المراكشية : بوابة مراكش

حملت رسائل "سري للغاية" و"عاجل" .. قصة الحمام الزاجل على مر القرون/٣


محمد شعبان أيوب | حرر بتاريخ 24/07/2020




 

ويخبرنا القلقشندي (ت 831هـ) في موسوعته "صبح الأعشى" أن المماليك في مصر والشام في زمنه كانوا يُخصصون للحمام الزاجل أبراجا وأماكن محددة معدة للطيران، وموظفين مسؤولين عن هذا النوع الذي عُدّ إستراتيجيا من رسائل وبريد الدولة السريّ، اسم الواحد منهم "برَّاج"، وكانت هناك أماكن/محطات محددة بين مصر والشام لهذا الحمام، ففي القاهرة مكان الانطلاق والصدور نجد المركز الرئيسي في قلعة الجبل (صلاح الدين)، وفي بلبيس برج، وفي غزة برج، ثم القدس، ثم دمشق، ثم حلب، وغيرها، ومن القاهرة جنوبا سنجدُ في قُوص برجا، ومن قوص إلى عيذاب على البحر الأحمر سنجد برجا آخر.

 

كما ذكر القلقشندي أيضا الإجراءات التي كانت مُتبعة عند إرسال هذه "البطائق"، أي الرسائل في أجنحة الحمام، ومَن كان يستقبلها، وأنواع هذه الرسائل/البطائق من حيث الأهمية، قائلا: "إذا وصل الطائر إلى البرج الذي وُجِّه به إليه، أمسكه البرّاج (موظف الحمام) وأخذ البطاقة من جناحه وعلّقها بجناح طائرٍ من حمام البرج الذي يليه، أي من المنقول إلى ذلك البرج، وعلى ذلك حتى ينتهي إلى بُرج القلعة [في القاهرة] فيأخذ البراج الطائر والبطاقة في جناحه ويحضره بين يدي الدّوادار الكبير [سكرتير السلطان] فيُعرض عليه، فيضع البطاقة عن جناحه بيده: فإن كان الأمر الذي حضرت البطاقة بسببه خفيفا لا يحتاج إلى مُطالعة السلطان به، استقلّ الدوادار به؛ وإن كان مهمّا يحتاج إلى إعلام السلطان به، استدعى كاتب السرّ [وزير الخارجية والديوان السلطاني] وطلع لقراءة البطاقة على السلطان كما يُفعل في المكاتبات الواردة"[11].

ويبدو أن عادة تخصيص مؤسسة أو ديوان مستقل للحمام الزاجل كانت أسبق من الوجود المملوكي في مصر والشام، لا سيما في عصر الفاطميين ثم الزنكيين في عصر السلطان نور الدين محمود بن زنكي (ت 569هـ)، فقد ذكر ابن فضل الله العمري في "التعريف بالمصطلح الشريف" أن الخلفاء الفاطميين بالغوا في الاهتمام بهذا اللون من الحمام حتى خصصوا له ديوانا (مؤسسة) مستقلة لها تنظيم إداري معلوم، وكان لكل خليفة فاطمي شخص خبير في شؤون الحمام يُدعى "صاحب الحمام" كان من جملة كبار مسؤولي الدولة[12].

ويبدو أن رسائل البطائق التي كان يوصلها الحمام الزاجل أو الحمام الرسائلي كان يمكن وصفها بالرسائل "شديدة السرية" أو "شديدة الأهمية" و"العاجلة" كما في عُرفنا هذه الأيام، حتى إن القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر (ت 692هـ)، رئيس ديوان الإنشاء المملوكي (وزير الخارجية والديوان السلطاني بتعريفنا اليوم) لثلاثة سلاطين مماليك كبار هم الظاهر بيبرس والمنصور قلاوون والأشرف خليل بن قلاوون، يقول في كتابه "تمائم الحمائم": "الذي استقرت قواعدُ الملك عليه أن طائر البطاقة [الحمام الزاجل] لا يلهو المالك عنه ولا يغفل ولا يُمهل لحظة واحدة فيفوت مهمات لا تُستدرك… ولا يقطع البطاقة من الحَمام إلا السُّلطان بيده من غير واسطة أحد، فإن كان يأكل لا يُمهل حتى يفرغ، وإن كان نائما لا يُمهل حتى يستيقظ بل يُنبّه"، فتأكيده أن السلطان وحده هو المخول بالنظر في رسائل الحمام الزاجل يدل على أنها كانت "شديدة الأهمية والسرية".


وإذا كان الزاجل قد استُخدم لمطالعة الأخبار اليومية أو العسكرية بين البلدان والأقاليم طلبا لسُرعة الوصول من الولاة إلى مرؤوسيهم من الملوك والسلاطين والخلفاء، فقد استخدمها الناس أيضا لأغراض أخرى، لا سيما للتراسل العاطفي بين المحبين والعُشّاق، مثل الرسائل التي وجّهها المعتمد بن عباد (ت 488هـ) أمير إشبيلية في الأندلس إلى أصحابه ونسائه، أو الرسالة التي بعثها المعتصم بن صمادح أمير ألمرية بالأندلس إلى جواريه ومحظياته أثناء إقامته بعيدا عنهم على سبيل النزهة والاستجمام، وقد ضمّنها قوله:

وحمَلتْ ذاتُ الطوقِ منّي تحية *** تكونُ على أُفق ألمرية مجمرا

تبلغُ مِن وُدّي إليكُم رسائلا *** بأعبقِ من نشْر العبير وأعطرا[13]

تلك لمحة من لمحات اتصالات ذلك العصر القديم، الذي كان يُستخدم فيه الحمام الزاجل كأسرع وسيلة للاتصال والتواصل بين الأقاليم البعيدة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في أيام وساعات معدودات من خلال هذا الحمام الذي أنفقت الدول الإسلامية فيه الأموال، وأنشأت له المؤسسات، وجعلت له الأولوية في كثير من الأوقات.





في نفس الركن
< >

أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة






الأكثر قراءة

Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة