المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

حوار مع ريجيس دوبريه حول الصورة

السبت 14 ديسمبر 2013

 
في كلّ مرّة أجلس فيها مع الكاتب المتعدّد ريجيسْ دوبْري، منذ لقائي الأول به بسفارة فرنسا، قبل خمس سنوات، بفضل الكاتب والمؤرخ محمّد النّاجي، إلاّ واكتشفت في هذا الرجل المناضل والفيلسوف وعاشق الصّور قدْرة قلّ نظيرها على التحليل وتوليد الكلمات وإيجاد علاقات غيْر مُتوقّعة بين الكلمات والأشياء. في هذا الحوار، يتحدّث دوبري عن موْضوعه الأثير: الصّورة المُلتوية والمركّبة والهَرُوب، الصورة التي تبهر وتدهش بالقدْر التي تخدّر فيه وتعوّج الوقائع والحقائق، بما فيه الصورة السينمائية. كما أسترجع معه موضوعا طالما تحدث فيه وانْخرطَ بكل مسؤولية رجل اليسار، وهو القضيّة الفلسطينية والعدوان الإسرائيلي ودور الأمريكيين والأوروبيين فيه.
 
{ في كتابك الأخير «الصورة المذهلة-المخدّرة»، تعود لتواصل مقارباتك لموضوع الصورة. فهل الأمر بالفعل مواصلة لما سبق وقلته، أمْ أنّ الكتاب يختلف في مضمونه وشكله؟ 
> هذه الدراسة هي في الوقت ذاته امتداد لما أقوله وأكتبه منذ عقود عن تمظهرات الصورة، وهو انحراف نسبيّ أيضا. هي امتداد لأن الصورة، أو ما نجمع على أنه صورة، بات أكثر من أيّ وقت مضى مدخلا أساسيا لتحليل وتأويل كل أشكال التعبيرات الثقافية في العالم المعاصر. وهي مختلفة نسبيا من حيث هي بمثابة جينيالوجيا للصورة الغربية كما عشتها وعرفتها منذ طفولتي المبكرة. في هذا الكتاب قاربت الصورة في تعدّديتها الدينية والبراغماتية والجمالية وحتى الاقتصادية اليوم، وفي استعمالاتها الفردية والمناضلة والاستعمارية. 
 
{ تستعمل في العنوان لفظة image، مصحوبة بالنعت stupéfiant. ما التوظيف الذي تعطيه لهذا الكلمة؟
> استعرتُ هذه الكلمة الجميلة من الشاعر الفرنسيّ لوي أراغون، حين كان يحلّل مظاهر الحداثة الأدبية في العشرينيات من القرن الماضي. أهمّية هذه اللفظة المركّبة من الناحية الدلالية، هو هذا الالتباس الجميل والغنيّ الذي ينبثق منها. فهي تشير في الوقت نفسه: الأفيون والدهشة والحافز على التخييل والبدْء في الشيء الخ. طبقات دلالية جميعها، في التباساتها، سمحتْ لي بوصف وتحليل تاريخ الصورة الغربية، بدءا بالصّورة الدينية وصولا إلى الصورة الاقتصادية، مرورا بالصورة الفردية والإستيتيقية. 
 
{ لكنّْ، يبدو أنّ تحليل الصورة في العالم العربي غائب في تحليلاتك؟.
> هي ليستْ غائبة تماما، معَ أنّ الذي كان يهمني بالأساس هو الصّورة الغربية. غير أنني أفهمُ أنّ الصورة في الفضاء العربيّ الإسلاميّ ينبغي التمييز فيها بين الصورة خلال العصر الوسيط، حيث كانت مُبعدة لأسباب دينية أبرزها تحريم التجسيد والتشخيص، وهو الأمر الذي يعتبر بمثابة تدنيس لما هو قدسيّ، لكن في فضاءات أخرى مثل الفضاء الفارسيّ كانت المنمنمات تشخيصا مباحا بما شخص النبيّ. أظنّ أنّ الذي لعب دوْرا «إيجابيا»، في التراث المسيحيّ، هو فكرة التجسيد التي أعطت العالم الغربي الحقّ في الصّورة، وفي اعتبارها عملا إنسانيا مشروعا. من هنا ربّما جوهر الاختلاف بين الصورتيْن العربية الإسلامية والغربية المسيحيّة.
 
{ هل ما تحلله في كتابك الجديد مؤخّرا عن الصورة المخدّرة والمدهشة والمتناقضة، يختلف عن مقارباتك السابقة للصورة في تعدّديتها؟
> لا، لا تختلف المقاربة وإنْ اختلفت المعطيات والمستجدّات. فأنتَ تعلم بأنّ مشروعي ككلّ، مشروع الميديولوجيا، يندرج في إطار رصد وتتبّع ما تحدثه المستجدات والتطورات التقنية والتكنولوجيّة من آثار ومخلفات في الثقافات والذّهنيات. من هنا تلك العودة التي قمتُ بها، كما هو الشأن في كتابي «حياة الصورة وموتها»، إلى مختلف أشكال وصيغ التطوّر المُدهش الذي شهده تاريخ الإنسانية منذ الرّسوم الأولى على جدران المَغاور على مستوى شبكة الأنترنيت التي تختصر ما يسمّى حضارة الصورة. رغم أنّ العامل الاقتصاديّ بات متحكّما في شبكة الصور وترويجها لأهداف ربحيّة.
 
{ هل تحتاج الصورة إلى وسيط تعبريّ آخر يترجمها في شكل كلمات مثلا؟.
> الصورة لا تحتاج إلى ترجمة كالكلمات، لذلك فهي دائما سهلة الانتقال والتداول، وتخضع للزيادة والنقصان. وهنا أيضاً تكمن خطورتها. لكن، إذا سلّمنا بأن الصورة تلتقط الأشياء المرئية، فماذا سيحل بما لا يُرى، أي بالمُثُل والقيم والرموز؟ أتحدّث هنا مثلا عن صور الانتفاضات العربية في كلّ من تونس وسوريا ومصر، والتي تطالعنا في الجرائد والمجلات والتلفزيون بإيقاع متتابع وصادم، صور الموتى والأجساد التي تمّ تعذيبها وتقطيع أوصالها، وصور الأطفال. وحتى الذين لا مشاهدة بعض تلك اللقطات البشعة على شاشة التلفزيون، يبحثون عنها في اليوتيوب والفايسبوكْ وغيْرها من الوسائط التي أفرزتْ فكرة التلصّص. وبالتالي باتَ التلصّص على صُور الموت العنيف والبشاعة يوازي التلصّص على صور الجنْس الإباحي. أصبحت الصورة تعرّي جميع بمن فيهم أكلة لحوم بشر الأزمنة الحديثة، ولكن من خلال النظر فقط وبصورة رمزية. يتعلّق الأمْر بعملية إنتاج واسْتهْلاك من نوع جديد. صور جثث الأطفال البشعة التي لم تُدفنْ تفيض عن الصورة، بل أصبحت جزءاً من الواقع اليوميّ لأنّ الصّورة وضعتْها في عراء الحاضر المفتوح.
من ثمّة، إذنْ، تشهد الصورة على الجريمة، ترينا الأجساد وقد مرّ عليها الموت. لا ينبغي أنْ ننسى، في هذا السياق، بأنّ الأمريكيّين قد فطنوا لأهمية تأسيس الجماليّ على التراجيديّ، وأسّسوا للفنّي والاستتيقيّ اعتمادا الموْت القتل الجماعي، وهذا ما جسّدته أفلام الويسترنْ. في بعض التغطيات المصوّرة، نشاهد الموت نفسه كيف يقترب من الجسد ويستولي عليه. الصورة المتحرّكة، هنا، ترافق الجسد إلى حتفه فيما تشارك في تسجيل فعل القتل.هناك صور تنقل العنف، وأخرى تمارس العنف. تتكاثر الصور وتتدفّق بلا حساب. تتخلخل معها المقاييس وتتغيّر نظرة الإنسان إلى الموت فتصبح، أكثر فأكثر، نظرة استيهامية. موت الآخر بالطبع، لأنّ الآخر هو الذي يموت دائماً، ولأنّ الأنا لا تستطيع أن ترى موتها. نلتفتُ إليهم جميعاً ونتابع طعامنا وكأسنا وطريقنا في الحياة التي ما عدنا نعرف أين الحدود فيها بين الواقع وما نفترض أنه الواقع.
 
{ أشرتَ إلى أنّ الصّورة، بما فيها الصّورة السّينمائية، تنْطوي اليوم على قيمة تسويقيّة.
> بالفعل، لقد أصبحت الصورة قيمة عليا في سياق هيمنة العالم التسويقي والتجاري. جميع أنواع الدعاية والإشهار تتمّ عبر الصورة، وفي العصر الحالي بواسطة السينما، وهو الأمْر الذي فهمه الأمريكيّون أكثر من غيرهم، والذين عرفوا كيف يقومون بتصفيف التاريخ وتصفيته بمصْفاة الصورة عبر صناعة الأفلام. تحليلي للصورة، الكثيرة والمتنوّعة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، هو تحليل تفاعلي بين الصورة والناظر إليها. ذلك أنّ مُشاهدة صورة فوتوغرافية أو فيلم أو لوحة تشكيلية أو غلاف كتاب، يمكن أن يؤثر ويتحكّم في حياة بكاملها، وبخاصة عندما تُضاف إليها الكلمات. لا يتعلق الأمر إذنْ بالاعتقاد في الصور، بل في اعتقادها واسْتضمارها. 
 
{ هل هناك دائما هذا الوصف البريء للصورة، مهما كانت طبيعتها؟
> بطبيعة الحال ليس هناك وصف بريء للصور، هناك دائما إسقاط ذاتي أو سياسي أو اقتصادي أو غيره. تنتصبُ بيننا وبين الصورة طبقات تأويلية راكمتها عبر التاريخ الطويل.
 
{ إلى جانب مشروعك الميديولوجي الكبير حول مستتبعات الصورة في الحياة الثقافية والفكرية والاقتصادية، نلاحظ عودتك، من حين لآخر، إلى الاهتمام الأساس المتمثّل في الالتزام السياسي بالمعنى الإنساني الواسع، والذي تجسّد خصوصا في كتاب «رسالة إلى صديق إسرائيلي، هل هذا صحيح؟
> نعم صحيح، ولكن ما كان يهمني في كتابي هذا هو التعبير لصديق لي عن ضجري من من السياسة الإسرائيلية التي أقرؤها في ضوء تطوّر الفكر الصهيوني والثقافة الدينية اليهودية، هناك استهتار كبير تمارسه الدعاية الإسرائيلية تجاه الرأي العامّ الأوروبي. هذا فضْلا عن تراجع شريحة العلمانيين داخلها وتراجعهم لفائدة المتديّنين الذين يقودهم الحاخامات. واليهود المتديّنون ليسوا حادثا طارئا على الصهيونية، وإنما شكّلوا باستمرار قوّة المشروع الصهيوني الدافعة. من زاوية نظر تاريخية بحتة ظلت الصهيونية العلمانية عاجزة عن التقدّم إلى حين التحاق المتديّنين بالركب. هناك أيْضا جانب الدّعاية الإعلامية الإسرائيلية نفسها هي، وعبر الآلة الإعلامية الأمريكية التي تبرّر كلّ شيء لصالح الإسرائيليين، وفق المبدأ المعروف، وهو محاربة الإرهاب والقضاء على الهمجيّة، من هنا القول مثلا بأنّ الهجوم على غزة، وكلّ العمليات الهجوميّة هي جزء من الصراع بين قيم الحداثة والإنسانية الغربية وبين الهمجية والكراهية. ذلك مبرّر كاف.
 
{ وما دوْر الأوربيين في هذا الشأن؟
> ليس من السهل إقحام الأوروبيين في هذا الموضوع عندما تريد الدعاية الإسرائيلية ثمّ إخراجهم منه بكلّ البساطة الممكنة عندما يخدم ذلك رغبة في الاستفراد بمنطقة كاملة وبشعب أعزل. ومع ذلك، فإن اليهود مدلّلون كثيرا في أوربا، بما فيها فرنسا، قياساً إلى المسلمين المستهدفين والمُحاصرين بالقوانين الرادعة. حتما إنّ تصوير الأمر بطريقة عكسية للواقع لا يمكن إلا أن يخفي رغبة في الضغط المستمرّ على الساحة الفكرية والسياسية الفرنسية، وهو أمر لا يمكن تصنيفه إلا في خانة الدعاية الوقائية التي لا تستفيد منها إلا السياسة الإسرائيلية، تلك السياسة غير الوفيّة حتى لمنطلقات الصهيونية. ومن زاوية تاريخية، فقدْ استغلّت الصهيونية انتشار اللاسامية في أوروبا كقوّة دافعة لتكتيل اليهود حول الفكرة الصهيونية، كمحرّك للتاريخ اليهودي. ما تستخدم الصهيونية من أجله اللاسامية اليوم أمر مختلف تماما، فيه الكثير من الانتهازية السياسية حتى تجاه الدول الصديقة تقليديا لإسرائيل، وفرنسا إحداها. 
 
{ هل بمقدور الولايات المتحدة اليوم فرْض عملية السلام المنشود؟
> الولايات المتحدة ليستْ الطرف الوحيد القادر على فرض السلام على الجميع في المنطقة، وحتى في ظلّ حكْم أوباما، فإنها لا يمكن أن تكون طرفا محايدا في الصراع، بل الطرف المحايد الحقيقيّ هو أوروبا. الإسرائيليون يدركون ذلك طبعا، وما ميلهم لتحكيم الأمريكيين إلا دليل على الثقة في عدم حيادهم.
مصطفى النحال / الاتحاد الاشتراكي
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
مصطفى النحال / الاتحاد الاشتراكي

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل