حكم الاحتفال بمولد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم

الاحد 4 ديسمبر 2016

 
كثرت في حكمه الأقاويل قديما مشرقا ومغربا، وقد استصحب متفقهة اليوم اجتهادات السابقين، فأضحوا بين مجيز محبذ ومستنكر مبدع، وانتقل هذا الأمر إلى عامة الناس الذين تداولوه في مجالسهم الخاصة، ويستفتون عنه أحيانا في حلقات الوعظ والدروس العامة.
وهذا ما حذا بي إلى اقتحام غمار هذه الإشكالية بدل الازورار عنها، علما أن مثل هذه القضايا التي قد تبلبل الرأي العام، مما يتحتم على العلماء تناوله وحسمه إما ببيان الحكم بالنسبة للعامة، أو الحكم ودليله لمن هو أهله.
وهكذا جاءت مداخلتنا مراوحة بين المنظور الشرعي والواقع التاريخي الحضاري.

وأشير إلى أن جل المصادر التي اعتمدناها في هذا البحث مغربية، والنصوص المتشهد بها والمحللة موجودة في كتب متداولة بين أيدي الناس.
قال أبو إسحاق إبراهيم الشاطبي (ت790هـ) في فتوى له جاءت جوابا عمن أوصى بثلث ماله ليحبس على إقامة المولد: "معلوم أن إقامة المولد على الوصف والمعهود بين الناس بدعة محدثة، وكل بدعة ضلالة، فالإنفاق على إقامة البدعة لا يجوز، والوصية به غير نافذة، بل يجب على القاضي فسخه ورد الثلث إلى الورثة يقتسمونه فيما بينهم، وأبعد الله الفقراء الذين يطلبون إنفاذ مثل هذه الوصية 12".
ولهذا النص رجع في كتاب المعيار للعلامة أبي العباس المعروف بالونشريسي (ت. فاس 914هـ13) وبين وفاته ووفاة الشاطبي قرابة قرن وربع. 

وسنقف عند نص هذه الفتوى محللين بعض جوانبها.
1- وردت هذه النازلة في شأن الوقف على إقامة المولد، فتنزل حكم الوصية على حكم المولد، الذي اعتبره بدعة محدثــة.
2- الحكم اجتهادي ظني، وذلك لعدم وجود نص صريح متعلق بحكم هذه النازلة بالذات.
3- مناط الحكم بعدم الجواز آئل إلى أسلوب الاحتفال وطريقته آنذاك في الأندلس وغيرها.
وقد بحثنا عن بعض المظاهر السلبية لهذا الاحتفال فوجدنا من بينها 14:
- اختلاط الرجال بالنساء في الكتاتيب القرآنية.
- إرهاق أولياء الأولاد بمجموعة من التكاليف المادية التي تكون أحيانا عرقلة في سبيل مواصلة حفظ كتاب الله والتفقه فيه؛ كتكاليف الشمع الذي يستضاء به طيلة الليلة، ومنح معلم الكتاب قدرا من المال زيادة على الأجرة المعهودة والمتعارف عليها.
- إقامة المولد في البيوت ابتغاء استرداد مجموعة من الهدايا سبق للمحتفل أن طيب بها خواطر مدعويه، ومخافة أن يتقادم عليها العهد ويمحوها تعاقب الزمان، يصبح المولد مناسبة سانحة لتصفية مثل هذه الحسابات.
4- النص يشي بالصراع الدائر آنذاك في (ق 8هـ) بين الفقهاء والمتفقرة أي دعاة التصوف، يقول "أبعد الله الفقراء"، وللشاطبي معهم جولات. يقول في الاعتصام: "ونسبت إلى معاداة أولياء الله، وسبب ذلك أني عاديت بعض الفقراء المبتدعين المخالفين للسنة المنتصبين بزعمهم لهداية الخلق، وتكلمت للجمهور على جملة من أحوال هؤلاء الذين نسبوا إلى الصوفية ولم يتشبهوا بهم 15".
ويصف الشيخ أبو عبد الله الحفار الغرناطي (ت 811هـ) تلك الليلة التي تقام على طريقة الفقراء بقوله: "وطريقة الفقراء في هذه الأوقات شنعة من شنع الدين، لأن عمدتهم في الاجتماع إنما هو الغناء والشطح، ويقررون لعوام المسلمين أن ذلك من أعظم القربات وأنها طريقة أولياء الله، وهم قوم جهلة لا يحسن أحدهم أحكام ما يجب عليه في يومه وليلته، بل هم ممن استخلفهم الشيطان على إضلال عوام المسلمين إذ يزينون لهم الباطل، ويضيفون إلى دين الله ما ليس منه، لأن الغناء والشطح من باب اللهو واللعب، وهم يضيفونه إلى أولياء الله، وهم يكذبون في ذلك عليهم؛ ليتوصلوا بذلك إلى أكل أموال الناس بالباطل، فصار التحبيس عليهم ليقيموا بذلك طريقتهم تحبيسا على ما لا يجوز تعاطيه فيبطل 16".
5- إن ظروف الأندلس التاريخية التي احتفت بهذه الفتوى، فتوى الشاطبي، كانت في غاية التفسخ والانحلال، تكفي الإشارة إلى أن مملكة غرناطة كانت آخر ما تبقى بيد المسلمين من أراضي الأندلس، وأصبحت هذه المملكة مثابة لكثير من مسلمي الأندلس، وعلماء العصر الذين كانوا ينزحون عن مواطنهم كلما استولى النصارى على شيء منها. ولعل الإمام الشاطبي أراد بمثل هذه الفتوى أن يقطع الطريق على بعض التيارات الانتهازية والمتخاذلة التي كانت الأندلس تعج بها، وأن يوجه المحسنين وذوي النيات الطيبة إلى مجالات أجدر وأهم، خصوصا والعدو الصليبي يتربص بدولة بني نصر الدوائر. "ويستحب لابن هذا المحبس أن يصرف هذا الأصل إلى باب آخر من أبواب الخير الشرعية 17".
هذه الملابسات السياسية والاجتماعية التي أنتجت هذه الفتوى، فهل تغير الظروف وانتفاء تلك العلل، جدير بنقل الحكم من الحرمة إلى الحلية. إن بيدنا فتاوى على النقيض مما قدمنا، تجيز الاحتفال بالمولد النبوي وتدعم مصداقيته وشرعيته بجملة من الأدلة منها ما هو نقلي وما هو عقلي، وخير مثال على ذلك فتوى لشخصية علمية شهيرة معاصرة للونشريسي، ونقصد بها العلامة الطلعة مجتهد ق 10هـ الإمام السيوطي رحمه الله مؤلف "رسالة حسن المقصد في عمل المولد 18" التي اشتملت بالإضافة إلى منحاها الشرعي على معلومات طيبة تاريخية واجتماعية وثقافية، وقد عمد فيها إلى إبطال ما جاء في كتاب "المورد في الكلام على عمل المولد" للشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني من متأخري المالكية قال السيوطي في ديباجة رسالته: "إن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمد سماط يأكلونه وينصرفون، من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها؛ لما فيه من تعظيم قدر النبي عليه السلام، وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف 19".
وكما توقفنا عند النص السابق بالتحليل فنفس الديدن سيكون مع نص السيوطي. اعتبر السيوطي الاحتفاء بالمولد، البعيد عن كل ما ينكره الشرع، بدعة حسنة. وحينئذ فما البدعة في اللغة واصطلاح الفقهاء؟ وما هي أقسامها؟ ومتى تنعت بالحسن؟
البدعة في اللغة هي الاختراع. وفي العرف الشرعي؛ إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن الأمور الطبيعية أن تعاقب الزمان وكر الليالي، واحتكاك الشعوب والأمم وتفاعل الحضارات، وأطراد المستحدثات، كل ذلك يؤدي إلى أن يمس عامل التطور والتغيير مختلف مظاهر الحياة.
وهذا التجديد يعتبر ابتداعا إذا ما قورن بالأوضاع السابقة عليه. ثم إن هذه المعطيات الطريفة والجديدة سطحية كانت أو عميقة، لا يمكن أن نتعسف بالحكم عليها بالحرمة أو الكراهة جملة وتفصيلا، "لأن البدعة لم تنحصر في الحرام أو المكروه، بل قد تكون أيضا مباحة ومندوبة وواجبة. قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات؛ البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة 20 ". وهذا ما ذهب إليه القرافي وشيخه سلطان العلماء العز بن عبد السلام 21. وقال العلامة محمد بن جيب الشنقيطي في كتابه "شرح زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم": قد نص علماء السنة من المحدثين والأصوليين وفقهاء المذاهب على أن قوله صلى الله عليه وسلم – كل بدعة ضلالة– من العام المخصوص؛ بما تقدم من أن البدعة تنقسم إلى الخمسة الأقسام المذكورة" ثم قال وبما قررناه من كون حديث – كل بدعة ضلالة– عاما مخصوصا يعلم بالبديهة أن البدع المستحسنة شرعا لا يتناولها هذا الحديث، أي حديث كل بدعة ضلالة، وشبهه كحديث – من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، بل هي داخلة في ضمن حديث مسلم الذي أخرجه في صحيحه بروايات عن جرير بــن عبد الله البجلي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها. الحديث فهو مخصوص لعموم حديث وكل بدعة ضلالة22".

أدلة أخرى لمجوزي الاحتفال بالمولــد:
1- إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت، فإذا دخل الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكرها وتعظيم يومها، قال الحافظ أبو الفضل أحمد بن حجر: "وقد ظهر لي تخريجها – أي الاحتفالات بالمولد – على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم، قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى، فنحن نصومه. فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة، كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي، نبي الرحمة في ذلك اليوم. وعلى ذلك فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من أشهر السنة، بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من أيام السنة وفيه ما فيه 23".
2- ولا يرى ابن تيمية أي مانع من فعل المولد ما دام بمبعدة عن السلبيات المتقدمة، وما دام مناسبة للمزيد من التفقه في السيرة النبوية، وصلة الرحم والتوسعة على العيال والإنفاق على المحاويج، ومن هذه الجهة ظهر له أنه قد يثاب على فعل المولد 24.
3- فتوى للعلامة العارف بالطريقة والحقيقة أبي عبد الله بن عباد في حكم المولد وما يقع فيه من وقود الشمع وغير ذلك حيث قال: "الذي يظهر أنه – أي المولد النبوي – عيد من أعياد المسلمين، وموسم من مواسمهم، وكل ما يقتضيه الفرح والسرور بذلك المولد المبارك من إيقاد الشموع وإمتاع البصر وتنزه السمع والنظر، والتزين بما حسن من الثياب، وركوب فاره الدواب، أمر يباح ولا ينكر، قياسا على غيره من أوقات الفرح 25".
4- في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي نظر من يحتج بالرؤيا، فقد انتفع به الكافر، فلم لا يحتفي به المومن. قال الحافظ شمس الدين بن الجزري في كتابه "عرف التعريف بالمولد الشريف" ما نصه: "قد رئي أبو لهب بعد موته في النوم، فقيل له ما حالك؟ فقال في النار، إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمص من أصبعي ماء بقدر هذا، وأشار لقدر أصبعه، وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له. فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلى الله عليه وسلم يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريـــم أن يدخلـه بفضـله جنات النعيم 26".
- وخلاصة القول إن للملابسات التاريخية فعلها العميق في ظهور متوالية من الأحداث، كحدث الاحتفال بالمولد، كما أن لها دورها في تنوع الأحكام التي تتنزل على ما جد من النوازل. إننا نميز بين النصوص القطعية الثبوت والدالة دلالة قطعية والتي لا اجتهاد فيها.
والاجتهاد إنما يكـــون في كل ما دليله مظنون
إما الذي دل عليه قاطـع فهو كما جاء ولا منازع.
ويندرج ضمنها تلك القواعد الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، والتي تحمي البشرية من طوفان الرغبات الجامحة، والأنانية المفرطة والأطماع الرهيبة التي تجتاح حقوق الآخرين. ونميز من جهة أخرى بين تلك القواعد المرنة التي تتلاءم وتتناسب مع تغير الزمان والمكان، فهي أحكام اجتهادية متأثرة بالظروف. وعلى من يتناول قضية المولـد ألا يجرده من ملابساته ومن الوقائع والظروف المحيطة باستحداثه، وعليه أن يتيقن أن الفترة التي استحدث فيها المولد تندرج في عز الحروب الصليبية، وآنها بل في كل آن ما أحوج الناس إلى التأسي بسيرة المصطفى عليه السلام.
محمد الطوگي / كلية آداب مراكش


معرض صور