المراكشية : بوابة مراكش

حملت رسائل "سري للغاية" و"عاجل" .. قصة الحمام الزاجل على مر القرون/١


محمد شعبان أيوب | حرر بتاريخ 22/07/2020



"ولولا الحمام الهدّي (الزاجل)، لما جازَ أن يعلم أهل الرّقّة والموصل وبغداد ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في يوم واحد، حتى إن الحادثة لتكون بالكوفة غدوة (صباحا) فيعلمها أهل البصرة عشية ذلك".

(الأديب الجاحظ (ت 255هـ) في كتابه "الحيوان")


 
في عصور قديمة لم يكن الإنسان قد توصّل إلى التكنولوجيا الحديثة التي اختصرت المسافات والأزمنة، كانت الحاجة مُلحّة إلى الاتصال بأقرانه ومجتمعاته وأحبابه على اختلاف البلدان وابتعاد الأقطار، وقد عرفت الحضارات القديمة البريد بأنواعه المختلفة، واستخدمت في ذلك وسائل العدو بين القرى والمدن القريبة، أو الخيول والدواب الأخرى لبلوغ المآرب، وقضاء الحاجات، لكن ثمة نوع من البريد كان أسرعهم، كان بمنزلة التليغراف الذي يعطي رسائل محددة بكلمات معدودة في وقت سريع وموجز لأمور عاجلة لا يجوز أن تستخدم معها وسائل البريد التقليدية الأخرى.
 
ويخبرنا ول ديورانت في موسوعته "قصة الحضارة" أن الإغريق الأقدمين في اليونان قد عرفوا التراسل بالحمام الزاجل منذ ما قبل الميلاد، قائلا: "كانت الرسائل الخاصة تنتظر إلى أن يتاح لها مَن ينقلها منهم. وكانت الأخبار الهامة تُرسل بالإشارات النارية يتلقفها تل من تل أو بالحمام الزاجل"[1].
 
وقد سمَّى العرب هذا النوع من الحمام بالزاجل أي الحمام الدافع أو الراسل، وقيل إن كلمة زاجل كلمة فارسية الأصل تعني قائد العسكر أو قائد الجند، وكانت تُستعمل هذه الكلمة لكل أنواع الحمام المستخدم في نقل الرسائل بمختلف أنواعها خبرية كانت أم حربية وعسكرية. وقد تطورت آليات الاستفادة من الحمام الزاجل، وأضحى المسلمون مُلمِّين بمرور الزمن بطرائق استخدام هذا النوع من الحمام حتى بلغوا فيه الخبرة والغاية. فكيف استُخدم الحمام الزاجل بين الناس طوال تلك القرون؟ وما أبرز القصص التي دارت حول الزاجل؟ وما آراء المؤرخين ورواياتهم في الرسائل شديدة السرية والأهمية التي كان يحملها بين جناحيه؟ ذلك ما سنعرفه في قصتنا التالية.
 
كانت الإشارة الأولى للحمام وأهميته في التاريخ الإسلامي هي قصة الحمامتين اللتين باضتا فوق غار ثور أثناء هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، وحين دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة المكرمة فاتحا وهادما الأصنام والأوثان كافة التي كانت تُحيط بالكعبة المشرفة، كان من جملة هذه التماثيل المحطمة تمثال مصنوع من خشب النخل على هيئة حمامة، ما يدل على أهمية الحمام وكثرته في هذه البقاع، وقد استخدم المسلمون الحمام في أغراض اللهو في عهد الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فكان الفتيان يطلقون الحمام في مباريات للسباق فيما بينهم، وكثر فساد الحمام لأجل ذلك، فكثيرا ما أصاب الناس، وفقأ أعين البعض منهم، دون أن يصلوا إلى صاحبه لأخذ القود أو الدية، الأمر الذي اضطر الخليفة عثمان لإصدار قراره بمنع اللعب بالحمام، وذبح أية حمامة تقع في يد إنسان يعلمُ أنها أُطلقت ابتغاء اللهو أو الإيذاء[2].
 
ولقد اشتهر العرب بعد الإسلام بمعرفتهم لخواص الطير وحذقهم لاستخدام حمام الزاجل، وكتبوا في ذلك رسائل علمية عديدة منذ لحظات مبكرة في تاريخ القرن الثاني والثالث الهجري، فقد وضع أبو حاتم سهل بن محمد السِّجستاني (ت 250هـ) "كتاب الطير"، وألّف الشاعر الأندلسي يوسف بن هارون الكندي الرمادي كتابا في "الطير" في عدّة أجزاء كله شِعر، وكتب أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي (ت 208هـ) "كتاب الحمام"، وفي فترة متأخرة من القرن السابع الهجري وضع محيي الدين بن عبد الظاهر رئيس ديوان البريد والإنشاء في عصر السلطان الظاهر بيبرس (ت 676هـ) "كتاب تمائم الحمام" في النوع المخصص للرسائل[3].
 
وفي جانبه العسكري كان الأقدمون عند وقوع حدث مهم يُعلّقون الخبر بعُنق حمامة أو ضمن قارورة صغيرة من الورق الذهبي، وهو مَن الذهب الخالص الذي بلغ الغاية في الرقة والخفّة، وذلك لتكون مع خفّتها على الحمامة حافظة للرسالة من تأثير العوارض الجوية، وكانوا يضعون ضمن القارورة رسالة من الورق الرقيق ويكتبونه بقلم يُسمى الغبار، ثم يوضّحون على ظهر الرسالة وقت سفر الحمامة بالتدقيق التام، وبعد قليل يُطلقون حمامة أخرى حاملة الخبر نفسه على النمط السالف خوفا من ضياع الأولى وعدم وصولها[4].
 
وقد ذكر الجاحظ الأديب الشهير (ت 255هـ) في كتابه "الحيوان" اهتمام العرب وولعهم بالحمام الزاجل الذي كانوا يُسمونه "حمام الهدّي"، بل كان عندهم دفاتر بأنساب الحمام كأنساب العرب، يقول: "ولولا الحمام الهدي (الزاجل)، لما جازَ أن يعلم أهل الرّقّة والموصل وبغداد ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في يوم واحد، حتى إن الحادثة لتكون بالكوفة غدوة (صباحا) فيعلمها أهل البصرة عشية ذلك"[5].




في نفس الركن
< >

أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة






الأكثر قراءة

Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة