حكم الاعتداء على الزوجة بالضرب من الناحية الشرعية

الخميس 23 يناير 2014

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: - لا تضربوا إماء الله...الحديث(سنن أبي داود في باب حق المرأة على زوجها).
- "أطعموهن مما تأكلون، واكسوهن مما تكتسون،ولا تضربوهن، ولا تقبحوهن"أن تقول قبحك الله" أبو داود نفسه.
- لا يضرب أحدكم امرأته كالبعير، يجلدها في أول النهار، ويضاجعها آخره" أخرجه الترمذي والطبراني
- علام يضرب أحدكم امرأته" سنن أحمد


   الاعتداء على الزوجات بالضرب وبمختلف أشكال العنف ظاهرة لم تختص بالمتأخر من الشعوب،بل تسري بدرجات متفاوتة على النامي والمتقدم، ولا تقتصر على الجاهل المعتد بقوامته، بل تتعداه في مجتمعاتنا إلى المتعلم المزهو بثقافته وادعاء تنوره وأكاديميته، مظاهر مخزية شاهدناها، وقرأناها، ويكفي التردد على المحاكم هنا وهناك ، والاطلاع على محاضر استماع الجمعيات المدنية المعنية بشؤون النساء،والهول المخيف لحدة العنف الذي بلغ حسب إحصائيات الدولة ست ملايين حالة على رأسها ضحايا العنف بمختلف أشكاله الممارس على النساء، فاستحضار هذه المعطيات يجعلنا نعترف ونسلم بأن كرامة المرأة لازالت محط خرق وانتهاك وتجاوز الحدود.
ظاهرة اعتداء ضاربة في القدم وجدت في الجاهلية الجهلاء، وعمل الإسلام على الإتيان عليها بطريقة تدريجية وقد عبر عمر بن الخطاب،رضي الله عنه، عن هذه الإضافة الإنسانية الإسلامية بقوله:" كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئا، فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقا"، ونموذجنا الأمثل والمؤصل العملي لهذه الكرامة سنلتمسه في علاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بزوجاته أمهات المؤمنين. فهذه سيدتنا عائشة –رضي الله عنها- وما أدراك ما عائشة؛ الفقيهة والمجتهدة التي كان الخلفاء الراشدون يستشيرونها ويحيلون عليها مجموعة من الإشكالات النسوية العويصة، والتي قال الذهبي في حقها " عائشة أفقه نساء الأمة على الإطلاق" وأثبت مسردا مطولا بمجموعة من الصاحبة الذين تأتت لهم الرواية عنها، تحملوا عنها زهاء ألفين وثلاثمائة حديث، تضمنت من جملة ما تضمنته فذلكة من القضايا الحميمية الخاصة بحياة الرسول، صلى الله عليه وسلم، ما كنا لنعلمها لولاها، ولو لا بقية زوجاته عليه السلام.
فعنها –ر- قالت:" ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، امرأة قط، ولا ضرب خادما له قط، ولا ضرب بيده شيئا...الحديث ( الذهبي1/195) وقد بلغ به استنكار العنف، صلى الله عليه وسلم، إلى حد أنه دعا على ضراب لزوجته بقوله، كما في مسند أحمد: اللهم عليك الوليد، أثم بي مرتين".وجاء في حجة الوداع" إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع" واستوصى بالنساء خيرا، وقضى لهن بالرزق والكسوة بالمعروف على أزواجهن. وقد استضمرت نساء المدينة الأخلاقيات الإسلامية السامية في مساكنة الأزواج فأثرن فيهم، وسرت هذه المسلكية إلى نساء المهاجرين، مما جعل عمر، كما ثبت في الصحيح يقول:" كنا معاشر المهاجرين قوما نغلب نساءنا، فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم، فأخذ نساؤنا يتأدبن بأدب نساء الأنصار". ويمكننا في هذا المقام الإتيان بما شاء الله من الأدلة النقلية المؤسسة لكرامة المرأة في الإسلام.
وهنا نقف لنتساءل: ترى هل روعيت هذه المسلكية الحضارية الراقية في كتب التفسير أثناء تأويل قوله تعالى:" ...واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن" النساء/33-34.
نكتفي في هذا الصدد بتفسير فقيه مغاربي متنور، عاش في عصر كان للحركات النسوية في تونس، ابتداءا من سنة 1924، كلمتها في محاربة تلك الترسبات الجاهلية، إنه الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ( ت 1394 هـ) شيخ جامع الزيتونة وقاضي الجماعة بتونس. يقول في التحرير والتنوير:" ينبغي أن نفرق بين المغاضبة والنشوز. فالمغاضبة والعصيان يعرضان للنساء والرجال و يزولان. أما النشوز فهو استعلاء وإصرار على العصيان والترفع على الزوج وإظهار كراهية لم تكن معتادة منها بعد أن عاشرته.
ومعنى الآية" واللاتي تخافون" سوء مغبة نشوزهن، يقتضي ذلك أن أمر النشوز قد رفع من قبل الأزواج عن طريق شكاية إلى ولاة الأمور "أي السلطة القضائية". وأن إسناد "فعظوهن" على حقيقته والوعظ لا حد له وعلى الزوج أن يكون في مستواه " أن يصالحا بينهما صلحا" بمنأى عن الهوى، واستحضارا للميثاق الغليظ الذي أخذه سبحانه وتعالى على الزوجين، ومن ضمنه المساكنة بالمعروف، ومراعاة مسؤولية الأبناء .وأما إسناد  "واهجروهن في المضاجع" معنى ذلك أن القضاء أذن للزوج في ذلك، واشترط في الهجر ألا يكون أمام الأطفال فهو يؤدي إلى إفساد أخلاقهم، ولا هجرا أمام الغرباء ففيه مذلة للزوجة. وإسناد" واضربوهن" فهو عقوبة بمثابة حد لا يتولاه إلا القضاء، فالضرب خطير، وتحديده عسير، وقواعد الشرع لا تسمح لأحد ليقضي بنفسه" .
وختم قائلا: يجور لولاة الأمور، إذا علموا أن الأزواج لا يراعون مسطرة وضع العقوبات الشرعية مواضعها، ولا الوقوف عند حدودها، أن يضربوا على أيديهم، ويعلنوا لهم أن من ضرب امرأته عوقب كي لا يتفاقم أمر الإضرار بين الأزواج لاسيما عند ضعف الوازع الديني".
2
 
محمد الطوكي / كلية الآداب -مراكش


معرض صور