خزانة العلامة ابن لحسن الدباغ المراكشي جزء من شخصيته

الجمعة 9 يونيو 2017

اغتنت كلية اللغة العربية التي تعتبر امتدادا لجامعة ابن يوسف منذ سنة 2014 ، بخزانة العلامة محمد بن لحسن الدباغ المراكشي (ت1952) ، وهنيئا لورثته البررة بهذا التحبيس الذي صادف محله .
وبهذه الصدقة الجارية تكون هذه الخزانة قد تكاملت مع خزانة المرحوم العلامة الحسن الزهراوي التي سبق للمغفور له جلالة الملك الحسن الثاني أن اشتراها بمكارمة واسعة من حر ماله سنة 1978 ، فنفس عن الفقيه كربته وحل ضائقته المادية التي بين أسبابها و نشرها في صحيفة من الصحف ، وقد ترك جلالته ما اشتراه في بيت الفقيه ولم يفرغه من رفوفه حتى لا يحس العلامة بفراغ أو يصاب بأسى وحسرة ، ولم يصدر أمره الشريف لوزير الأوقاف آنذاك بتحبيسها على كلية اللغة العربية إلا بعد أن وافـى العلامة أجله المحتوم .
وبهذه المكرمة المولوية الحضارية وليست بأول أياديه ، سن رحمه الله سنة حميدة لتأسيس تقليد جامعي يقوم على مبادرة العلماء أو ورثتهم بتحبيس خزائن أسلافهم على المؤسسات العلمية الكائنة بجهتهم.


 
تعبر خزائن كتب العلماء والأدباء عن بعد من أبعاد شخصيتهم ، فمن خلالها يتسنى أخذ نظرة عن الأعمال التي عكفوا على قراءتها والتي ساهمت ولا شك في بلورة رؤياهم للعالم .
وتزداد أهمية تلك الخزائن متى تصفح الباحث محتوياتها تصفحا دقيقا لكل عنوان على حدة، صفحة صفحة ، والوقوف الواعي عند كل ما أثار اهتمام صاحب الخزانة أثناء تلقيه للأعمال ، كالإشارة بقف أو وضع خط تحت كلمة أو عبارة أو فقرة  بأتمها أو تقييد أوطرة، فلمثل هذه الإشارات الصادرة عن العلماء وزنها في باب التلقي .
إننا في نظرتنا العجلى هذه لن نسلك ذلك المسلك الدقيق ، فكل ما سمح به ظرفنا وظرف الكلية المحبس عليها والتي تقوم بإجراءات التملك و مقتضيات الفهرسة ، هو إلقاء نظرة كما قدمنا بانورامية وتسجيل أفكار قد تغني ترجمة الرجل من الداخل ومن خلال شق قلمه .
أ: متفلسف في ثلاثينيات القرن الماضي .
مما أثار انتباهنا في التكوين الشرعي للرجل ، هو أنه ضرب في جميع العلوم الشرعية بسهم ، إلا أن الغالب عليه هو الجانب الفلسفي الإسلامي المتمثل في علم الكلام والفلسفة الإسلامية بصفة عامة ، فخزانته غنية بمصادر هذا العلم مما يدل على غلبته عليه ، وتقاييده وطرره على فقرات منها قد تؤكد ذلك ، فمن المصادر التي لفتت نظرنا كتاب المواقف لعضد الدين عبد الرحمان الأيجي بشرح الجرجاني ، مع حاشيتين ، إحداهما لعبد الحكيم رسيالكوني والثانية للمولى حسن جلبي ، مطبعة السعادة ، 1325 هـ في ثمانية أجزاء .
حدثني العباس بن العلامة محمد بن لحسن أن هذا المصنف كان دائما بجانب وسادة والده ، وكانت طبعته من القطع الكبير جدا في طول الوسادة وقرابة من سمكها وعليه طرر بقلمه ، وقال لي أنه ذات يوم وهو طالب في الجامعة اليوسفية دفعه الفضول العلمي إلى النظر فيه ، فأخذه من غرفة نوم الوالد من غير استئذان ، وأثناء الليل طلبه والده فلم يجده ، وبعد صلاة الصبح سأل ابنه العباس عن الكتاب ، فأخبره بأن قراءته استهوته ، ونسي أن يعيده من حيث أخذه فقال له والده : اعلم يا بني أنك عزيز، والكتاب الذي أخذته في مستوى معزتك ، ومد يده إلى محفظته ، وأخرج مبلغا من المال ، ونصحه أن يشتري مواقفه الخاصة به ، فاشتراه من مكتبة القادري بسوق السمارين في ثمانية أجزاء ولعل هذه هي نسخة الابن .
فهذه شهادة هذا الطالب العدل اليوسفي آنذاك ، ولها مصداقيتها وإن كانت من باب شهادة الفروع على الأصول . ومن المصادر الفلسفية التي استوقفتنا في خزانة العلامة محمد بن لحسن ، تهافت التهافت ، ولا نشك أنه كان إلى جانبه تهافت الفلاسفة ، وهناك أيضا رسالة حي بن يقظان ، وكلها طبعات قديمة ، ومن كتب الفلسفة المعاصرة كتاب قيم يعالج مجموعة من المشكلات الفلسفية ، ساهم في كتابته مجموعة من مشاهير مؤرخي الفلسفة في مصر كتوفيق الطويل وغيره ، ولعل العلامة محمد بن لحسن قد عثر فيه على المشروع أو الوضع لما ينبغي أن تكون عليه الفلسفة في العالمين العربي والإسلامي . جاء في فقرة تعرف بمرامي الكتاب : (هذا الكتاب محاولة أريد بها إزالة الغموض الذي يلابس مفهوم الفلسفة في أذهان من يجهلونها ، وتخيرنا في أبوابه نماذج لثلاث مشكلات فلسفية تتصل بحياة الإنسان في كل زمان ومكان راجين أن تثير في الذهن معاني تساعد على تكوين المواطن الصالح ). فالهدف هو تكوين المواطن الصالح المعقلن وهي غاية لا ينكرها الدين فهي من باب ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال .
ب: اهتمامه بالاجتماعيات .
علم الجغرافيا من العلوم التي استخف بها بعض العلماء في الجامعة اليوسفية ( فالألفية والعاصمية في نظرهم هما الحكمة المخفية) أما الجغرافيا فهي مادة لا ينفع علمها ولا يضر جهلها . ونعتقد أن العلامة محمد بن لحسن لم يكن يميز بينها وبين بقية العلوم ، فقد اشتملت خزانته على مصادر لطبعات نادرة نذكر منها : كتاب الجغرافية العمومية لملطبرون أصله في ثمانية أجزاء من القطع الكبير ، ترجمة رفاعة الطهطاوي ناظر مدرسة الألسن و قلم الترجمة . جاء في مقدمته  بعد البسملة والحمدلة وأهمية الجغرافية وحكمها الشرعي ، وفيها تطرق إلى مشاكل النقل من الفرنسية إلى العربية لدى معربي عصر النهضة وكيف كانوا يتجاوزونها . يقول :
(أما بعد فيقول قليل البضاعة ، الفقير رفاعة ، هذا تعريب أول جزء من الجغرافية العمومية ، الشهيرة في سائر الديار الإفرنجية ، تأليف الحكيم الإفرنجي الذي مثل كتابه في هذا الفن لا يكون ، الشهير في أوربا باسم ملطبرون . وهذا الجزء الأول يبحث عن تاريخ الجغرافيا من مبدإ الدنيا إلى يومنا هذا . أنجزت تعربيه ، وقصدت نحو هذه الجهة تقربيه ، وكان ذلك في نحو سبعة أشهر مع تراكم غيره من الأشغال عليه ، من ترجمة هندسة أو طبع ما كان وقت تعريبه بين يدي ، وإنما بادرت بانتزاعه من مكنون اللغة الفرنساوية ، وسارعت في إفراغه في مضمون اللغة العربية ، قصد كسب رضا أولي النعم الأكرم الذي أمر بترجمته في نحو هذا الزمن وحتم ، ولكن بمشيئة الله تعالى وبعناية ولي النعم جاء هذا الكتاب يعجب الواقف عليه لجودة عبارته الفائقة ، وحسن تراكيبه الرائقة ، وممن شاركني في حسن سبكه ونظمه حسب الإمكان في عقد التأليف العربي وسلكه الكامل الناجب صاحب الذهن الثاقب ، الأكمل الأمثل الشيخ محمد هدهد الصنتدائي الذي قيدته بصحبتي بوظيفة مبيض لهذا الكتاب ، وكاتب لما أمليه عليه ، فقام بواجبات هذه الوظيفة وزيادة من غير ارتياب ، وربما تصرف بعد مشاورتي في بعض عبارات ، أو أشار علي بتغيير ما يظن أنه يعسر فهمه على من لم يسبق له في هذا الفن علمه ، فأجبته حيث قام عندي على صحة ذلك أمارات ، وحيث كان هذا الجزء الأول جزء من ثمانية هو أصغرها . ( يقع في 205 صفحة من القطع الكبير ) .
أما التاريخ فقد تنوعت مصادره ما بين تاريخ عام وآخر إسلامي و ثالث خاص بتاريخ المغرب في مختلف حقبه إلى عصره ، إلى جانب مصنفات في تاريخ وعوالم الرجال .
وعلى كل حال فقد اغتنت كلية اللغة العربية التي تعتبر امتدادا لجامعة ابن يوسف ، بخزانة العلامة محمد بن لحسن الدباغ المراكشي (ت1952) ، وهنيئا لورثته البررة بهذا التحبيس الذي صادف محله .
وبهذه الصدقة الجارية تكون هذه الخزانة قد تكاملت مع خزانة المرحوم العلامة الحسن الزهراوي التي سبق للمغفور له جلالة الملك الحسن الثاني أن اشتراها بمكارمة واسعة من حر ماله سنة 1978 ، فنفس عن الفقيه كربته وحل ضائقته المادية التي بين أسبابها و نشرها في صحيفة من الصحف ، وقد ترك جلالته ما اشتراه في بيت الفقيه ولم يفرغه من رفوفه حتى لا يحس العلامة بفراغ أو يصاب بأسى وحسرة ، ولم يصدر أمره الشريف لوزير الأوقاف آنذاك بتحبيسها على كلية اللغة العربية إلا بعد أن وافـى العلامة أجله المحتوم .
وبهذه المكرمة المولوية الحضارية وليست بأول أياديه ، سن رحمه الله سنة حميدة لتأسيس تقليد جامعي يقوم على مبادرة العلماء أو ورثتهم بتحبيس خزائن أسلافهم على المؤسسات العلمية الكائنة بجهتهم.
نأمل أن تستفيد المؤسسات العلمية من هذا التوجيه المولوي الضمني ، وأن تخصص الكليات خانة من ميزانيتها لاقتناء خزائن علماء جهة مراكش سواء في حيوات العلماء أو من ورثتهم الذين يحق لهم أن يتمسكوا ببيع ما خلفه هالكهم ، وإن تخلي الكليات عن هذه المصلحة الداخلة في نطاق انفتاح الجامعة على محيطها ، قد أضاع على الجهة بل على الأمة مصادر ووثائق من الأهمية بمكان ، ويكفي أن نشير في هذا الباب إلى خزانة العلامة الباقعة سيدي علي بن المعلم التي عرف العلامة الأستاذ محمد بن شريفة قدرها وعمل جهده للإطلاع على خباياها وصاحبها حي يرزق ، وممن استفاد من ذخائرها الثمينة العلامة المرحوم الشرقاوي إقبال الذي لم يكن صاحبها يرد له طلبا نظرا للحمة الصداقة العريقة والمتينة التي جمعت بينهما .
محمد الطوگي / كلية الاداب- مراكش


معرض صور