياته اليومية ، ويحاول جاهدا البحث عن الفتاوى الفقهية الأقرب إلى الصواب المتوفرة في هذا الباب، ولما لا أن يجتهد (عند توفر شروط الإجتهاد فيه) من أجل بث فتوى في القضية المعنية، لكن أنى له أن يجتهد ووزارة الأوقاف سدت باب إصدار الفتاوى ، اللهم إلا ما جاء من لدن المجلس العلمي الموقر ! 
يحضرني كلام ثمين حول ''مهمة الخطيب'' كان يحدثني به جدي، يقول  كان إمام المسجد في القرون السالفة يملك عدة صلاحيات ، فإضافة إلى تأدية الصلوات المفروضة في المسجد يقوم بتدريس الأجيال الناشئة كتاب الله وسنة رسول الله ومتون فقهائنا وعلمائنا القدامى وأشعار الأدباء ... ويجهز  خطب الجمعة الأسبوعية ويستعد لتشنيف الأسماع في المناسبات الخاصة (كالعرس والعقيقة والوليمة ...) ناهيك عن تدخله أيضا في شؤون أهل البلدة فيصبح موزعا للأسهم في علم الفرائض (الإرث) ويتدخل في النزاعات بين الطرفين حتى يعيد المياه إلى مجاريها ....الخ
فهذا هو حلمنا الذي نأمل أن نراه بمساجدنا ، فإمام المسجد حامل للواء الدين ، وهو المتحدث الوحيد باسم الدين في المجتمع.
فكل التخصصات ببلدنا لها من الحرية ما لها ، إلا المجال الديني فينحصر في المسجد ، حتى تلك الجمعيات التي تعنى بتدريس القرآن الكريم وعلومه... يطبق عليها قانون الحظر من طرف وزارة السيد توفيق ! فمساجدنا هي المنبع الوحيد المتبقي أمامنا فإذا فقدنا هذا المنبع فمن أين نرتوي ؟ أمن مصادر الإعلام المنحرفة والمشوهة لصورة الدين ؟ 
 
تبين لنا مما سبق أن الخطيب وحده هو في غالب الأمر الموجه والمنهج والكتاب ومصدر العلم ... وعليه وحده يقع عبء هذا كله.
هذا يجعل العناية بتكوين الدعاة، وإعدادهم الإعداد المتكامل أمرًا بالغ الأهمية، وإلا أخفقت كل مشروعات الدعوة بالخيبة والبكاء على ضياع الخطباء لأن شرطها الأول لم يتحقق وهو الداعية المهيئ لحمل مشعل الرسالة
الباحث إبراهيم أحتشاو
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
الباحث إبراهيم أحتشاو

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل