المراكشية : بوابة مراكش

حملت رسائل "سري للغاية" و"عاجل" .. قصة الحمام الزاجل على مر القرون/٢


محمد شعبان أيوب | حرر بتاريخ 23/07/2020




وإذا كان الجاحظ يُسميه بـ "حمام الهدي" فإن القلقشندي الذي جاء بعده بخمسة قرون يسميه بـ "الحمام الرسائلي"، ويصف اختصاره للمسافات والزمن الذي قد يتقلص معه إلى شهر كامل قائلا: "والحمام الرسائليّ وما يحمل مِن بَطائق (رسائل)، ويتحمّل مِن الأنباء ما ليس سواه له بِطَائقٍ، ويخوض مِن قَطْعِ الأنهار، ويقطع إلينا ما بعد مسافة شهر وأكثر منه في ساعة من نهار"[6].

وقد كان تدريب الحمام الزاجل آنذاك على أساس اهتدائه إلى "الغاية" بجودة الاستدلال والوعي وحُب الرجوع لأصحابه، وكان ذلك يتم عن طريق انتقاء الحمام صغيرا/فرخا جائعا، فتُحمل أفراخ الحمام إلى سطح أحد البيوت في منتصف النهار، ويُنثر الحَبّ على السطح حول صارٍ فوقه علَم، واشترط مدرب الحمام أن يكون العلَم واضح اللون حتى يمكن الاهتداء إليه، وفي أغلب الأحيان كان إطلاق هذه الأفراخ بعد مدة من قص ريشها، على أن تُطلق مثنى مثنى أي زوجين زوجين، بحيث تكون إحداهما أحدث قصا لريشها من صاحبتها، ثم يُطلق المدرِّب الحمامة التي نما ريشها، فلا تلبثُ أن تعود حنينا إلى صاحبتها، وبذا يضمن المدرب تأليف الحمام وعودته إلى أمكنة تدريبه التي كانت تُسمى "المزاجل" أي "الأبراج"[7].

ولم يقتصر تدريبهم على المزاجل أو الأبراج الثابتة، بل كانوا يحرصون على تدريبها من فوق ظهر السفن تعويدا للحمام على الطيران عبر البحار أيضا، وكان من أهم أركان التدريب للحمام أن تصبح الحمامة "الزاجل" قادرة وحدها على الرجوع إلى مصدرها من فوق البر والبحر معا، وهو الذي اصطلح الجاحظ على تسميته بـ "الغاية" في القرن الثالث الهجري[8].

وكان أداء هذا الحمام لمهامه وقدرته على التمييز بين مصدر طيرانه ومقصده من الظواهر اللافتة التي أدهشت الكثير من المثقفين والعلماء والوزراء في تلك السنين، حتى إن القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني (ت 596هـ) وزير السلطان صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ) وكاتبه المقرب، يقول عن هذا الحمام وبطائقه التي يحملها أسفل جناحيه: "كان هذا الطائر أحد الرسل المسيّرة بل المبشِّرة، والجنود المجرّدة بل المسخَّرة؛ فإنها لا تزال أجنحتها تحمل من البطائق أجنحة، وتُجهِّز مِن جيوش المقاصد والأقلام أسلحة؛ وتحمل من الأخبار ما تحمل الضمائر، وتطوي الأرض إذا نَشرت الجناح الطائر؛ وتُزوى لها حتى ترى ما سيبلغه مُلك هذه الأمّة، وتقرب بها السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ولا همّة"[9]. 

وقد استُخدم الزاجل في إبّان كل الصراعات الإسلامية ضد البيزنطيين الروم والصليبيين والتتار وغيرهم، وكان السلاطين والخلفاء يعرفون به آخر الأخبار والمستجدات في ميادين الحرب، وكذا عامة الناس، فحين اقترب المغول من مدينة حماة سنة 659هـ نصح أحد الأمراء نائبها قائلا: "اكتب الساعة إلى السلطان، على جناح طائر، وعرّفه أن القوم ثمانون ألف مقاتل فى القلب، منهم أربعة وأربعون ألفا من المغل (المغول) وهم طالبون القلب، وميمنتهم قوية جدا، فتقوى ميسرة المسلمين، وتحترز على الصناجق. فكتب النائب بذلك إلى السلطان"، وقد وصلت هذه الأخبار إلى السلطان بيبرس الذي اتخذ احتياطاته واستطاع المماليك الانتصار على المغول في تلك المعركة للعام الثاني على التوالي بعد "عين جالوت"، ثم "وصلت البطائق (في أجنحة الزاجل) إلى الرحبة (على نهر الفرات) بخبر النصر وهزيمة التتار، كان أبُغا (بن هولاكو) ملك التتار يحاصرها، فدُقّت البشائر، وأعلن الناس بالنصر، ففارقها أبغا وتوجّه إلى بغداد"[10]. فكان للحمام الزاجل أبلغ الأثر في انتصار الجيش الإسلامي المملوكي.




في نفس الركن
< >

أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة






الأكثر قراءة

Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة