المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

ثورات شعبية توصل اطرافا الى السلطة لم يكن لها يد فيها

السبت 29 ديسمبر 2012

ثورات شعبية توصل اطرافا الى السلطة لم يكن لها يد فيها
شهد 2012 وصول أطراف سياسية إلى السلطة في بعض البلاد العربية بفضل نجاح ثورات شعبية لم يكن لهذه الأطراف أي يد فيها. لم تقدم هذه الأطراف، التي صارت حاكمة، أي خدمة للشعوب التي خاض أبناؤها وبناتها غمار الثورات وتكبدوا تضحياتها. فلا هي أحرزت تقدما ليبراليا، ولا حققت إنجازا تنمويا ولا لبت مطالب اجتماعية. 
بل إنها لم تتمكن طيلة العام المنقضي حتى من وقف تدهور أحوال المعيشة. حيث ظلت أسعار المواد الغذائية تطاول عنان السماء وتدهورت القدرة الشرائية تدهورا خطيرا ذابت معه حياة معظم الأسر في مكابدة يومية وقلق مقيم.
والأدهى أن السلطات الحاكمة باسم الشرعية الانتخابية لم تمنح الشعوب التي انتخبتها حتى مجرد الشعور بأن 'النظام البائد' قد باد حقا، ناهيك عن إقناعها وطمأنتها بأن الفترة الحالية هي فعلا فترة انتقال ديمقراطي، أي فترة عبور جاد وسير ثابت الخطى نحو النظام الجديد - النظام الديمقراطي الليبرالي الحافظ للحقوق والحريات والفاتح لآفاق العمل والأمل. 
والدليل الساطع على فشل النخب الحاكمة، خصوصا في تونس ومصر، في تحقيق الحد الأدنى من وظائف الحكم أن هنالك شعورا شعبيا عاما، واضحا وقويا، بأن حال البلاد اليوم أقتم مما كانت عليه قبل عامين وأخطر. أي أن الأوضاع تحت الحكم الدكتاتوري، على علاته وسفاهاته ومآسيه، كانت أوضح وأأمن وأقل إحباطا وبعثا على القنوط. وليس شرطا أن يكون المرء منخرطا في هذا الشعور العام، الذي لا يزال يتزايد قوة منذ أوائل 2012، حتى يلاحظه ويلمس سعة انتشاره في الأوساط الشعبية. 
فالواقع الذي يفرض نفسه على الملاحظة هو أن الهوة بين الحاكم والمحكوم قد اتسعت، بدل أن تتقلص، في بلاد الثورات الشعبية. بل الغريب أن عاما واحدا من الحكم قد أصاب النخب الحاكمة بعلتين قاتلتين ليس من المعتاد، أو المنطقي، أن تصيب الحكومات إلا بعد مضي زمن طويل على بقائها في السلطة.
العلة الأولى هي انفصال النخب الحاكمة عن الواقع. إذ يبدو كما لو أن السلطات ومسؤوليها والمتحدثين باسم أحزابها، ولا سيما المسماة 'إسلامية' منها، قد صاروا في حالة إعراض تام عن حقائق الحياة الاجتماعية. يبدون كما لو أنهم في عالم مفارق. 
يدهم في الماء ويد المواطن في النار. وليس أدل على الانفصال عن الواقع من سطوة خطاب الرضا عن النفس. حيث يتمثل الخطاب الرسمي المكرور في القول بأن الأمور في البلاد ليست بالسوء الذي يزعمه المعارضون والمغرضون، وأن ما يقع من حين لآخر هو مجرد مشكلات عادية لا ينبغي تهويلها. فالإدارات المعنية تعمل والهيئات القضائية تطبق القانون... وكل داء، يا جماعة الخير، له دواء. خطاب ملؤه السكينة والطمأنينة. برود في اللهجة وبيروقراطية في الموقف ينتهيان بتهوين كل أمر جلل وبإفراغ كل شيء مما ينبغي له من أثر أو مغزى.

العلة الثانية هي 'استنزاف السلطة'. ومعروف أن السلطة لا تستنزف عادة إلا من مارسها زمنا مديدا (عقدا أو يزيد)، حيث تكثر أخطاؤه وتفتضح جميع عيوبه فيسأمه المواطنون سأما تكون نتيجته العقاب الانتخابي المفضي إلى إفراز أغلبية برلمانية جديدة، أي إلى إعمال سنّة التداول على السلطة. ولكن المضحك المبكي أن الحكومات الجديدة، خصوصا في تونس ومصر، قد نجحت في استعجال ظاهرة استنزاف السلطة وفي استنجاز مغبتها في مجرد عام، بل أقل! فقد سئم المواطن العادي هذه النخب الحاكمة التي لا تتقن شيئا ولا تقنع أحدا، ولكنها لا تكف مع ذلك عن مرصوف الكلام، حتى لكأنها تقضي في الحديث في الإذاعات والتلفزيونات أطول مما تقضي في العمل في الوزارات والإدارات. 
في مثل هذا الوقت من العام الماضي كتبنا أن 2011 كان عام انتفاء مقولة الاستثناء العربي. حيث أثبتت الشعوب العربية أنها عادية كبقية الشعوب: لو خيرت بين الحرية والعبودية لاختارت الحرية. 
وإذا لم تخير، تحينت فرص التاريخ لتأخذ حريتها غلابا. إلا أن تلك الإشراقة العربية الأمارة بكل حلم إنساني سرعان ما انطفأت كأنها البرق الخلّب. لهذا إذا كان 2011 عام انتفاء الاستثناء العربي على مستوى الشعوب، فإن الحقيقة المحزنة أن 2012 لم يكن سوى عام استئناف التسلطية العربية على مستوى النخب. كان عام عودة حليمة إلى تراث قومها: إلى سحيق ثقافتها التسلطية ودفين أشواقها السلطوية. كان عام عودة حليمة الأثيمة إلى غيابة الغريزة والظلام... وصلا لما انقطع، عام 2011، من سلاسل القهر والرداءة.

مالك التريكي
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
مالك التريكي

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل