المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

حول مواقع ثلاثة أبواب مرابطية في سور مراكش

السبت 13 يونيو 2015


أولا : تمهيد
منذ القرن الماضي وإلى الآن بذلت جهود مشكورة في إخراج مجموعة مصادر تتعلق بتاريخ المغرب في العصر الوسيط، اعتنى بنشر طبعاتها وتصحيحها باحثون مغاربة وأجانب من أجيال مختلفة، وكان من ثمار هذه الحركة خدمة المصادر بتوسيع نشرها وتيسير تداولها، وخدمة الباحث الجاد في التاريخ خاصة، بما يملأ بعض فراغات أبحاثه، ويزيد من تدقيق أسئلتة، ويقدم إليه مستندا لتقويم ومراجعة نتائج أعماله، فنشر نص تاريخي في حد ذاته فائدة تحصل، وتقريب على الطالب مطلوبه، ولا يقدر قيمة هذه الخطوة إلا من طال عناؤه مع المخطوط وإن أجدى، ومن تصفحه ولم يجد لمطلوبه إشارة فيكون قد قطع وقتا في التماس مطلب لم ينله، ومن اشتدت حاجته إليه، ويعلم مكان وجوده ومنعه من الاطلاع عليه بخل مالكه الذميم، وإذا تعزز النشر بالتحقيق المستوفي لشروط إتقان الضبط والتصحيح والتهذيب وجودة الشرح والتعليق، والعناية بالفهارس الفنية المناسبة، ومشتملا على جميع ما يحتاج إليه الباحث المدقق من خدمة مصدر للنشر، يصبح بحق مفتاحا للمتن أو يفترض فيه ذلك.

وكان من ثمار هذه الجهود أيضا ظهور محققين من ذوي الهمم الكبيرة، يعتبر كل واحد منهم رائدا في هذا الحقل، محققا ماهرا يتصرف كيف يريد فيبدع ويجيد وتعتبر أعمالهم غاية في الضبط والإتقان، شاهدة بتبريزهم وتقدمهم، أفادت في وضع قواعد صلبة للتحقيق التاريخي الرصين، يتصدر هذه الطبقة، العلماء الجلة، محمد بن تاويت الطنجي، ومحمد بن شريفة وأحمد التوفيق  وكان لهم بذلك ما لنظرائهم في الفضل من الحسنى وزيادة.

ويبدو أن التراكم الحاصل الآن في المصادر المحققة الخاصة بالعصر الوسيط، يستدعي من المشتغلين بالبحث التاريخي، الانخراط في جهد مشترك ينصب على القيام بقراءة نقدية متأنية لمادة التحقيق، أولا من زاوية وضع حصيلة المنتوج المنجز تحت المجهر وتقويم درجة خدمته للنصوص المنشورة والتنقير فيه بعد التشريح، عن مواطن الخلل والزلل، وما يتطلب فيه مزيد عناية واجتهاد، وما يحتاج إلى التصحيح من جهة المراجعة، وإلى الإضافة من جهة التتميم والتكميل، واستدراك ما كانت في التنبيه إليه والعناية به فائدة وأغفل، وثانيا فحص أدوات الاشتغال المتبعة في حقل التحقيق التاريخي وقياس قدرة أدائها بغية صقلها قصد الوصول بها إلى عطاء جزيل، وتدقيق درجة الجدوة في مسالك البحث المعتمدة فيه، وإمكانية فتح أخرى، والإسهام في تجديد النظر في المطلوب من خدمات صنعة التحقيق التاريخي وتقدير الممكن فيه.

ثانيا: العلم الجغرافي وضرورة تدقيق موقعه
من البدهي أن العناية بالأعلام الجغرافية من شرط التحقيق التاريخي، وتدخل في صلب الضروري منه، ومن أغراض معالجة هذه المادة تقريب المطالع من السياق الجغرافي للنص موضوع التحقيق، كمفتاح لابد منه لفهمه، وحل مستغلقا ته وفك مبهماته، ومعرفة بعض جزئيات تاريخ المجال ذاته عن قرب، لأن العلم الجغرافي يعتبر وثيقة تاريخية تعكس صدى جانب من هذا التاريخ، وجزء من مادة تنظيم المجال، ومكونات خريطته.
ويحتل تحديد موقع العلم الجغرافي مكان الصدارة بين ما هو مطلوب فيما يجب البحث عنه من المادة الخاصة به، ففي التوطين الصحيح ضمانة لسلامة الفهم، وفي التوطين الخطأ اختلال المعرفة وإفساد للفهم، ولهذا الاعتبار حرص ثلة من مؤلفي المصادر الرفيعة أنفسهم على عدم إغفال هذا الجانب في متون مصنفاتهم، بلغت عناية بعضهم به حد التهمم، فعل ابن عبد الملك وسواه من المؤرخين الكبار.

ومحاولة تحديد الموقع ليست شيئا نمطيا، ولا تطرد نفس المناولة في كل علم جغرافي، فاختيار أساليب وتقنيات بحث بعينها يخضع مبدئيا إلى لغة النص، خاصة ما يتعلق منها بدرجة الصحة والخلل في رسم الاسم، ولذلك كان ضبط صحة كتابته وتأصيل لغته متعينة لابد منها، لأنها من أولى الأشياء في تحقيق رسمه، فهي ضمانة للنطق الصحيح الذي قد يساعد أحيانا في توضيح معناه ويسهم في تحديد موقع المكان الذي يطلق عليه بالقطع أو بالاحتمال. ويخضع الاختيار أيضا إلى وجود أو عدم وجود ما يشوش على تحديد الموقع في النص، من ذلك عدم وضع العلامات الاصطلاحية الخاصة بالترقيم موضعها المناسب، وما يمكن أن يؤدي إليه من تحريف لمعنى الكلام، قد يزل بالمحقق أو القارئ في ضبط الموقع الصحيح ومنه عدم الانتباه إلى الأسماء التي تحتمل أكثر من معنى، فيقع الوهم والغلط، إذا خالف الصواب المعنى الذي انتهى إليه الرأي، ومنه أيضا قراءة بعض عبارات وكلمات نصوص المصادر خطأ، وهي أصلا صحيحة المبنى والمعنى، ولا يوجد في بنيتها ما يدعو إلى تغيير رسمها ونطقها والاجتهاد في تأويل معناها، وليس في دلالتها ما يخل أو يفسد مضمون وسياق الأخبار التي تشكل عنصرا منها، وعين الصواب هي قراءتها وفق ما يقتضيه الرسم والشكل والصيغة التي وردت بها في الأصل.

ودون شك فإن بلوغ درجة عالية من الدقه في تحديد موقع ما، يعتبر مطمح كل مشتغل بالتحقيق، وإذا كان السعي وراء هذا الهدف يحتاج إلى إعمال النظر الممنهج، وإلى الاجتهاد المحوط بحصانة نقدية كافية، فإن فضاء معالجته يتسع ويضيق، وتحقيق أو عدم تحقيق النتائج فيه كليا وجزئيا تحكمه طبيعة وحجم وجدوى الإطار والمرجعي المتوفر في الموضوع من إشارات المصادر، والمخلفات المادية، والروايات الشفوية والخرائط التاريخية والصور الجوية والبحث الأركيولوجي والرصيد الطبونيمي وغيرها.

ثالثا: دراسة أربع حالات
في سياق الملاحظات السابقة، اخترنا في هذه المساهمة التنبيه فقط إلى ضرورة العناية التامة بالجانب الخاص بضبط وتحديد موقع العلم الجغرافي في التحقيق التاريخي، وحتى يكون محتوى هذا التنبيه مركزا دالا وواضحا، فإننا ارتأينا حصر المعالجة في تدقيق النظر في اجتهادات التوطين وتحديد المواقع في مادة تحقيق ثلاثة أبواب في سور مراكش هي: باب الشريعة، باب الصالحة، باب المخزن، وذلك في مصدرين موحدين، وجل المقصود هو تقديم نماذج للتوضيح والعناية بإصلاح ما وقع في تحقيق محققيها.
 
فمن خلال تتبع المادة المشار إليها في المصادر المذكورة، وإمعان النظر في محاولات محققيها ضبط مواقع الأبواب في خريطة السور: أمكن رصد والتقاط ضروب من الخلل، وجب التنبيه عليها والوقوف على طبيعة الخطإ فيها قصد المراجعة والتصحيح، تارة بتقديم تعديلات تثبت صحتها، ووجاهتها الحجج المتوفرة، وتارة أخرى باقتراح ما يبدو كاجتهاد مناسب لا يتعارض مع المؤشرات المتداولة.
رابطة الدين محمد
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
رابطة الدين محمد

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل