المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

ثمن اللامبالاة تجاه مصير اللاجئين

الجمعة 18 سبتمبر 2015

ينتقد الفيلسوف الفرنسي المعروف برنارد هنري ليفي الخطاب الأوروبي تجاه قضايا الهجرة مستنكرا أن أوروبا، التي يقض مضاجعها أهلها من المصابين برهاب الأجانب وتستهلكها شكوكها في ذاتها، أدارت ظهرها لقيمها. بل إنها نسيت ماذا تكون. والآن تدق الأجراس، ليس فقط للمهاجرين، بل وأيضاً لأوروبا التي يتهاوى تراثها الإنساني أمام أعيننا.
يبدو أن المناقشة بشأن الهجرة في أوروبا اتخذت منعطفاً مزعجاً للغاية. وقد بدأ الأمر بإنشاء المفهوم العام الشامل (الانفلات القانوني) للمهاجر، والذي يحجب الفارق، الذي يشكل أهمية مركزية في نظر القانون، بين الهجرة الاقتصادية والسياسية، وبين الأشخاص الفارين من الفقر وأولئك الذين أخرجتهم الحروب من ديارهم. وعلى العكس من المهاجرين الاقتصاديين، يتمتع أولئك الذين يفرون من القمع والإرهاب والمذابح بحق اللجوء غير القابل للتصرف، والذي ينطوي على التزام غير مشروط من المجتمع الدولي بتوفير المأوى.
وحتى عندما يتم الاعتراف بالفارق، فإن هذا يكون غالباً جزءاً من حيلة أخرى من حيل خفة اليد، في محاولة لإقناع أصحاب العقول الساذجة بأن الرجال والنساء والأطفال الذين دفعوا آلاف الدولارات للسفر على متن قوارب متهالكة تتحطم على شواطئ جزيرة لامبيدوسا أو جزيرة كوس هم مهاجرون اقتصاديون. ولكن الحقيقة هي أن 80 % من هؤلاء الناس لاجئين، يحاولون الفرار من الطغيان، والإرهاب، والتطرف الديني في بلدان مثل سورية، وأريتريا، وأفغانستان. ولهذا السبب يشترط القانون الدولي فحص حالات طالبي اللجوء بشكل فردي وليس في مجموعات.
وحتى عندما يكون ذلك مقبولاً، عندما يصبح من المستحيل بسبب العدد الهائل من الناس الذين يتكالبون على الوصول إلى شواطئ أوروبا إنكار الهمجية التي دفعتهم إلى الفرار، نجد ستارة دخان ثالثة ترتفع. فيزعم البعض، بما في ذلك وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، أن الصراعات التي تعمل على توليد المهاجرين تستعر فقط في البلدان العربية التي يقصفها الغرب.
هنا أيضاً الأرقام لا تكذب. فسورية هي المصدر الأكبر للاجئين، حيث رفض المجتمع الدولي إجراء ذلك النوع من العمليات العسكرية التي يتطلبها مبدأ "المسؤولية عن الحماية" -حتى بالرغم من أن القانون الدولي يجعل التدخل إلزامياً عندما يتعهد طاغية، قتل 240 ألف مواطن من شعبه، بإخلاء بلده. والغرب أيضاً لا يقصف أريتريا، وهي مصدر رئيسي آخر للاجئين
أساطير "أوروبا الحصينة"
وهناك أيضاً أسطورة أخرى ضارة، تديمها الصور الصادمة المروعة للاجئين وهم يحتشدون عبر السياج الحدودي أو يحاولون التسلق إلى القطارات في كاليه، ومفادها أن "أوروبا الحصينة" تتعرض للهجوم من قِبَل موجات من البرابرة المتوحشين. وهذا غير صحيح على مستويين.
فأولاً، أوروبا ليست المقصد الأول للمهاجرين. فما يقرب من مليوني لاجئ من سورية وحدها توجهوا إلى تركيا، وفر مليون منهم إلى لبنان الذي لا يتجاوز عدد سكانه 3.5 مليون نسمة، واستقبلت الأردن التي يبلغ عدد سكانها 6.5 مليون نسمة ما يقرب من 700 ألف لاجئ سوري. ومن ناحية أخرى، بادرت أوروبا، في استعراض لأنانية موحدة، إلى سلق خطة لإعادة توطين 40 ألفاً من طالبي اللجوء من المدن التي لجأوا إليها في إيطاليا واليونان.
ثانياً، من الواضح أن الأقلية الذين اختاروا ألمانيا، أو فرنسا، و/أو الدول الاسكندنافية، أو المملكة المتحدة، أو المجر ليسوا أعداءً جاءوا لتدميرنا أو حتى سرقة دافعي الضرائب الأوروبيين. إنهم متقدمون بطلباتهم للحصول على الحرية، إنهم عشاء أرضنا الموعودة، ونموذجنا الاجتماعي، وقيمنا. إنهم أناس يصرخون "أوروبا! أوروبا!"، مثلهم كمثل ملايين الأوروبيين الذين وصلوا قبل قرن من الزمان إلى جزيرة إيليس، وتعلموا كيف ينشدون أغنية "أميركا الجميلة".
ثم هناك الشائعة القبيحة التي تزعم أن هذا الاعتداء الوهمي تم تدبيره سراً من قِبَل المنظرين الاستراتيجيين لما يسمى "الإحلال العظيم"، حيث يحل أجانب محل الأوروبيين الأصليين، أو ما هو أسوأ من ذلك، من قِبَل عملاء الجهاد الدولي، حيث يتحول مهاجرو اليوم إلى إرهابيي الغد على القطارات فائقة السرعة. وغني عن القول إن كل هذا ليس أكثر من هراء:
تهاوي تراث أوروبا الإنساني
الواقع أن هذه التحريفات والضلالات مجتمعة خلفت عواقب وخيمة. فبادئ ذي بدء، هجر العالم البحر الأبيض المتوسط لصالح مهربي البشر. إن "بحرنا" يتحول تدريجياً إلى قبر جماعي مائي شاسع وصفه شاعر حالِم. فمنذ بداية هذا العام غرق نحو 2350 شخص بالفعل في هذا البحر.
ولكن بالنسبة لأغلب الأوروبيين، لا يمثل هؤلاء البشر سوى ما يزيد قليلاً على أرقام وإحصاءات، تماماً كما يظل النساء والرجال الذين نجوا من الرحلة مجهولين وبلا هوية ويتعذر التمييز بينهم، فهم يمثلون كتلة مجهولة مهدِّدة. إن مجتمعنا، الذي يسارع عادة إلى تصنيع المشاهير اللحظيين لكي يقوموا بوظيفة "الوجه" لأزمة اليوم (أي شيء من أنفلونزا الخنازير إلى إضراب سائقي الشاحنات)، لم يبالوا بمصير فرد واحد من "المهاجرين".
إن هؤلاء الأفراد الذين يشبه مسارهم إلى أوروبا ذلك المسار الذي سلكته الأميرة الفينيقية أوروبا، التي وصلت من مدينة صور على ظهر زيوس قبل عدة آلاف من السنين، يقابلون اليوم بالرفض التام؛ بل إن الأسوار تقام الآن لمنعهم من الدخول. والنتيجة هي مجموعة أخرى من الناس يحرمون من حقوقهم الأساسية. ومثل هؤلاء الناس، كما لاحظت حنة أردنت ذات يوم، سوف يرون في نهاية المطاف في ارتكاب الجريمة السبيل الوحيد إلى عالم القانون وأولئك الذين يتمتعون بالحقوق التي يكفلها لهم القانون.
إن أوروبا، التي يقض مضاجعها أهلها من المصابين برهاب الأجانب وتستهلكها شكوكها في ذاتها، أدارت ظهرها لقيمها. بل إنها نسيت ماذا تكون. والآن تدق الأجراس، ليس فقط للمهاجرين، بل وأيضاً لأوروبا التي يتهاوى تراثها الإنساني أمام أعيننا.
هنري ليفي
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
هنري ليفي

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل