حُكم حمل المرأة المسلمة للاسم العائلي لزوجها

الاربعاء 21 يونيو 2017

 أبتدئ رحــلتي الصبـاحية نحو العمل عـادة بواسطة الحافلة الحضرية العمومية ، وأثناءها أتحـاشى أن أكـلـم أحدا أو أمد له في الحديث ، وأفضل الصمت والانساط على الهذر، وأوثر الاستماع إلى الأحاديث العفوية للنساء ، فقضـايـاها متنـوعة ، فـيها التربـوي ، والاجتمــاعي ، وتدبير البيت ، وثقـافـة المطبخ ، وقــواعد الصحـة والتنفيس. وعلى العموم ، ففيها من الطرافة والجدية والجدة ما لا أجده قي ثرثرة كثير من الرجال الذين يتلذذون ويتلاعبون بالنفخ الرئوي في بقية مكونات جهازهم الإصاتي إلا من رحم ربك .
       توقفت الحافلة في إحدى المحطات ، صعدت سيدة يظهر من لباسها وسمتها و هندامها أنها موظفة في إحدى الإدارات ، اتجهـت مباشرة نحو سيدة و الابتسامة المتبادلة بينـهما تنم عن علاقة الصداقة التي تـجمع بينهما ، فبادرتها بالتحية .
   – صباح الخير مدام فلان – ناسبة إياها إلى زوجها .
                                                  - ردت سلامها بعبارة باردة ، وبدل استهلال الحديث بينهما بحالة الطقس، و السؤال عن الأحوال و التعلقات قالت لزميلتها :
- لا أدري سبب عدولك عن اسمي العائلي ونسبتي إلى الاسم العائلي لزوجي .
  فأجابتها بنبرة فيها نوع من الاستهزاء .  
- هذه هي الموضة ، وهي مظهر من مظاهر الحداثة ، والنسبة إلى الزوج دليل على المحبة المتبادلة بينه وبين امرأته ، وأن علاقتهما مبنية على التفاهم فكأنهما ذات واحدة ، و هذا النوع من الانسجام لم يعرفه زواج الآباء و الأجداد فهو تقليدي قائم فقط على الطاعة المطلقة .
- أرى في كلامك وهم  بل خلل ،  فبينما الحركة النسوية الجديدة التي تتظاهرين بالانتماء إليها ، تزعم أن عالم الرجال اضطهدوا المرأة و تجاهلوا شخصيتها فطالبن بالمساواة في الحقوق ، إذا بي أراك في هذه الحالة تخرجين عن هذا المنطق حيث ذوبتني في الاسم العائلي لزوجي ومحوت اسمي الخاص، وعملت على تلاشي ملامحي الشخصية .
   توقفت الحافلة ، فاضطرت إحداهن إلى النزول ، فافترقتا على ضرب موعد بينهما لمواصلة الحديث على أن يحتكما إلى الشرع فيما شجر بينهما وعلى أن يكون المرجع عالما من بين الفقهاء الحجج المغاربة المتنورين الآخذين بأصول المذهب المالكي .
أثارت هذه النازلة فضولي فأدرجتها بشرطها ضمن همومي العلمية ، وحينئذ ، وبما أن ملابسات النازلة ناجمة عن الاحتكاك الحضاري مع الغرب ، فقد عدلت عن استشارة مصادر فتاوى السادة المالكية في العصر الوسيط ، '' كالمعيار المعرب والجامع المغرب من فتاوى علماء افريقيا و الأندلس و المغرب''، لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي (ت 914هـ) بل ذهبت إلى استبعاد فتاوى المالكية لغاية الربع الأول من القرن العشرين ، كالمعيار الجديد المعرب عن فتاوى المتأخرين من علماء المغرب لسيدي المهدي الوزاني (1345هـ) وتوقعت العثور على ضالتي في فتاوى علمائنا المغاربة المعاصرين ، كالمرحومين بعفو الله ، سيدي عبد الله كنون ، الرحالي الفاروق ، الحسن الزهراوي ، المكي الناصري ، علال الفاسي ، والشيخين الداودي والحسيني... الخ ، لكن الظفر بالرجاء دونه كما يقال خرق القتاد ، فأجوبتهم متناثرة في الصحف و الدوريات و المجلات و الأبحاث وأشرطة الإذاعة ، وبرامج التلفاز الدينية ، وهي بحاجة إلى فقيه متمرس  بالمصادر الشرعية يجمعها ويبوبها ويحققها وينظمها .
  وعلى كل حال فقد توكلت على الله وعمدت إلى التنقيب عن تلك الجزئية فيما أسلفت من مظان ، وفي دعوة الحق وجدت جوابا العلامة الأديب و الفقيه و المؤرخ سيدي عبد الله كنون تحت عنوان : هل ينبغي للمرأة المسلمة أن تحمل اسم زوجها بعد الزواج ? .
 فقد صنف رحمه الله هذه الجزئية تحت أصل عام ، ذم فيه التقليد المنافي للاجتهاد (( فالتقليد يدل على عدم الأصالة ، وأن المقلد لا يفتأ يعلن بفعله فضلا عن قوله أنه نسخة من غيره وأنه تابع لا متبوع )) واستدل على عدم جواز حمل المرأة المسلمة للاسم العائلي لزوجها بأدلة منها :  
(1 – قضية زيد بن حارثة الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم تبناه ، فلم يكن يعرف إلا بزيد بن محمد حتى نزلت آية (( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله )) سورة الأحزاب/5 فنسب من حينئذ إلى أبيه . وظاهر أنه إذا امتنع هذا في حق سيد المرسلين وخاتم النبئين ، فلأن يمتنع في حق غيره بالأولى و الأحرى .على أن النهي عن ذلك ورد صريحا في الأحاديث النبوية الصحيحة كحديث البخاري : (( ولا ترغبوا عن آبائكم...)) ، وحديث الصحيحين معا : (( من ادعى إلى غير أبيه وانتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله و الملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا )) . والأحاديث في ذلك كثيرة ، ويكفي أهل الإيمان ما ذكرناه منها .  
 2 - أن المرأة بصدد الفراق إما بالموت أو الطلاق ثم الزواج بعد ذلك بغير زوجها الأول ، فهي مضطرة إلى نبذ اسم الزوج السابق و اتخاذ اسم الزوج الجديد ، وهو عمل إن دل على شيء فعلى الزيف و التذبذب ، ولو احتفظت باسمها العائلي أولا لما تعرضت لشيء من هذه الأحوال المضطربة .
وهنا يظهر التقليد الإسلامي في الاحتفاظ للمرأة بشخصيتها كاملة وإن تزوجت ، وإن كان زواجها مبنيا على ما شاءت من العواطف ، لأن الإسلام لم ينهها عن هذا الزواج ، بل حض على المودة والتعاطف بين الزوجين وأمر حتى بعد الفراق بعدم نسيان الفضل و المعاملة الحسنة ، إلا أنه لم يدع الزوجة قط إلى التنازل عن شخصيتها و المسامحة في حقوقها ، وذلك هو الاحترام الصحيح للمرأة وحفظ كرامتها التي أهدرت على مذبح الأغراض والشهوات ،  والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) .
محمد الطوكي ـ كلية الآداب مراكش


معرض صور