تيمة الهجرة في الأدب العربي المعاصر/ج3

الاربعاء 19 مارس 2014

 
عاش مصطفى سعيد، هذا العنف في صورته التراجيدية والمأساوية التي وصفها على مستوى علاقاته الغرامية الكثيرة والمتعددة، حيث أعطاها أقصى احتمالاتها  على مستوى التحقق،  وكانت علاقات عنيفة في أغلب الأحيان، لكنها في حقيقة الأمر تستند على رؤية فلسفية عميقة جدا، تظهر تطور الذات العربية  والوعي العربي، في صياغة مفهومية جديدة  للعلاقة بالآخر والعالم.
ركز مصطفى سعيد كثيرا في مغامراته العاطفية، على ثقافة منظومة الجسد باعتباره اللغة الحقيقة والطبيعية، التي يمكن أن يتكلمها الجميع دون  اختلاف  في الفهم والتمثل: ((هذا  الهاجس  بالجسد يشتغل  كحيز للحقيقة  المؤكدة. حيث، ينتفي كل خداع  أو كذب لتظهر الحقيقة الإنسانية في عرائها  وصفائها.  كل شيء يقوم كما  لو أن العقول انخدعت، ولم يتبق للبشر سوى  اللغة الطبيعية تلك التي  تربط بين الأجساد وتمكنها من التواصل في صمت أي في تركيبها  الخاص: لغة الحب  والموت))  كما أنه: ((فيما وراء  أكاذيب الثقافة والعوائق والانشطارات والمصالح والأنانيات، ثم الحسابات الدنيئة وكذا الأنفس البئيسة. تبقى طريق  الطبيعة والجسد قادرة على أن تسودعند كل واحد منا وتجعله يدرك العلاقة مع الآخر)).
نستخلص بمعنى من المعاني، دعوة لتجاوز لغة الإيديولوجييا والأفكار، بالتمركز على الجسد. لأنه اللغة الوحيدة، التي توحد وتجمع بين الأفراد والشعوب، وتردم الهوات والاختلافات، وتملؤ الثغرات التي تصنعها، وكذا  التمايزات بين الأمم  والشعوب. باختصار، الجسد لغة يتكلمها ويفهمها  الجميع : (( كل شيء يتم  في الواقع كما لو أن ثقافات الجسد، البسيطة  والوفية لإنسانيتها. تظهر اليوم كأفق للخلاص، وواحات للسلام ومرافئ للحب. وبإمكان البشرية أن تجد من خلال ذلك بعضا من شبابها. يبدو بأن ثقافات الجسد والشهوة تشتغل اليوم بالنسبة للعالم الصناعي  تقريبا مثل المجتمعات البدائية بخصوص " المجتمعات البوليسية")).
ظل الأفق الفكري للمجتمعات العربية، ينظر بنوع من الارتياب إلى الجسد:  مما جعل، التراكمات النظرية في هذا الإطار قليلة جدا. لأنه تم الربط دائما بين الجسد والخطيئة، كما أن الإيروس يحيل على الطابو والمحرم.
الحديث عن الجسد في الثقافة العربية، مبحوح ومحتشم بل مجروح.الجسد محاصر، لأنه الذات في فاعليتها المباشرة والآنية. وبما أن الأنسقة  الكليانية، والمنظومات الدوغماطيقية، تتوخى تحييد وقتل هذه الفاعلية، فإنه من الضروري ضبط العنصر الأساسي في هذا اللعبة وتحويله إلى مجرد هيكل.
كل تحرر للأجساد يمثل انطلاقة واندفاعة كبرى للتاريخ. لذلك،  فرواية "موسم الهجرة إلى الشمال"  ،إضافة إلى نصوص أخرى رسخت رؤية ومنظور جديدين، للمتن الروائي العربي.وكذا الحمولة المعرفية والمضمون الإيديولوجي لخطابه. بالتالي،  إضافة إلى جدتها وروعتها، على مستوى اللغة والررؤية الفنية، ومضمون الوعي. فإنها، خاصة مقاربة جديدة ومبدعة للجسد، ارتفعت بهذا الكيان إلى درجة متميزة حضاريا.
لقد توقف على أن يكون خطيئة، أو مجرد أداة للإشباع الغرائزي، بل استرجع وبامتياز قيمته الفلسفية. أن تكتب عن الجسد، معناه أن تكسر جدار وحاجز الصمت عن جزء كبير من الثقافة العربية بقي مهملا وهامشيا ومغيبا، بينما يمثل تعبيرا كبيرا داخل الثقافة العربية.  لذلك من الحتمي، خلخلة ثوابت هذه القيمة المحظورة.
الجسد محظورعند السياسي، ورجل الدين، وأصحاب المعتقدات الجاهزة…. ولاشك أن "الذات المحاصرة" لا تخرج عن براثين هؤلاء، حيث نجد العلاقة عكسية وطردية بين الذات العربية ووجود هؤلاء.كلما ضعفت سلطة الكليانية، إلا وتحررت الذات. أما حينما تتقلص  وترتد مدارات هذه الذات، تصير لحظة السياسي المحافظ والمتدين الرجعي، محددة لما سواها.
يجب إذن، القيام بعمليات أركيولوجية داخل الثقافة العربية القديمة منها والحديثة، للتنقيب عن النصوص التي تستلهم هذه الروح الحداثية، واستثمار ذلك لبناء هذا البعد الجديد الذي نتوخاه لتقافتنا.
هناك تطوير في الرواية وصياغة جديدة لثقافة الجسد، وكذا ثقافة الطبيعة. ذلك  أنه في الصحراء الشاسعة ذات الطبيعة القاسية والقاحلة، يتم التمركز بشكل كبير على التوظيف  الجسدي والقوة الفزيائية،حيث يلعب ذلك دورا محددا  وأساسيا، في المجابهة المباشرة مع الطبيعة، تتضاعف معها القيمة الحضورية والتأسيسية للجسد. يعقب الشارني على ذلك قائلا : (( الثقافات المتواضعة أو "الباردة" لم تعد بأي شيء: مع بقائها ملتصقة بتواضعها "وبرودها"، فإنها لم تترك أبدا مجالها: لقد بقيت دائما، كما كانت ثقافات للجسد. منذ البداية ينكرون الجسد، حتى  ولو كانوا في الغالب ضحيته الصامتة والمحددة. لقد جعلوا دائما من الجسد في الآن ذاته فضاءهم الرمزي، وكذا ثروتهم النفسية: شيء تجب صيانته وإعادة إنتاجه، ثم موضوع يجب تقويته وكذا التسامي به. وسيلة نعيش بها  الطبيعة ونتمتع بها)) .
الاحتكاك بالطبيعة والقسوة التي تبديها،  ثم محاولة السيطرة على قواها هو ما يوحد الشعوب بأكملها، ويجعلها تواجه المصير نفسه، من تم تكلمها لغة مشتركة،  أي لغة الجسد. ففي صحراء شاسعة ومترامية الأطراف لا يمكن إلا الرهان على الجسد، لأنه وحده يكفل البقاء.
مصطفى سعيد،الذي ظل يعرف نفسه كأكذوبة، نبي الصحراء الجديد . جاء كمنقذ للإنسانية، ومبشر بثقافة وفلسفة بديلتين للجسد، لأنه في حقيقة الأمر، المقياس والمرجع الوحيد لكل ثقافة تسعى إعطاء الإنسان آدميته الحقيقية.
تحديد الذات باعتبارها أكذوبة- شيء غير قائم، مجرد عدم ومساحة لغوية تلوكها الألسن في حين لا مقابل لها على أرض الواقع – يمثل وعيا نقديا إيجابيا، يقابل بشكل جذري، الوعي النرجسي المرضي كما يحضر عند توفيق الحكيم.
أنا أكذوبة، وإن كانت تظهر نوعا من الدونية والعدمية، فإنها على المستوى النفسي تعكس شعورا صادقا وتاريخيا، يؤكد أن هذه الذات حية جدا، ومشاعرها قائمة. تتفاعل جدليا، وبشكل ذكي وجيد مع الأشياء والعالم. إنها، لا تقتنع ولاترضى بتاريخها، بل تطمح دائما إلى الممكن المنفتح الذي هو أفضل وأحسن.
أنا أكذوبة، انتقاد تاريخي وبلاغي من الناحية الانطولوجية، لواقع يثير التقزز والغثيان، لدى نموذج إنساني كيفي ومتميز جدا، كما الشأن مع مصطفى  سعيد.
أنا أكذوبة، إيمان يقيني بالمستقبل وخلق لانفتاحات لا نهائية،  لكي تبلور الذات كل احتمالاتها. تكسير وتحطيم أصنام  نرجسية فارغة، منتفخة بأوهام وسذاجة اليقينيات والمعتقدات الزائفة، حالة صادمة لوعي يعتقد بأنه مكتمل ومطلق.
أنا أكذوبة، بداية وفاتحة عهد جديد للوعي العربي .لحظة تأسيسية بامتياز. فالإحساس بالعبث واللاجدوى، يفصح عن وجود خلل في علاقة هذا الوعي مع نفسه والعالم. شعور، بقدر ما ينفي ويلغي، فإنه يؤسس ويبني ويبدع.
يقول الشارني، مختزلا رؤيته المعرفية لمغامرات هذا العربي الجديد مصطفى سعيد، في تجاوز جريء لانطوائية محسن :(( بالموازاة نعاين لاتمركزا للذات، كتشهير ذاتي يأخذ شكل نقد ذاتي، ورد الاعتبار للآخر، أو في جميع الأحوال تحييده كوجه غريب عن مأساة الأنا. لكن يظهر بأن هذه المحاكمة تشير إلى نشوء تراجديا، نلاحظ بأنها تظهر وتنمو وتنحل، حسب تمنهج وعي نقدي مستعد لمواجهة العالم وكذا مواجهة عالمه، وأن يبدو قويا في تحمل مصيره، وأن يمتص ذاتيته.لم تكن الرواية الأولى، إلا نشيد ذاتية منذهلة بنفس سعيدة، راضية عن ذاتها وأسطورتها. لكن، مثل كل  نفس سعيدة، فإنها تفرغ العنصر الدرامي، وتدفعه إلى ماوراء حدود ذاتيتها، والتي تظهر بأنها أسرها الحقيقي.نفس تمتدح الغنى في لب فقرها، والحرية في صميم عبوديتها، ثم المعرفة في جوهر جهلها.إنها، أسير أوهام تجعل منها ديكورات متسامية لسجنها. لأن النفس السعيدة كيان  تعويض، تبحث  على حجب  فراغها بأتاث من  قش، وتبدد عتمتها العميقة بنيران زائلة. وفق هذه العلاقة مع ذاتها والعالم، تندرج علاقتها مع الآخر، الذي يختفي هو كذلك في حقيقتها، ويظهر  في صورتها الوهمية. لهذا السبب،  فإن هذه العلاقة لا تقوم لا على اتفاق أو اختلاف،  ولا تعطي  حيزا لتحالف أو مجابهة. إنها مستوعبة كليا في نوع من العلاقة الانطوائية والنرجيسية حول الذات، حيث تحاصر الذات وتخفي عنها وجه العالم. بالمقابل، تمثل الرواية الثانية لائحة سوداء، عن عالم يتزحزح حيث يقوم الوعي الشقي بشكل مريح. هنا، تصنع المأساة دخولها المجلجل إلى العالم الروائي العربي. تظهر الذات، صراحة اضطرابها العميق، وتعلن علانية عن جرحها وتمزقها. مع ذلك، فالمأساة تبقى حبيسة عنصر خارجي يبدو بأنها تعيشه كحتمية. كماالحال مع اليونان، تحرك البطل بالتأكيد قوى داخلية، تفرض عليه من الخارج، ولا يمكنه إلا الخضوع لها بشكل أعمى .إنه، مشهد جميل في سواده، ترسمه الروح العربية المستسلمة لقدرها والخاضعة لمصيرها، مصير ترسخ منذ الأزل. لكن مايثير الانتباه، أن العلاقة مع  الآخر،  تندرج  ضمن منطق القدرية ،بقدر ما تحمل الذات اضطرابها  وتصرخ تمزقها،  فإنها تنخرط في المجابهة والصراع مع الآخر. صراع مفتوح وقوي،  يحدث  على جميع المستويات، لكنه ينتهي دائما بفشل الذات. لأنه  في حتمية القدر هاته التي تسلب البطل، فإن الفشل  عملة مهيمنة، بدونه فالمأساة لا معنى لها. في شبكة القدر  هاته، يجب في الواقع أن يكون  الآخر مرتبطا بقوى الشر، مجسدا عنصر مؤامرة واسعة ضد الذات، تأخذ أحجاما كونية تقتضي من بين شروطها سقوط الذات.
مصطفى سعيد بطل حقيقي للتراجيديا العربية بذاتيته المضطربة وخضوعه للقدرية ثم فشله النهائي والمميت. لهذا  السبب ومثل بطل عند شكسبير فإنه  لا لايتوقف عن تعريف نفسه ك "شبح" ، "طيف" و أكذوبة". إنه يمثل هذا الوجه السياسي والفني الذي لا زم  وأغرى في جماليته الروائية الوعي العربي الملغوم بهذه  التناقضات، والغارق في واد من الدموع يحتفظ بالكاد على القوة بأن يقول "النجدة"".
3-أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد:
رواية أحلام مستغانمي، قصيدة مهداة إلى الهجرة والمنفى  والألم والحنين.تصفية حساب مع التاريخ والذات، ثم محاكمة  لما مارسناه  على هذا  التاريخ.
في حين كانت رواية "موسم الهجرة إلى الشمال"، نفسها إعادة تصفية حسابات  مع التاريخ بمعنى من المعاني، لكن كمقولة كونية مجردة، ذات حمولة فلسفية عميقة. فإن عمل مستغانمي، يحاكم ويمارس نقدا ذاتيا، على تاريخ وقائعي وسياسي مباشر.
تأملات الطيب صالح، تحيل على تراجيديا إنسانية في صراعاتها النفسية والوجودية، تعيش تمزقا وانقساما بين إكراهات المصير المشترك، المرتبط بوضع زماني ومكاني محددين ثم  طموحات شخصية لا نهائية.
بينما رواية أحلام مستغانمي، تفضح وتكشف  عن فشل المشروع  السياسي للدولة الوطنية، وإحباط أجيال بأكملها، نظرا للإخفاقات السياسية والاجتماعية الكبيرة التي أعقبت مباشرة ما سمي بتصفية الاستعمار، وإن كان من الضروري وضع ذلك بين مزدوجتين، نظرا لأن خروج هذا الاستعمار  بقي في نهاية المطلق صوريا وشكليا  بعد أن وطد  طبقة إقطاعية هجينة، كي ترعى  مصالحه الاقتصادية والعسكرية. بالتالي، فالثورات التي خلفت آلاف الشهداء  والمناضلين – يكفي  أن نستحضر مثال الثورة الجزائرية  - ذهبت سدى مع أدراج  الريح. كانت تضحيات هؤلاء مجرد  نباح كلاب، حيث سرعان ما عادت الأمور إلى طبيعتها الأولى. اشتغلت الأنظمة العسكرية والديكتاتوريات الفاسدة، وفق الاستراتيجيات الاستعمارية لتبقى البنيات المجتمعية جامدة، وما نتح عن ذلك  من تراكمات،  تحولت مع مرور الأيام إلى أزمات هيكلية وبنيوية تدفع  اليوم الشعوب الثمن غاليا بسببها.
لا تخوض رواية أحلام مستغانمي في تاريخ مثالي، لكنها تقوم  على أحداث محددة ومعطيات واقعية. تاريخ، يظهر كخلاصة سلبية. تختلف عن عمل  الطيب صالح، في كونها تقود  مشروع محاكمة مقصودة للذات والمجتمع، مع تبني طريقة الرواية  السياسية. لكنهاعلى  منوال "موسم الهجرة إلى الشمال"، سيقارب النص ويمارس لعبة لغوية، عن تاريخ يختلط ويمتزج فيه الحب بالموت.
بطل "ذاكرة الجسد" يعيش سيكولوجيا  تمزقات وتشظيات كثيرة ومتعددة. خالد أو "المونشو"، الذي يقيم في باريس بعد أن فقد يده في الجبهة وترك الجزائر، يتأمل من منفاه الإختياري بشكل ساخر مفارقة سوريالية، حيث مكر التاريخ واستهزاء القدر. ذلك، أن الذين ظلوا يحاربون المستعمر الأوروبي، هم من يلهتون اليوم إلى قنصليات هذا المستعمر في طوابير طويلة من أجل الحصول على جواز العبور. أوربا، هي الملجأ والخلاص.
يعني ذلك بان التاريخ توقف عن  السريان كليا. لم نحقق أي شيء، منذ خروج المستعمر، عن الأرض العربية. بالتالي، تجد شعوب المنطقة نفسها محاصرة بين مخالب واقع اقتصادي واجتماعي متردي جدا، مما يدفعها إلى هجرة أوطانها للبحث  عن حق في الحياة وشرط مقبول للوجود.
يخرج الوعي العربي هنا، من تمركزه الذاتي ويترك نرجيسيته الطفولية، متجاوزا تمزقه التراجيدي القاتل حيث يتعامل مع الآخر  بنوع من الموضوعية والنضج والحكمة. تتحول الهجرة إلى فضاء للتأمل، وخلق  المسافات. إنها، ليست مرآة تحيله إلى ذاته كما الشأن مع توفيق الحكيم.
لا صحراء تدفعه إلى تحققه الكلي، أو  النفي المطلق كما يحدث مع الطيب صالح ،بل على العكس تشكل الهجرة في ذاكرة الجسد مجالا للهدوء والسكينة والتفكير. كما أن الآخر يغير من وجهه، فهو ليس آخرية الذات، لكن وجه ثان للذات نفسها في لحظة مجابهة: ((يغير الآخر من وجهه، إنه ليس قط آخرية أو إفسادا للذات، سلطة غربية عنها  بحيث يتواجدان في علاقة  مجابهة تاريخية، إنها الوجه الآخر للذات،  نصيبها الملعون وجزؤها الفاسد)). تصور، يتوخى رؤية جديدة للتاريخ تزيح عنه الحمولة التيولوجية و الإكلينيكية، لكي يلمس  تطوره الموضوعي العقلاني.
أكبر سؤال يطرح اليوم على الوعي العربي – والأدب العربي بطبيعة الحال مكون أساسا لهذا الوعي- يتمحور حول التاريخ والزمان. والتفكير في ذلك، يعني محاولة القبض على المصير. تشتت وتبعثر، إمكانات الذات في الزمان والتاريخ، يحتم مسألة البحث في العلاقة التداخلية والتفاعلية بين الزمان وهذه الإمكانات.
الزمان وحده، يموضع هذه الإمكانات ويحدد  لها شروطها،بالتالي يشكل التنظير للزمان مدخلا أساسيا ومفتاحا لكل تحقق فكري سليم.
افتقد الوعي العربي، للزمان والجسد والتاريخ. أصبح، يحاصر ممكناته باستمرار لأن الجسد حرية والزمان سيرورة  والتاريخ تبلور، أي علاقة بين الزمان والتاريخ؟ الزمان مقولة ميتافيزيقية، والتاريخ مجال وقائعي، الأول رؤية مفهومية، بينما الثاني تموضع تجريبي.
لقد ظل التاريخ العربي، ملتصقا بمفهوم ثيولوجي .الزمان،لديه سيرورة إلهية والتاريخ لحظة مطلقة تكتمل، في غياب أية مبادرة بشرية. فهم ستكسره رواية ذاكرة الجسد وقبلها موسم الهجرة إلى الشمال، حيث التاريخ وضعي يأخذ مساره الحقيقي باعتباره حصيلة مواقف واختيارات إنسانية محضة. لذلك، يمكننا إعادة كتابته من جديد وتجاوز صيغه الخاطئة.
الارتكاز على التاريخ باعتباره الحلقة المفقودة أو المغيبة من قبل أعدائه، أي الذين يتوخون بقاء المجتمعات العربية، على الهامش منه.  ننتقد تاريخنا السياسي، ونسعى إلى تجاوز زيف وأغلوطات إرثنا الثقافي.
الشعوب لا تملك إلا تاريخها، وتكتب حكاية الوطن بعرقها ودمها: ((بينما آخرون يكتبونه في جذاذات وكذا أرشيفات بوليس فظيع وجيوش  دموية ثم يوقعونها بختمهم الزجري)) .
لقد اغتيل حقا التاريخ العربي، منحرفا عن الدروب التي كان عليه أخذها من أجل أن يكون تاريخنا الحقيقي والفعلي ممتلئا بالأكاذيب والديماغوجية.
هكذا فأسماء مثل "مصطفى سعيد" " أو " خالد" وغيرهما في نماذج إبداعية أخرى، تمثل في حقيقة الأمر تراكمات كيفية في تطور هذاالوعي. تؤكد، على ضرورة محاكمة التاريخ، بكل نزاهة وموضوعية وتجرد من أجل الحاضر والمستقبل.
العودة إلى الماضي، تكون هنا نسبية محكومة برؤية تاريخية للوقائع والمعطيات، بالتالي، لا تضخيم ولا تعديم، إنما تأخذ الأحداث حسب شرطها وحجمها الواقعي.
لقد ظل التاريخ عقدتنا بامتياز، يخيفنا ونخشى من لعبة مكاشفته فتحدث عملية  الهروب والمراوغة، كما نخلط بين التاريخ والتراث. يتم الحديث، عن  أحدهما باسم صور الآخر، نسقط صورتنا  التقليدية للثرات على التاريخ. في حين، تأخذ المعادلة الصيغ التالية: التاريخ تراث، وللتراث تاريخ.
التاريخ حكم بشري وقيمة انسانية، من الضرورة خضوعه لمنطق وضعي، انطلاقا من عملية تقويم لانفعالات وعقلانيات تتأرجح بين جدلية السقوط  والتحقق.
التاريخ إذن، هو محور الروايات الثلاث، لكن مع اختلاف الرؤية فيما يخص المقاربة. مع الحكيم بقي هذا التاريخ، غالبا ومسيطرا وقابعا، داخل أقبية من ذهب. في  اللحظة الثانية مع الطيب صالح وأحلام  مستغانمي، سينزل من برجه لكي  يخضع للفحص والتحليل والتمحيص والنقد ثم المحاكمة إيجابا أو سلبا.
يجب أن تتحقق ثورة على مستوى الكتابة، تلامس أجسادنا وتاريخنا. حتى  نعيد لرؤيتنا حيال العالم شيئا من انتباهها ويقظتها.مادام الجسد مغتصبا والتاريخ مغيبا أو مزيفا، فلا يمكنا  البتة التفكير في إمكانية خلق منظومة ثقافية عربية قادرة على التكلم بلغة العصر.
الأعمال الثلاثة صرخة ضد واقع عربي مترهل، تحركه مؤسسات ثقافية وسياسية واجتماعية شائخة وقروسطية، تقوم على نظرية ماضوية ونزعة تقليدانية. يقول الشارني متأملا الموقف: ((بالتأكيد فالتقليدانة سلوك ينحو إلى إعادة إنجاز حلول مستهلكة داخل مواقف جديدة. إنها، تمثل بشكل عام نوعا من اليرقان التاريخي يعيق بل يوقف أحيانا وبشكل جلي تطور الشعوب التي يصيبها…. لهذا السبب، لم تكن التقليدانية أبدا واقعة كونية داخل مجتمع ما، لكنها باستمرار موقف مجموعة إن لم تكن طبقة يجب دائما محاربتها)).
خيانة الثورة والمبادئ الكبرى التي ضحى في سبيلها آلاف الشهداء، لتحقيق مجتمع عادل يقتسم ثروته وخيراته الجميع، وفشل المشروع السياسي الوطني، أديا إلى دخول المجتمعات العربية مرحلة ما قبل الكولونيالية  وإخضاع المواطن العربي إلى سيادة أنظمة كليانية لا تؤمن إلا بالحكم الفردي الأتوقراطي. عملت على تجميد  المسارات الطبيعية الممكنة لأي تقدم مجتمعي، فأقامت دولة داخل الدولة، عملت على اجتثاث كل ملامح ولبنات المجتمع المدني الذي تسيره مؤسسات حرة.
لقد تحدث خالد في ذاكرة الجسد، عن نوع من الاغتصاب الســياسي لرسم الصورة التي حدثت مباشرة بعد الاستقلال، بين حركات التحرر والأنظمة السياسية. الاغتصاب، في مفهومه الجنسي يمثل ويعبر عن واقع حقيقي، ثم فيه خطف واغتيال لعذرية التاريخ، أي تلك الأحلام العفوية والنبيلة لكل الناس وحقهم الطبيعي في حياة كريمة يقول  الشارني :(( نلاحظ إذن قيام معادلة بين الصنف الجنسي للتملك المغتصب للوطن، والصنف السياسي للتملك العنيف، أي بالقوة ودون شرعية)).
تطرح رواية أحلام مستغانمي، إذن كخلاصة فشل الأنظمة الوطنية في تحقيق استقلال فعلي وحقيقي، واستثماره من أجل بلورة اختيارات سياسية واقتصادية حقيقية، كان من الممكن أن تضعنا حقا في  قلب مجرى التاريخ.
لقد أخذوا البلاد واغتصبوها سياسا، بالمفهوم الجنسي للكلمة. لذلك وضع خالد أو المونشو في نفس المستوى، الاغتصاب السياسي والجنسي، مادام  يحيلان على المعنى ذاته. كما أن الوطن كالمرأة، مشاعرهما زئبقية تعيشان أقصى تجلياتها.
قد يحتضنك الوطن، ويضمك بقوة إلى صدره حتى  تكاد تنقطع  أنفاسك. كما قد يتحول، إلى وحش يلقي بك إلى أقصى غياهب الجحيم.
ربما الصيغة، التي حضرت بها  المرأة عند مصطفى سعيد أو خالد، كما كشف عنها الشارني بذكاء وبلاغة  يمكن أن نعكسها هنا على الوطن لنقول: ((يتم تقديم المرأة كغاية ومرة كوسيلة، مرة كحاملة للحب والأمل"خصوبة"، ومرة يتم ربطها بالحيل والمساومة والابتزاز، مرة يتم تملقها ومداهنتها ومجاملتها واحترامها، ومرة مكروهة ومرفوضة ومحتقرة وتباع بالجملة أو التقسيط)).
هو  الوطن كذلك، يتوارى أحيانا من مساحة  أحلامنا، حينما يتنكر لجوارحنا. لكننا رغم كل شيء نعشقه إلى النخاع مثل المرأة تماما.
 
سعيد بوخليط


معرض صور