حلاقو المشاهير يروون حكاياتهم مع رؤوس سياسيين وفنانين ورياضيين‎

حرر بتاريخ 22/06/2015
حسن البصري


حلاقو المشاهير يروون حكاياتهم مع رؤوس سياسيين وفنانين ورياضيين‎

الحلاق هو الشخص العادي الذي تطأطئ له الشخصيات العمومية كيفما كان شأنها، الرأس، وتنحني له خضوعا، وعلى امتداد دقائق زمن الحلاقة تنقلب الأدوار ويتحول الحلاق إلى حاكم يأتمر بأوامره كبار القوم وصغارهم.
لكن الحلاق عرف منذ القدم بخفة دمه وإلمامه بجميع المواضيع المطروحة على ساحة النقاش، فهو ليس مجرد صاحب مقص ومشط، بل إن دكانه الذي تحول اليوم إلى صالون، يعد منتدى لمختلف الشرائح الاجتماعية، حيث تتحول حصة الحلاقة إلى جلسة نقاش حول مواضيع ثقافية وسياسية وفنية واجتماعية ودينية.
قبل أن ينال المغرب استقلاله، كانت دكاكين الحلاقة العصرية حكرا على الأجانب، وكان المغاربة الذين مارسوا المهنة مبكرا مجرد مساعدين يقتصر عملهم على كنس المحل وإلباس الزبون كسوة تقيه من الشعيرات المتطايرة وإحضار لوازم العمل، فيما كان الفرنسيون والإسبان أكثر الناس ممارسة لهذه الحرفة التي تصنف في خانة الخدمات.
وكان للمغاربة حلاقوهم لكن في خيام أو حوانيت مبنية من اللوح والقصدير، أو «نوايل»، يتردد عليها عدد من الزبناء من أصحاب القدرة المالية المحدودة، ليس فقط لحلاقة الرؤوس وتشذيب اللحى وحلق الذقون، بل أيضا لحقن الرؤوس وصفد الدم، أو ما يعرف بـ«الحجامة»، من أجل التخفيف من الضغط الدموي. وفي حالات عديدة يصبح الحلاق أساس عمليات الختانة حين يتعلق الأمر بطفل، اعتمادا على أدوات وتجهيزات توفر الحد الأدنى من الراحة، كما لا تحتاج المهنة إلى مهارة عالية، خاصة حين يتعلق الأمر بزج الرؤوس.
غالبا ما كان يخصص لهؤلاء زقاق تصطف فيه حوانيتهم، بينما يتردد الكثير منهم على الأسواق الأسبوعية لعرض خدماتهم في الحلاقة بمختلف تشعباتها، بدءا بحلق الشعر وانتهاء بخلع الأسنان، ومنهم من لا يتردد في الجمع بين الحلاقة ومهن أخرى، لاسيما العمل في الأعراس.
في هذه الظرفية التاريخية كان الحلاقون المميزون، مغاربة وأجانب، يتلقون دعوات لحلق رؤوس وذقون كبار الشخصيات في منازلهم، ومنهم من كان يغلق دكانه حتى ينتهي من إنجاز حلاقة خاصة لمسؤول كبير،  كما هو حال أحد حلاقي مراكش، الذي كان يحلق شعر الباشا التهامي لكلاوي ويستدعيه كلما تعلق الأمر بمسجون لحلق شعره، حيث كان يحثه على استعمال أدوات صدئة للتخلص من شعر معارضيه.

الآن تغيرت الأمور وأصبحت الحلاقة مهنة متطورة لها قواعدها، وأصبحت تعتمد على الدراسة والمهارة معا، بل إنها تحولت إلى حرفة تزيين للجسد ككل وليس الرأس. وبرع المغاربة في هذا العمل، حتى أصبح لهم شأن كبير في صالونات دول أوربا والخليج العربي وبعض الدول الإفريقية، خاصة جنوب إفريقيا، حيث يشتغل أغلب المهاجرين في مجال الحلاقة النسائية.
لذا لا يخلف المغاربة الموعد مع منصات التتويج، فيحصدون الجوائز والميداليات على المستوى الدولي، بسبر انفتاح المغرب على ما جد في عالم الحلاقة بحكم قربه من أوربا، فانتشرت صالونات الحلاقة الخاصة بالذكور والإناث على حد سواء، بل منها من آمن بالتعايش بين الجنسين فخصص صالونا لخدمة الجنسين معا. وغدا الاستثمار في «الرؤوس» مدرا للدخل، بعد التحول الذي طرأ على مهنة كان احترفها أشخاص كبار السن، قبل أن تعرف اجتياحا من الشباب الذين يحملون شهادات تدريب في مجال الموضة.
يشترط في الحلاق الإلمام الواسع بالمستجدات، حتى لا يتسرب الملل إلى العلاقة المهنية، فهو الخبير بالسياسة وبالرياضة والفن وأيضا بالأحوال الجوية. وكان تعلم المهنة يتم عن طريق «معلمين» يتوارثون الحرفة أبا عن جد، إذ على الرغم من المستوى الثقافي المتدني لحلاق زمان، فإن وجود مجلات مصرية وبعض الجرائد ومذياع يكفي لتأثيث الدكان، قبل أن تزحف التكنولوجيا ويتحول المذياع إلى تلفاز مرتبط بالفضائيات ومكيف ومجلات من مختلف الأصناف، دون أن ننسى الشهادة الكبرى للكفاءة التي تزين جدران الصالون.
هذه التحولات طالت حلاقة النساء أيضا التي لم تعد حكرا على النساء، بل هناك فئة واسعة من الذكور يفضلون هذا النوع من الحلاقة النسائية، رغم ارتباطها بالتجميل، فلم يعد اقتصار الحلاقة على مهارة الحلاق فحسب، بل أصبح مطالبا باكتساب مهارة التجميل.
وبلغ التخصص أقصى مداه، حين ظهر حلاقون مختصون في الأطفال، وهم غالبا ما يستقطبون أبناء المشاهير، مع ازدياد الإقبال على المهنة قبل العيد وخلال المناسبات، حتى أصبح علية القوم يتباهون بالتردد على صالونات راقية توفر الخدمة العالية مقابل مبالغ مالية تكفي لحلاقة 20 مواطنا.
في ظل هذه التطورات أصبح الحلاق الخاص بالمشاهير علبة أسرار، لأنه لا يوجد من يقترب من الشخصية العمومية أكثر من الحلاق الخاص بها، بل إن التاريخ يذكر كيف نال حلاق ديفيد كاميرون وساما تقديرا له على دوره في خدمة رؤوس المواطنين، وقال حلاق المشاهير لينو كاربوسيرو بعد حصوله على هذا الوسام، إن شكل الرأس والشعر مهم لدى السياسيين. وحسب «سكاي نيوز» التي أعدت تحقيقا في الموضوع، فإن كاربوسيرو هو الشخص الوحيد خارج منزل كاميرون الذي يعرف سر ذلك الجزء الأصلع الذي يشاع أنه يظهر ويختفي في مناطق مختلفة من رأس رئيس الوزراء. ومن الواضح أن هذا الرجل قدم خدمات استثنائية لولي العهد البريطاني الأمير تشارلز. وتحدث الإعلام البريطاني كثيرا عن موقف طريف لرئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ونجله، حين رفض صاحب أحد صالونات الحلاقة في لندن، قص شعرهما متحججا بانشغاله بقص شعر زبائن آخرين. فانسحب ديفيد بهدوء. وحسب صحيفة «ديلي ميل» البريطانية، فإن قص شعر رئيس الوزراء البريطاني يتجاوز 145 دولارا شهريا.
وتقول الأسطورة الإيرلندية القديمة إن الملك، لوري لينش، كان يصفف شعره مرة واحدة في السنة، ثم يأمر بإعدام الحلاق لئلا يكشف سرا عظيما، وهو أن أذني الملك كانت تشبه أذني الحصان. أما حلاق الملك ميداس، وفقا للأساطير الإغريقية، فكان على ما يبدو مطلعا على سر مماثل.
وكشف برنامج وثائقي نشر من الأرشيف الوطني البريطاني، أن مارغريت تاتشر قد جلست إلى مصففي الشعر ما لا يقل عن 118 مرة في العام 1984 فقط، أي بمعدل مرة واحدة كل ثلاثة أيام. ومنذ أن دخلت المرأة عالم السياسة، أصبح يفترض أنها تمنح شعر الرأس رعاية واهتماما خاصا. وكانت تقول: «لن يكون للمرء نصيب في عالم السياسة مطلقا وشعره بهذا المنظر».
قال وليام تروياك، رئيس نقابة الحلاقين وصانعي الشعور المستعارة والعطور في لندن، وهو يشرح ما يتمتع به مقص الحلاق من قوة تأثير سياسي: «الرجل الذي يسعى إلى صنع اسم له في عالم السياسة، عليه أن يجعل لنفسه تصفيفة شعر مميزة ويلتزم بها بقية حياته لتصبح علامة مميزة يتذكره الناس بها».
في ظل هذه المعطيات التاريخية، تجاوزت مهنة الحلاق حدود الزينة، إلى صناعة شخصية مؤثرة، بل إن كثيرا من المشاهير بدؤوا حياتهم حلاقين قبل أن يختاروا مسلكا آخر، كما هو حال النجم اللبناني، وائل كفوري، الذي بدأ مساره في محل للحلاقة الرجالية، حين كان يبلغ من العمر 16 سنة، بدأ بتعلم أصول مهنة التزيين وخطط لافتتاح صالون خاص به قبل أن يحصد الميدالية الذهبية في برنامج «استوديو الفن»، الذي كان يقدمه التلفزيون اللبناني ويخرجه سيمون أسمر، وأنجب هذا البرنامج العديد من الأسماء اللامعة في سماء الموسيقى العربية، مثل ماجدة الرومي، راغب علامة، نجوى كرم، نوال الزغبي... تألق وائل كفوري في هذا البرنامج الفني الشهير جعله يغير السكة. كما أن ليلى الطرابلسي، زوجة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، كانت حلاقة نسائية في مدينة سوسة، لكنها استطاعت أن تتحول إلى رئيسة للبلاد بالنيابة.
في هذا الملف ترصد «الأخبار» جوانب في حياة المشاهير والدقائق التي يخصصونها للاعتناء برؤوسهم، وتكشف عن الجانب الخفي في حياة حلاقي الشخصيات العمومية.

حلاقو الدار  البيضاء الأولون
في حي كاركو المتاخم لخط السكة الحديدية غير بعيد عن سينما «أطلس» بكراج علال، توجد بقايا زنقة الحلاقين الأولين للمدينة، فمذ بناء درب كرلوطي والأحباس في بداية الأربعينات، ظل حلاقو درب السلطان مرابطين في هذا الزقاق الهادئ الذي لا يزعجه سوى صوت القطار. ومن المفارقات الغريبة في هذا الفضاء، أنه قريب من سينما «أطلس» التي شهدت العرض الأول لفيلم «حلاق درب الفقراء» في نهاية السبعينات، وكأن المخرج استلهم سيناريو الفيلم من زقاق الحلاقين.
يقول حلاق ورث الحرفة عن والده، إن الحلاقة في حي «كاركو» كانت نوعا من «البريستيج»، ففي هذا المكان كان كبار المقاومين والرياضيين والفنانين يحلقون رؤوسهم، وسط جو من الألفة والود، وأضاف أن «بعض الفرنسيين الذين كانوا يشتغلون كتقنيين في معمل للسكر كان بجوار المكان، ترددوا على محلات الحلاقين وخضعوا لحلاقة فرنسية، لكن بمعدات بسيطة جدا. توجد المحلات على امتداد سور السكة الحديدية «لكن الحي حبس أنفاسه منذ ذلك الوقت ولم يطلقها، فاحتفظ بكل ما يميز تلك الحقبة. ولم يبارح الحلاقون المتراصون على شارعه مكانهم وما زالوا منكبين على عملهم، رغم أن المدخول اليومي يكفي فقط للبقاء على وجه البسيطة، لأن زبناء اليوم مجرد عابري سبيل».
تتحدث الروايات عن دورة تكوينية أقيمت في بداية السبعينات بدرب ليهودي، حي بوجدور حاليا، خضع لها عدد كبير من الحلاقين، بتأطير من أستاذ فرنسي متخصص في الحلاقة العصرية، ويعتبر أول «المعلمين» من خريجي هذه الدورة التي شارك فيها أصحاب دكاكين درب السلطان بكثافة.
ولم يقتصر تاريخ الحلاقة في الدار البيضاء على درب السلطان، بل كانت خيام للحلاقة في حي شطيبة بسيدي عثمان، بجوار ملعب «الحفرة» ومحلات في درب عوا بالمدينة القديمة، إلا أن أغلب الحوانيت الخشبية لم تسلم من الحرائق كما حصل في كراج علال، مما طرح أكثر من تساؤل حول تأهيل هذا القطاع والحفاظ على ما تبقى من «صنايعية»، جفت أصواتهم وهم يطالبون بسوق حلاقة نموذجي على غرار أسواق الخضر والأسماك النموذجية.


حلاق اليوسفي و«ناس الغيوان» ومشاهير الطاس
الحديث عن ذاكرة الحي المحمدي يجذبنا نحو الفرق الغنائية التي انطلقت من عمق هذا الحي المناضل، نحو لاعبي الاتحاد البيضاوي والثبات والترجي، نحو المناضلين الشرفاء في درب السياسة والعمل النقابي، لكن لا يمكن فهم الظاهرة الغيوانية في منأى عن حسن مزيال، أو «با حسن» حلاق الحي الشهير. والذي كان يتردد على دكانه نجوم الحي، خاصة أفراد «ناس الغيوان» والطاس، وهو الاسم الذي ورد في كتاب السيرة الذاتية للعربي باطما، حين وصفه بفريد الأطرش.
بدأت علاقة حسن بالمشاهير حين اقترب من العمل النقابي وتعاطف مع قضايا الطبقة الكادحة، وكان عبد الرحمن اليوسفي يتردد على دكانه ويضع رأسه رهن إشارته حين كان مجرد مساعد، عندما كان القيادي الاتحادي يقود انتفاضة عمال شركة «كوزيمار». لم يكن دور هذا الحلاق المتمرن يقتصر على حلق شعر المناضلين، بل كان مناضلا ناشئا لعب دورا كبيرا في تعبئة زبائنه أثناء عملية حلق الذقن أو الرأس، دون أن يفطن لذلك المستعمر، بل إنه اعتبر انتفاضة فرحات حشاد بالحي المحمدي تدريبا تطبيقيا له، هذا فضلا عن دوره كفنان في مجال المسرح والغناء، أتقن دوره الرئيسي في مسرحية «حلاق إشبيلية» لمعرفته بالحلاقة وقواعد العمل المسرحي.
امتلك حسن دكانا للحلاقة «حلاق الأحلام» وشرع في تأثيثه بمعدات بسيطة، لكنه كان مهتما بالموسيقى عازفا على أوتارها، فاستقطب مؤسسي فرقة «ناس الغيوان» في بداية الستينات، لتكون نواة لموجة غنائية جديدة. لم يكن حسن يعلم أن باطما وياعلا وعلال والسيد وبوجميع سيتحولون إلى مشاهير، وأن شرف حلاقة رؤوسهم لم يكن متاحا لآخرين في مهنة الحلاقة، لأنه كان يظن أن الأمر يتعلق بفرقة هاوية تغني من أجل المتعة.


ما يطلبه المشاهير من حلاقيهم
أغلب المشاهير، خاصة رجال الأعمال، يحرصون على توفر الصالون على معايير معينة، أبرزها موقعه في حي راق وعدم تردد البسطاء عليه، ناهيك عن الشروط الصحية الخاصة بتعقيم أدوات الحلاقة، والالتزام بشروط الصحة والسلامة، فهم يرفضون وضع منشفة الحلاقة حول رقبة أكثر من زبون دون غسلها أو تعقيمها، ما يؤدي إلى انتقال الأمراض الجلدية، لذا فصالونات «الهاي كلاس» تحرص على وضع معدات الحلاقة في المعقمات مثل «الموس» والمقص وغيرهما. ومن شدة خوف البعض من العدوى فإنهم يعملون على امتلاك وسائل حلاقة خاصة بهم، خوفا من انتقال الأمراض، وهي الوسيلة التي تعد أكثر أمانا، كما يحصل لدى بعض الأثرياء المغاربة على غرار الرئيس المدير العام لشركة «هونداي»، الذي يستدعي حلاقه الخاص إلى فيلته في حي كاليفورنيا، حيث حول غرفة إلى صالون حلاقة.
يقول المصطفى التفاحي، حلاق مشاهير في حي كاليفورنيا، لـ«الأخبار»: «إن أغلب الشخصيات الوزارية أو السياسية بصفة عامة وحتى الفنانين والرياضيين الذين يتحدرون من الدار البيضاء يفضلون التعامل مع الحلاق الذي رافقهم في شبابهم»، مؤكدا أن «نسبة 80 في المائة من الشخصيات العامة تفضل الحلاقة لدى حلاق له سابق معرفة بالتسريحة المفضلة، كما أن بعض الشخصيات ترسل أبناءها مع السائق من أجل الحلاقة بناء على توصية من السائق نفسه. ويوجد في الدار البيضاء عدد من الصالونات التي يتردد عليها زبناء مشاهير كالوزراء والبرلمانيين والفنانين ونجوم الشاشة عموما، وتوجد  في شارع غاندي، أو شارع الزرقطوني، أو شارع تدارت وكاليفورنيا، لكن أغلب الشخصيات تفضل الحلاقة في صالونات الفنادق الكبرى».
وإذا كان وزراء العدالة والتنمية الأقل ترددا على الحلاقين لأن إعفاء اللحى لا يتطلب مجهودا كبيرا، فالحلاقة الذاتية لا تكلف الكثير من العناء، فإن مواقع التواصل الاجتماعي قد نقلت صورا لوزراء يحلقون في دكاكين حلاقين بسطاء لا يجلس على كراسيهم علية القوم، كما حصل مع الحبيب الشوباني الذي اختار حلاقا شعبيا بأزقة بلدية بويزكارن بإقليم كلميم باب الصحراء المغربية، ليحلق شعره ولحيته. وبدا الشوباني في الصورة التي تداولها «الفايسبوكيون» مستلقيا على كرسي بسيط، بينما ينهمك حلاق شاب بإعداد تسريحة شعر تناسب السيد الوزير لما تبقى من مهمته التي تنتظره، وخاصة الحوار الوطني حول المجتمع المدني والذي احتضنته مدينة كلميم. وأثارت الصورة موجة من التعليقات، بين من اعتبرها قربا من الشعب وتواضعا من الرجل، وبين من وصفها بالممارسة العادية للحياة الطبيعية لشخصية عمومية، وبين من اعتبر الأمر مجرد شعبوية زائدة تصب في اتجاه الصورة التي يريد الحزب تسويقها.


الدليمي يقص شعره عند الدخيسي
كان الدخيسي، وهو والد العامل السابق، يدرك أن محل الحلاقة الذي فتحه في منتصف الأربعينات بالسور الجديد في المدينة القديمة للدار البيضاء سيصبح ملتقى للمشاهير، فالرجل اختار قلب الدار البيضاء النابض وشكل إلى جانب لمعلم عبد الله وإبراهيم، ثم الرحالي والسي مبارك رباعي الحلاقة العصرية في مدينة كان قص الشعر حكرا على الفرنسيين.
تحول محل الدخيسي إلى أشهر دكان حلاقة بعد أن استقطب العديد من مشاهير المجتمع ونجومه في السياسة والفن والرياضة، حتى ذاع صيته ووصل إلى عامل المدينة الذي أرسل إليه مرسولا ليقص له شعره.
بدأ الرجل علاقته بالشهرة حين أصبح عارفا بالأمور السياسية للبلاد، ملما بأدق تفاصيل الحياة العامة، فكانت حصة حلاقة أشبه لدى الناس بدروس في السياسة، لكن الدخيسي وبفضل عائدات هذه المهنة تمكن من تربية أبنائه التربية الصالحة، لاسيما وأن ابنه تحول إلى عامل بعد أن ارتقى في سلك الداخلية. كما أن أحمد الدليمي كان من أشهر زبائن الدخيسي، نظرا لعلاقة المصاهرة التي تربط العائلتين.
لكن أقدم محل للحلاقة في المدينة القديمة يعود للمعلم عبد الله، ويوجد بحي بوسبير القديم، وكان يتردد عليه عدد من الشخصيات أبرزها «الأب جيكو»، أحد مؤسسي الوداد ومدرب الرجاء سابقا، ونظرا لوجوده بالقرب من الماخور فإن عددا من الضباط يتوقفون فيه للحظات من أجل تزيين اللحظة الأخيرة، قبل ولوج بوسبير أو مجمع الدعارة. إلا أن دكان المعلم إبراهيم كان أكثر استقطابا من غيره للمقاومين ولرجال حزب الاستقلال وللرياضيين، وفيه صنعت العديد من المخططات التي جعلت الحلاق موضع ملاحقة من السلطات الفرنسية.
ويروي بوبكر اجضاهيم، والي الأمن السابق، عن علاقته بالمعلم عبد الله، قائلا: «الفرق بين الدخيسي ولمعلم عبد الله ولمعلم إبراهيم، أن الأول كان حلاق العائلات الذي تعددت اختصاصاته من الحلاقة إلى تلقيح الرؤوس ضد ضغط الدم، إلى ختانة الأطفال، بينما في سيدي فاتح بالدار البيضاء كان المقاومون يترددون على لمعلم إبراهيم، رغم أن محله لم يكن مزودا بالوسائل الحديثة للحلاقة، لكن لباقة الرجل وخفة ظله جذبت نحوه عددا من نجوم المجتمع، الرياضيين والسياسيين على الخصوص، فذاع صيته بين قيادات حزب الاستقلال ولم يمض وقت طويل حتى اتسعت دائرة شهرته لتشمل نجوم الفن والأدب، ومنهم من كان يتردد على الدكان دون الحاجة إلى حلاقة الرأس، بل فقط للاستئناس بعالم الرجل، ثم إن الرحالي الذي بدأ مساعدا للمعلم إبراهيم سرعان ما استقل بذاته في واحد من أكبر صالونات الدار البيضاء بالقرب من ساحة 18 نونبر». في تلك الحقبة كانت تصفيفة الشعر بسيطة، إذ غالبا ما يتم قص الشعر باللجوء إلى «جهاز» يدوي.
كان لليهود حلاقهم، يوحنا، بالقرب من ساحة فيردان والذي يتردد عليه بعض المسلمين أيضا، وفي هذا الصدد يروي عمر نعماني الذي اشتغل حلاقا مع الحماية الفرنسية وكان مكلفا بحلاقة رؤوس كثير من المغاربة الوافدين على الدار البيضاء عند نقطة «القامرة»: «اليهود كان لهم حلاقهم الشهير في فيردان غير بعيد من مقر السينما المغلقة الآن، وكان كلما تردد يهودي على المحل لحلاقة رأسه، إلا ويضع في صندوق خشبي مبلغا ماليا يدعم به حلاقة رؤوس البسطاء من اليهود في مشهد تضامني، أما الفرنسيون فكانت لهم محلاتهم المفضلة بالقرب من السوق المركزي».
وعن الأجر الذي يحصل عليه مقابل الحلاقة يقول نعماني، إنه على عكس ما يعتقد البعض من أن المشاهير يدفعون مبلغا كبيرا، فإن المقابل المادي الذي كان يحصل عليه أصدقاؤه الحلاقون من المشاهير عادي، لأن الحلاق هو الوحيد الذي يقدم خدمة دون وضع لائحة أسعار»، لذا فأكثر الناس شهرة هم أقلهم أداء.


حلاق مغربي تطأطئ له رؤوس مشاهير إيطاليا
اسمه الحركي «جاميك»، ويعرف بهذا الاسم كناية على المستحضرات التي يستعملها في عمله، وهي عبارة عن منتوجات في التجميل من مستخلصات الزيوت الطبيعية التي تصنع في إيطاليا غالبا وتصنع من مواد طبيعية كالأركان، الخاصة بعلاج الشعر. لكم اسمه المدون في دفتر الحالة المدنية هو، جمال ستيتو، الذي يناديه رفاقه بالملالي نسبة إلى مسقط رأسه في بني ملال.
من مهاجر سري في إسبانيا، عن عمر لا يتعدى 17 ربيعا، إلى أشهر حلاق في الديار الإيطالية، ثم إلى خبير في مجال الحلاقة والتجميل، هكذا يختزل الرجل مساره الحافل بالإنجازات. بدأت علاقة ستيتو بالمقص وهو فتى يافع، وحين نال شهادة حلاق من مدرسة حلاقة خصوصية في بني ملال، قرر أن ينذر حياته لخدمة الرؤوس الواطئة، ويطارد وراء البحر الأبيض المتوسط حلما لطالما راوده منذ الصغر وأن يصبح مالكا لصالون حلاقة يؤمه المشاهير. وفي مدينة ميلانو الإيطالية شق الفتى طريقه نحو الشهرة قبل أن يستقطب المشاهير نحوه، في مسار استثنائي انطلاقا من طموح يتجاوز حجم جسده وعصامية نادرة. وما إن حصل على شهادة في الحلاقة العالمية، حتى أصبح اسما مطلوبا لدى كبريات صالونات الحلاقة والتجميل، بل إنه تخصص في الظفر بالمسابقات المنظمة من طرف مهنيي هذا القطاع، وأصبح بين عشية وضحاها أشهر حلاق في ميلانو، بل عنصرا أساسيا في حفلات عروض أزياء أشهر المصممين. بعد أن قضى عقدين من الزمن بإيطاليا قرر الرجل الاستثمار في مجال التجميل بالدار البيضاء، ليدخل عالم الموضة من أوسع أبوابه، ويصبح صالونه عنوانا لشخصيات المجتمع، خاصة رجال الفن والسياسة وبعض الوجوه التلفزية التي لا تتردد في حفظ وصفاته عن ظهر قلب ضمانا لنظارة أطول، بل إنه أصبح ضيفا على برامج التجميل في عدد من القنوات المغربية، ووجها حاضرا في أغلفة المجلات المتخصصة في التجميل.
يقول أحد مستخدمي مؤسسة «جاميك» إن مهنته تفرض عليه السرية، «لأن حفظ السر المهني يزيد من ثقة الزبناء، فنحن لا نتعامل بمنطق الحلاق الذي تنتهي علاقته بالزبون بكلمة «بالصحة والراحة» بل نواصل تتبع الحالات وتزويد أصدقائنا بالاستشارة اللازمة، فبعض الشخصيات تقوم بصباغة شعرها وهناك شخصيات شهيرة تلجأ للباروكة، أو تلمع الأظافر، وهذا أمر شخصي لا يجب أن يتسرب خارج أسوار المؤسسة».


ما يحدث في غرف المكياج بالمحطات التلفزيونية
حسب مسؤولة عن غرفة المكياج في قناة «ميدي 1 تي في»، فإن بعض الوزراء الذين يحضرون إلى مقر القناة كضيوف لبرامجها، يفضلون الاستعانة بحقيبة تزيين في ملكيتهم، ويرفضون الاستعانة بمستحضرات التجميل التي تضعها القناة رهن إشارتهم، وكشفت عن أسماء بعض الوزراء الذين يفضلون التزيين الذاتي، بينما يرفض وزراء حزب العدالة والتنمية وضع «المسحوق» على أنحاء من وجوههم، ويصرون على الظهور على الشاشة الصغيرة بشكل طبيعي. والغريب أن بعض الضيوف «الأكابر» احتجوا لمرورهم دون تزيين بشرتهم، خاصة في استوديو الدار البيضاء، الذي لا يتوفر على مكلفة بالمكياج.
أما قاعة المكياج والتزيين في القناة الأولى، فهناك إجماع على أنها لا تمت بعلاقة لأي تلفزيون محترم، حيث سبق لمقدمة الأخبار باللغة الإسبانية، حورية بوطيب، أن صرحت في شريط فيديو بأن دار البريهي لا تتوفر على غرفة مكياج تليق بالتلفزيون الرسمي، «نغير ملابسنا في المرحاض، مع العلم أن المراحيض العمومية أحسن من مراحيض دار البريهي. لا أملك ملابس العمل، في مدة خمس سنوات اشتروا لي مرتين فقط ملابس العمل، أما الماكياج فحدث ولا حرج، فدار البريهي لا تتوفر على «ماكيوز» متمرسات، في حين مقدمة الأخبار غالبا ما تظهر بصورة بشعة. أتساءل كيف لهذا المشاهد أن يتحمل 15 دقيقة من تلك الصورة. مؤخرا بدأت أصفف شعري بنفسي وأعد المكياج بنفسي».
وإذا كانت منشطات القناة الأولى يعانين من غياب مزين مهني، فإن حال الضيوف يكون على نفس القدر من الاستخفاف، لذا يفضل عدد منهم التزيين في صالون قريب من دار البريهي، ضمانا للحد الأدنى من الوجه الحسن. ومن الطرائف المرتبطة بغرفة المكياج، ما حصل لمسؤولة حكومية تسببت في تأخير تصوير البرنامج الذي استضافها لتأخرها في غرفة المكياج.
وإذا كان المكياج التلفزيوني دعامة أساسية من دعائم الإطلالة الخاصة بالمذيعات بالقنوات الفضائية المغربية والأجنبية، فإن عددا من مقدمي الأخبار ومنشطي البرامج الحوارية يصرون على وضع المكياج، لضمان مرور مقبول لدى المشاهد والوقاية بالتالي من أشعة أضواء البلاتو. ومن الطرائف التي عاشتها قناة «الرياضية» التابعة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون، ما حصل لمدرب كرة القدم، حرص على تزيين ملامحه في غرفة ماكياج بـ«الرياضية»، وحين انتهت أشغال الترميم ركب سيارته وتوجه إلى فرع «قناة ميدي1 تي في» القريب من القناة الثالثة، وحل ضيفا على أحد برامجها الرياضية.

حلاق جطو الذي جدد دكانه بعد استوزار زبونه
يتداول المقربون من إدريس جطو حكايته مع حلاقه المفضل الذي ظل يتردد عليه منذ تعيينه في نونبر 1993 وزيرا للتجارة والصناعة، في الحكومة التي كان يرأسها، كريم العمراني. وهو المنصب الذي احتفظ به في الحكومة التي كان ترأسها عبد اللطيف الفيلالي. فعلى الرغم من الوضعية الاعتبارية للوزير، فإنه كان حريصا على مجالسة حلاقه، سواء خلال حصة حلق الرأس والذقن، أو بدون مناسبة، حيث كان يجد متعة في احتساء كأس شاي مع صديقه العارف بخبايا كثير من القضايا ويتقاسم مع جطو نفس الأفكار. لكن الحلاق سرعان ما استفاد من قرابة الوزير وقام بترميم دكانه على نحو آخر، بعد أن نال قرضا من غرفة الصناعة التقليدية، حتى يصبح الدكان في وضعية لائقة بالوزير الذي تسلق سلاليم المسؤولية في العديد من المناصب الوزارية، قبل تعيينه وزيرا أول من طرف الملك محمد السادس، وهو المنصب الذي رفع من قيمة الحلاق أيضا الذي أصبح، في نظر السلطة وأرباب محلات الحلاقة، شخصية نافذة في الحكومة بالنظر إلى لقربه من الوزير الأول. ويروي المقربون من الحلاق أن هذا الأخير بحث عن وساطة في الغرفة لتسهيل حصوله على قرض بنكي، لكن هذه الرواية لا تستند على أسس منطقية، مادام من حقه كمقاول صغير الحصول على قروض دون الحاجة لوساطة من الوزير.


ما يطلبه الوزراء في قاعة الانتظار
يقول يحيى الغربي، وهو حلاق في العاصمة الرباط يتردد عليه عدد كبير من البرلمانيين من مختلف الفرق السياسية، إن ممثلي الأمة غالبا ما يتصلون به لحجز موعد عبر الهاتف قبل التنقل إلى الصالون لحلق الشعر، أو الذقن، وعندما يضطر أحدهم إلى الجلوس على أريكة الانتظار، فإنه في الغالب ما يختار مجلة نسائية من المجلات المتناثرة على الطاولة، لتذويب «مونوطونيا» الانتظار. «لا يمكن لشخصية أن ينتظر دوره دون أن يتصفح مجلة نسائية لاحظت هذا مرارا، ولذلك فهمت سر حرص «الباطرون» على شراء المجلات النسائية منها المغربية والأجنبية، فتعلق الرجال بها يجعلهم أكثر صبرا وأقل نرفزة، بل منهم من يلتمس أخذ المجلة إلى البيت. أما «كاتالوغات» التسريحات فلا تستهوي أحدا».
بالمقابل يفضل بعض المشاهير قراءة كل ما وجد على المائدة من مجلات وصحف، لإيمانهم بأن المجلات النسائية لا تهم النساء فقط، فيما يفضل زبناء آخرون الانشغال بتفحص الرسائل النصية التي تتقاطر على بريدهم الإلكتروني من خلال هواتفهم الذكية.
لا تخلو الصالونات الحديثة من خدمة «الويفي»، وأغلبها مجهز بشاشات مرتبطة بفضائيات مؤدى عنها، ناهيك عن توفر المشروبات الضرورية.


رياضيون يعشقون تسريحة «الراسطا»
ينجذب كثير من اللاعبين المغاربة نحو موضة «الراسطا»، وهي عبارة عن تسريحة شعر تقوم على خصلات طويلة للشعر، وبألوان متنوعة، فهي أحد مظاهر الثقافة الإفريقية التي تمنح من يتبعها لمسة إفريقية مميزة.
تعتبر غينيا أصل العقيدة الصوفية «الرسطافارية»، لذا يعتمد كناوة في تسريحة رؤوسهم على هذه التقليعة، كما أن بوب مارلي كان ملهم الشباب ودافعهم نحو «الراسطا». ولم يقتصر الأمر على الفنانين، بل إن مجموعة من المدربين الذين قضوا فترة عمل في إفريقيا افتتنوا بهذه التقليعة، وحرصوا على إجراء تعديلات على شعرهم كما هو حال المدرب الفرنسي الراحل، برونو ميتسو، الذي أشرف على تدريب منتخب السينغال.
سقط كثير من اللاعبين المغاربة في حب «الراسطا»، وأخضعوا رؤوسهم لها، وفي إحدى رحلات الرجاء البيضاوي إلى مدينة أبا النيجيرية، عرض شرطي مرور على لاعبي الرجاء تسريحة «الراسطا» مقابل سعر لا يقل عن 10 دولارات، وهو ما انخرط فيه اللاعب بلمعلم بسرعة، وحين عاد اللاعب من حصة تدريبية قرر تغيير «لوكه» المغربي بآخر إفريقي داخل غرفته في الفندق، دون الحاجة للتنقل إلى صالون.

 


حسن البصري
صحفي




من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية