المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

‘حريم السلطان’ يطيل العمر

الخميس 21 نونبر 2013

على ثيمة أساسية لحكاية حب تقليدية نمت عليها أحلام كل بنات العرب، زواج البنت الفقيرة من ابن الملك أو الجارية من السلطان، بنى مسلسل القرن العظيم المعروف بإسم حريم السلطان في نُسخةِ الدبلجة العربية مجدَه. مئات الآلاف من الكلمات كُتبت حول الموضوع. 
ملف كبير في الصحف والفضائيات العربية فاق بعض ملفات القضايا السياسية العالقة. و تقرير لوزارة الثقافة التركية يؤكد أن المسلسل سجل أكثر من 150 مليون مشاهد في 76 دولة وملايين الدولارات من الربح!! 
على مائدة عشاء تضم العديد من الإعلاميين الأكاديميين المتخصصين في بداية العام الحالي قال أحدهم، إن خبر إيقاف مسلسل حريم السلطان محزن جداً ويريد أن يرجو الجهات المنتجة إكماله، فوالدته العجوز (عايشة على شانه) تتشبث بالحياة من أجل أن تتابع الحلقة القادمة! فأثار فضولي لمعرفة تفاصيل هذا المسلسل الذي يطيل العمر. مع أن إعلاناته تملأ الشاشة العربية بوجوه جميلة وأزياء مبهرة ومشاهد باذخة للقصور والخيول والطبيعة، لم تكن قد جذبتني من قبل. فأنا مصابة بعقدة المسلسل المدبلج من كاساندرا إلى نور. وبتُّ أعرف أن حلقات المسلسل المكسيكي أوالتركي التي تتجاوز المئتين عادة لا يضيع من حكايتها شيء مع مرور الوقت. بإمكانك أن تحضر حلقة واحدة لتعرف القصة كلها. حب رومانسي يمر بمآزق الطبقية ويعاني الشد والجذب بين الكبرياء والخيانة ثم حمْلٌ مخفي ونهاية سعيدة. وخلال ثلاث سنوات من الثورة والدم والألم في بلدان الربيع العربي، كان بالنسبة لي خيانة كبرى وترفاً ناشزاً أن أتابع مسلسلاً. إلى أن عاد لإثارة ضجة كبيرة بعد أن أقامت مجموعة من السيدات في منتجع بمنطقة يعفور في ضواحي دمشق، حفلا باذخاً مستلهما من أجواء مسلسل حريم السلطان، بلغت تكلفته ملايين الليرات للديكور والأزياء والموائد العامرة، في وقت تتساقط القذائف والصواريخ وبراميل المتفجرات على رؤوس الأهالي في كافة أنحاء سورية، ويموت أطفال اللاجئين في الخيام من الجوع والبرد، ويحتطب الناس من أشجار غوطة دمشق الغناء لتأمين الدفء والوقود!! هنا كان لا بد لي من العودة إلى حلقات المسلسل وما كتب عنه وزوبعة الجدل التي هبت في الأوساط السياسية والاجتماعية لدراسة الظاهرة، ولعلي بكل فخر آخر النساء اللاتي تابعنه!! 
 
حريم القادة العرب
أسبابي للسخط على المسلسل مختلفة عن أسباب السيد رجب طيب أردوغان، وإيقاف البرلمان التركي لعرضه بقرار قضائي. فأردوغان رأى أن هذا العمل يشوه صورة الأجداد العثمانيين وشخصية السلطان سليمان القانوني، المعروف تاريخياً بالمشرّع، والذي قضى ثلاثين عاما من عمره على ظهر الخيل ليفتح العالم شرقاً وغرباً. ولم يفت الصحافة أن تلتقط حديثاً مسرّباً عاتب الرئيس محمد مرسي، قبل عزله بالقوة، فيه أردوغان في إحدى اللقاءات قائلاً: ‘من غير اللائق أن يصوّر السلاطين العثمانيون بهذه الصورة داخل قصور فارهة يتلاعب بهم حريمهم وأبناؤهم، والتاريخ العثماني جزء من تاريخ الأمة الإسلامية الذي يعتز به المسلمون جميعًا.”حسبما نقلته صحيفة تركية. 
فهل دخل سليمان خان دائرة الأسماء المحظورة من التناول الدرامي بقرار سياسي، وانضم للأنبياء والرسل والصحابة؟! معهم حق، من المخجل تناول هذا الجزء من تاريخ قصور الخلافة الإسلامية الحافل بالدسائس والمكائد التي كانت تحوكها الجواري والغلمان والوزراء. ولكنه حدث ومازال يحدث وسيستمر بالحدوث. ألم يفضح الإعلام القذافي الذي كان يختار حاشيته وحارساته الشخصيات من العذارى الأبكار؟؟ ألم تفضح المراسلات الشخصية في قصر الرئاسة مستشارات الأسد الحسناوات اللاتي يشرن عليه في قضايا شعبه المصيرية، بينما تتسوق السيدة الأولى في عز الأزمة أحذية فاخرة من كريستيان لوبوتان، تماما كما تتفحص السلطانات والحريم الأقمشة الفاخرة من بغداد والشام بينما يستعد سليمان لحملة عسكرية. ما الذي تغير عبر التاريخ حتى اليوم؟ المتغير الأكبر أنه لم يعد بإمكانهم غزو أحد سوى بلدانهم. صراعٌ خاسرٌ طويل من أجل الحفاظ على السلطة. ‘السُّلطة جنتك يا سليمان وجحيمُك’. هذا ما يقوله السلطان في الجزء الرابع الذي منع من العرض. ومن أجل هذه الغاية تُبرَّرُ الوسيلة ويتم القضاء على العباد وحرق البلاد. تقول الجارية هيام للسلطان وقد أدخلها مكتبه ليطلعها على خطة سير الحملة العسكرية: – الموت لح يرافقكم وعيل كتير لح تتشرد.
فيجيب السلطان:
- ما فينا نحقق النصر إذا فكرنا هيك، الحرب شريعة الموت.
 
وداعاً لحقوق المرأة
في داخل كل رجل ديكتاتور صغير، يتمنى السلطة المطلقة. ويحلم أن تتقاتل عليه النساء الجميلات ويدسسن السم لبعضن في الصحون للفوز به. ويبدو في داخل كل امرأة جارية مختبئة. تتطلع إلى هذا الرجل القوي صاحب السلطان ليحكمها ويودعها جناح الحريم ويطلبها ساعة يشاء ويفضلها على الأخريات، ويكون شغلها الشاغل أن تلبس وتتزين وتخلب الألباب. قد يبدو هذا التعميم قاسياً وحكما مطلقاً. لكنه حقيقي وموجود وبنسب متفاوتة. ابحثوا في أقاصي العقل الباطن والرغبات الدفينة وستعثرون عليه وقد غطته طبقات متكلسة من الهموم والأعباء والهزائم اليومية. الاضطهاد للأضعف دائرة كاملة. من حكام البلاد، لأرباب البيوت والعمل وبين العشاق والحبيبات. 
الإعلام المرئي لعب دوراً كبيراً في نزع الثقة بالنفس والرضا عن الذات، من المرأة ومن الرجل على حد سواء. الإعلان أيضاً. تلك الأشكال الفتية الكاملة للنجمات وفتيات الإعلان، وضعت المرأة أمام تحديات خاسرة. ووضعت الرجل أمام إغراءات لا تقاوم. فالمساحة التي تفرد لعرض التجميل والجمال والإغراء أكبر بكثير من مساحة التوعية والتنبيه وتعزيز أسس بناء الأسرة والقيم والأخلاق.
لقد تعبت المرأة العربية بعد صراع طويل من أجل نيل حقوقها. لا يغركم وصول كم إمرأة عربية لمناصب وزارية أو إلى البرلمانات أو منحها امتيازات بسيطة للتملص من المسائلة أمام لجان حقوق الإنسان وإحصائياتها. لا يغركم نزولها إلى ميدان العمل وعبارة كتب المدرسة أنها أصبحت معلمة وطبيبة ومهندسة وإعلامية.. إلى آخر الموشح المشروخ. المرأة حملت فوق همها ومسؤولياتها منيّة علمها وعملها. فما زالت الأعلى في معدلات البطالة والأدنى في الأجور حيث تتقاضى المبلغ الأقل مقابل رجل يقوم بنفس المهمة متساويا في الجهد والانتاج. ومازالت تعاني من العنف الجسدي واللفظي وتحارب من أجل الطلاق والنفقة وتتنازل من أجل حضانة الأطفال وتفقد الأمل في إعطاء أبنائها جنسيتها. مازالت المرأة في بلداننا الواسعة تدفع ثمن الشرف والسمعة والفقر والحرب والنزوح والجهل والتعصب. 
لذا من المزعج والصادم ألا يجد هذا المسلسل انتقاداً ومقاطعة مثلاً لأن رجلاً ظالما يطرد زوجته الجميلة من دون أن تكون قد اقترفت ذنباً ويحاول حرمانها من ابنها، حرصاً على مشاعر جاريته وعشيقته المفضلة. ومن العادي جداً أن تجد النساء الميسورات من زوجات المسؤولين وبنات رموز السلطة فيه محاكاةً لحياتهن. فيتمثلنه ويعدن تجسيده في حفل، بآذان مصمومة، بينما يتساقط من حولهن القتلى وتتعالى استغاثات الثكالى والجياع. وتجد النساء الفقيرات فيه حلم حياتهن المنهكة في اليسر والرخاء. والفتيات يجدن نموذجا رجوليا يدافع عن محبوبته ويقف في وجه الجميع إكراما لها.
ويجد الرجال فيه رغباتهم الدفينة في أن يكونوا أصحاب قوةٍ وجاه وحريم.. إنها الغرائز والعواطف حين تخاطب وتستثار لا يغلق في وجهها باب مخلّع المفاصل.

نسرين طرابلسي / سوريا
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
نسرين طرابلسي / سوريا

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل