حكاية منع سيدي بلعباس من ولوج مراكش

الاثنين 12 يونيو 2017

في جبل، يوجد ضريح . وللشخصية الموقرة هذه، أسطورة تستحق الحكي



 
ذات صباح ، حل سيدي بلعباس بمراكش، ورغم فقره، فقد كانت سمعته ، كولي صالح ، منتشرة وأهل المدينة على دراية بها
 قبل عبور أبواب عاصمة الجنوب، طلب من شرفاء المكان السماح له بالولوج كان هؤلاء يحتكرون مداخيل صدقات المدينة، ورغبوا بشدة في صد الوافد، لكن، وحتى لا ينجلي جفاؤهم له، أجَّلوا اتخاذ القرار بضعة أيام
 وفي انتظار الرد ، استقر سيدي بلعباس في جبل جليز حل موعد الجواب ، فقرر الشرفاء إخبار الرجل برفضهم السماح له بالإقامة في المدينة بطريقة غير مباشرة ولهذا، بعثوا له بجرة مملوءة عن آخرها بالماء كانت الجرة تمثل مراكش، والسائل الشرفاء، وكانت الرسالة واضحة مفادها اكتظاظ العاصمة بأولياء الله الصالحين وعدم وجود مكان شاغر لسيدي بلعباس: إذا استطعت إضافة ماء داخل الجرة، فليس ثمة مانع من إقامتك بين ظهرانينا
 إذا كان هذا مجمل ما أراد الشرفاء الأذكياء تبليغه لزميلهم، فإن الرجل الصالح أخذ وردة وتركها تذبل تحت أشعة الشمس، ثم وضعها في الجرة
 أعاد سيدي بلعباس إرسال الإناء الذي امتصت الوردة الذابلة بعض مائه لتعود إليها الحياة، أعاد إرساله للشرفاء، فاستوعب هؤلاء معنى الجواب وسمحوا للولي بالاستقرار بينهم
 تظل أهم رحلة قمنا بها الى ضواحي مراكش هي تلك التي قادتنا الى تمصلوحت  على بعد 21 كيلومترا، غرب العاصمة، لنحل ضيوفا على شريف البلدة الريفية ويعتبر الشريف هذا، إحدى الشخصيات الدينية الرئيسية بالمنطقة وكنا قد تعرفنا على ابنه البكر في مراكش، غداة وصولنا إليها، فأخبرنا بدعوة والده لنا
 في الصباح الباكر من اليوم المحدد، رحلت بمعية سودان و الشريف الشاب وصديقين مغربيين، إلى تمصلوحت الواقعة وسط غابات نخيل خلابة استقبلنا الشيخ ذو السبعين عاما بحفاوة، مشرفا إيانا بزيارة حدائقه وبيته الجميل الذي دلنا بداخله على جرات كبيرة مليئة بالنبيذ
 وعند هذا الحد، ولختم سرد وقائع إقامتي بمراكش، سأحكي حدثا مثيرا يؤكد ما سبق وذكرته مرارا عن ضرورة تدخل أوربي ـ وبالأخص فرنسي ـ في السياسة المغربية: شهدت الواقعة هذه المأدبة التي استضافنا خلالها الشريف، وكان ينبغي أن أمكث في ضيافته عدة أيام أرضية قاعة الأكل ، حيث كنا متواجدين رفقة مغاربة عديدين، مفروشة بزرابي حريرية من مدينة ليون سألت عن أصل البساطات، فجعلتنا أطراف الحديث نُعرج على أوربا، ومن ثمة على المغرب وأوضاعه السياسية
 قدَّم الشريف لي تقريرا شفويا سوداويا عن الوضع الذي يعرفه بلده المسكين، حدَّثني عن تجاوزات الإدارة وعن آثارها السلبية على السكان في شتى المناحي، إلخ... وبدون أن أفاتحه في الموضوع، أشار إلى قضية التدخل الأوربي وإذا كان التدخل هذا ضروريا من وجهة نظره، فإنه قال فجأة متوجها إلي: لماذا لا تأتون إلى المغرب؟ لقد كان الشريف يعلم بأن رحلتي تتم تحت حماية الحكومة الفرنسية، ولهذا اعتبرني ممثلا لفرنسا
 لا أريد أن أضفي على هذا الحادث سمة أكثر من حجمه، لكنه جدُ  دال وهو تعبير جلي عن الموقف السياسي لمغاربة كثيرين منتمين لكل الطبقات والفئات الاجتماعية (موظفون، زعماء دينيون، تجار، فلاحون بسطاء)
 هناك العديد من الطرق المؤدية من مراكش إلى المحيط الأطلسي، الذي كان علي العودة الى شواطئه للذهاب مجددا الى شمال المغرب لم أكن أرغب في السفر مرة أخرى عبر الطريق الرابطة بين مازاغان وعاصمة الجنوب التي سبق لي المرور منها، ولا تلك المؤدية الى آسفي، ولا طريق موغادور مرورا بشيشاوة وعنق الجمل ولا الأخرى الواقعة جنوب هذه الأخيرة والعابرة لدار أولاد العنيسة وزاوية سيدي أحمادو موسى وراس العين ـ شيشاوة وعين تيازرت ( دار أولاد بن عامر) وسوق ثلاثاء الحنشان
 فضلت العودة إلى الشاطىء عن طريق الأطلس، عبر سبيل منزاح عن الطرق العادية، فضلت ذلك من أجل التجول كما أشاء بهدف استكشاف الجهة، خاصة وأنني سأتوغل في مناطق ظلت مجهولة ـ أو شبه مجهولة ـ من طرف المسافرين الأوربيين، وأتعرف على سكان الأطلس من البربر
 سمعة مناطق الأطلس جد سيئة في الأوساط المراكشية المتحضرة هكذا وكلما كان الحديث يتطرق صدفة الى الأطلس ومدنه وقراه ( وللإشارة، فسكان العاصمة يعرفون أسماءها)، كلما كان يحدث ذلك إلا واتخذ النقاش منحى ملغزا واختتم بالتحذير التالي الموجه إلي: عليك بالخصوص عدم المغامرة هناك.
خاص


معرض صور