المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

تيمة الهجرة في الأدب العربي المعاصر/ج2

الخميس 13 مارس 2014

 
ما الذي يحدد اليوم شيئا، اسمه "هويةعربية"؟ ما دامت الإجابة عن هذا  السؤال، قد تنهل مرة من التاريخ وثانية من الجغرافيا وكثيرا من الأيديولوجيا. أما السياسيون، فإنهم يتحدثون عن المصير المشترك.
لكن المسألة المثيرة حقا، هو أن تتم ملامسة هذه الهوية باعتبارها سيرورة ثابتة، محددة قبليا، وبمعطيات مطلقة،حيث يتم الاعتقاد بأن هناك اتفاق حاصل حول المفهوم. في حين تظل الهوية، لعبة ملتبسة ومنفلتة باستمرار. بالتالي، ما كان يشكل ويمثل "هوية عربية" في لحظة تاريخية محددة، قد لا يحافظ على نفس الحمولة النظرية في اللحظة المعاصرة مثلا. ليس هناك من " جوهر"  في ذاته، وحده الزمان يلعب لعبته وبمكر.
وضع الذات في سياق التاريخ، وتحويلها إلى معطى  واقعي، يمزق بقوة ستار التراكمات الفكرية المحكومة  بتصورات كليانية، أخذت سواء من الدين أو الرؤى التاريخية المغلوطة، والتي كما أشرنا تستقي أصولها من ميتافيزيقا الوحدة. بالتالي، التخلص من كل الآليات النفسية التي تحول بيننا وبين الحرية.
بقي المثقف العربي، يصارع "طواحين الهواء". الأسئلة الزائفة والخاطئة  والموجهة بشكل ديماغوجي، لن تؤدي طبيعيا إلا لتشكيل وعي زائف عن طبيعة القضايا التي يتحتم فعليا مواجهتها للدخول إلى العصر وفهم منطقه، أي تمكين المجتمع من أسس الحداثة. هكذا، سجن الفكر العربي ذاته ضمن رؤيتين مغلوطتين. إحداهما خارجية والأخرى داخلية، علاقتنا بالآخر وتمثلنا لذاتنا.
على ضوء ما سبق، يحدد الشارني طبيعة المفكر الذي يتوخاه، فهم لا يخرج عن المقدمات النظرية التي وضعها الباحث لعمله، ثم قناعاته الذاتية والحمولة الايديولوجية، التي استند عليها من خلال توجيه نقد بل وفضح واقع عربي يعيش في مستنقع التاريخ، بمؤسسات ينخرها الموت طولا وعرضا، وانسجاما حتى مع النصوص الأدبية والنماذج التي جاء بها الشارني للحديث عن الهجرة. إنه بكل بساطة: المثقف الكوني التقدمي الملتزم بقضايا وطنه وشعبه: ((المفكر مسؤول أمام شعبه ووطنه ثم ما يحدث لهذا الشعب من خير أوشر، لأنه الوحيد الذي بإمكانه ان يحتضن بنظرة خاطفة زمانه وكذا زمان الآخرين، ثم ثقافته وثقافة الآخرين.))
تتغير المفاهيم اليوم بسرعة أنفاسنا، العالم يتقلص في كل لحظة. الأجناس المعرفية تذوب بعضها في البعض الآخر، الحدود تنهار. كيف يمكن إذن إقامة منظومة فكرية حداثية " جامعة"؟ قادرة على التماهي، مع هذه السياقات الجديدة. الأمر بسيط: أن نتكلم لغة العصر. فرضيات، لا تأخذ كامل ممكناتها وأقصى احتمالاتها، إلا بتحطيم أصنام الدوغما وأصول العقائدية العمياء، التي لا تؤدي إلا لمزيد من الإرتكاس والتراجع.
نحن ذات تاريخية، والتاريخ يفترض الاحتراس واليقضة وأخذ زمام المبادرة بالخصوص. لذلك، فكل عطالة أو جمود أو استكانة تقود إلى التلاشي. وفي أحسن الأحوال، إلى الأوهام وهي  كثيرة في ثقافتنا العربية.
يؤكد الشارني،  بأن النصوص  الروائية  التي وظفها في عمله هذا تمثل مرحلة متقدمة وعميقة، فيما يخص قضية إدراك علاقة الذات بذاتها و الآخر. التطور، الذي حصل داخل  وعي بعض الأدباء العرب، هو ما سعى إلى التقاطه والوقوف عليه. إلا أنه من الصعب، الإجابة أو معرفة التأثير، الذي يمكن أن يحدثه عمق هذه النصوص على الواقع  العربي.
لكن لماذا الأدب بالضبط وجنس الرواية خصوصا؟ يقول الشارني: ((الأدب هو أجمل تعبير عن هذه الحرية والرواية زهرته. بقدر ما يكون المسرح حبيس ديكور ومشهد ووحدة المكان والزمان. وبقدر، ما تكون القصيدة نشيد عندليب في الغسق. وبقدر، ما يكون الرسم تثبيتا متخلفا ومخادعا للحظة شاردة وغير تامة أبدا. تصنع الرواية وتفكك عالما، يمكن الروح من أن تعيش بكل هناء، وأن يشاركها ويخلصها كذلك من آلامها وأحزانها. إنه في الآن ذاته، فضاء للتأمل والسعادة، و التعلم والتمتع، فضاء  للصحبة أو  العزلة. إنه النظري، الذي صار تطبيقيا، بعد أن خلصه من خبائثه وقصاصاته. يأخذه ويتسامى به، إلى درجة عالية من الشفافية والنقاء. الفن الروائي، فن يرتكز على أن يقارب في الحياة المشاهد المألوفة أكثر، والوقائع الأكثر اعتيادا، ولكنه يعمق فيها الخصيصات النوعية إلى حد  أن يجعل منها لوحة رائعة)).
الكتابة الروائية حسب الشارني، تجمع وتوحد بين القصيدة والرسم والمسرح ثم الموسيقى، كل ذلك في حركة واحدة.بالتالي، يتم الرهان عليها هنا، من أجل إيصال الرسالة الحضارية والتاريخية التي يتوخاها الباحث.
روايات الهجرة التي يحللها في مؤلفه هذا، تضيف  إلى الخصائص الإستتيقية للرواية، مجموعة من المعطيات النظرية الأخرى، تعكس الأطروحة المركزية التي قامت عليها الفكر والثقافة العربيتين، أي حدود العلاقة بين الأنا والآخر ومن خلالها علاقة العرب بذواتهم.
لقد أخذت الهجرة إلى أوربا أشكالا اقتصادية وثقافية وسياسية.وإذا ارتبطت الأولى، بحاجة أوربا إلى يد عاملة في لحظة تاريخية ما من أجل تشغيل دواليب اقتصادها، فالثانية والثالثة، تبقيا ذات أهمية قصوى ليس فقط ارتباطا بطبيعة الوعي الذي أحدثته، ولكن خاصة من خلال عينة الذوات التي كانت موضوعا لهذه  الهجرة.
أكثر  الذوات إحساسا بالحياة، هي التي توجهت إلى أوربا لأنها أصطدمت بخيبة أمل في هذا الواقع العربي، فوجدت في أوربا فضاء رحبا وواسعا من أجل بلورة أفكارها بالخصوص.
أوربا، بمؤسساتها الثقافية وجامعاتها الراقية، ومعاهد ومراكز البحث…، ثم المناخ الملائم الذي تخلقه أجواء اللبيرالية والحرية… . كل ذلك، جعل  منها ملجأ حقيقيا، لكثير من المثقفين العرب، الذين اختنقوا بالأجواء السائدة داخل مجتمعاتهم. وتجب الإشارة، إلى أن كثيرا من هؤلاء المثقفين، صاروا أسماء دولية بفعل ظروف الاشتغال والبحث التي وفرتها لهم أوربا.
تبقى الهجرة إذن ظاهرة سوسيو- تاريخية، تحكمها مجموعة من الحيثيات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، لا تقتصر في حقيقة الأمر على المجتمعات العربية، بل تشمل كل المجتمعات الإنسانية، مما يعطيها بعدا إنسانيا. الاختلاف فقط، يمكن في نسبية المعطيات التي تحكم الظاهرة وتختلف من مجتمع إلى آخر، إضافة إلى الموقف والبعد المفهومي إن صح التعبير، الذي يمكن أن تأخذه الهجرة وكذا مستويات ردود الفعل الذاتية من قبل الشخص المهاجر.
لا شك أن الشارني، اختار نماذجه الروائية: الحكيم /  الطيب صالح / أحلام مستغانمي وهي تتباعد زمانيا. ربما،يجسد كل نموذج حقيقة زمانية بكل تطلعاتها وأحلامها  وإحباطاتها.
توفيق الحكيم، نموذج للمثقف العربي الذي هاجر إلى باريس في بداية هذا القرن، من أجل العلم والمعرفة. بالتالي سنقف في هذه الحكاية، على نوع من الصراع الفكري والإيديولوجي  بين الشرق والغرب، أي بدية تشكل ملامح "صراع" حضارتين مختلفتين من ناحية الأسس والغايات والقيم والمفاهيم.
هذه المرحلة،وصفها الشارني ب" الوعي  النرجيسي" حيث جسد " الحكيم" هذا الإحساس المفرط والمرضى بالذات في مواجهتها للآخر الأوروبي. لأنه: ((ظل لصيق ذاته، مكتفيا بالحكم على حياة يرفض معرفتها أو فهمها.)) فهي، (( ذات مكبوحة ملتفتة إلى ما سلف، تبقى سجينة ذاتها وأوهامها وهلوساتها. ثم ترفض أي شكل من المواجهة مع الحاضر.))
في حين،يمثل مصطفى سعيد مع "موسم الهجرة إلى الشمال"، مرحلة تاريخية تعود إلى سنوات السبعينات، من خلال هجرة أستاذ سوداني قصد التدريس في الجامعة البريطانية. وهو على العكس من محسن عند توفيق الحكيم، يقيم البطل هنا: ((استعلاءه على خضوعه، ويتقدم إلى  بوابة الواقع، أي بوابة التاريخ)).
بينما تدخل "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغلانمي، ضمن  نموذج آخر سعى عبره الشارني،  فحص واختبار مفهوم الهجرة السياسية مع لجوء أحد المقاومين  الجزائريين القدماء إلى باريس. نوع من المنفى الاختياري، احتجاجا على واقع قد لا يتحمل حتى ذاته. ليستبدل، هذا العمل تاريخنا الميت، بمفهوم آخر يؤسس: ((لذاكرة متوحشة وثائرة، تأخذ كل أهميتها  التراجيدية من خلال مجابهة الوعي لذاته. العنصر الجديد في هذا الشأن، هو أن الأمر لا يتعلق بتاريخ عبء، بل تاريخ –قوة. قوة حية لا تقهر، تسكننا وتوجهنا وتضغط بثقل على أفكارنا وأفعالنا، لم يتم وضعها داخل خزانات الزمان. هي تاريخ تراجيدي، لأنها لازالت رهان حاضر يرتجف ويهتز حياة وعنفا.))
كل واحدة من هذه المسارات، تمثل لحظة وعي مختلفة ومتميزة داخل الوعي العربي هناك: 1-النرجيسية 2- الثورة 3- النقد الذاتي.
إذا تأملنا التمرحل، سنلاحظ أن الوعي العربي يتطور وينمو تصاعديا داخل هذه النماذج الإبداعية. فالنرجيسية، لا يمكنها في جميع الأحوال غير  التعبير عن حالة مرضية باثولوجية، تظهر عجز الذات عن التفاعل بشكل موضوعي، مع المحيط والأشياء. تمركز جنوني حول الذات، يحتكم إلى موقف طفولي وساذج.
أما ثورة مصطفى سعيد الأنطولوجية، فإنها تشكل بداية أسس وعي نقدي. أي، ملامسة الذات في نسبيتها وجدلياتها وتوتراتها، سواء عبر تاريخها أو علاقتها بالعالم ومكوناته.
إنه تطور حضاري راق جدا، يعكس مستوى نضج كبير، عند ذات شجاعة وجريئة. ما دام، الموقف يفترض في حقيقة الأمر،  مواجهة حقيقية وحساسة تمس الاختيارات الكبرى للذات، التي تتوزع بين إحساسيين نفسيين يتأرجحان بين النجاح أو الإخفاق. طبعا،لاتكون النتيجة الثانية دائما مضمونة النتائج.
لذلك، إذا دل النقد الذاتي عن شيء، فإنما يدل على قدرة الذات بفاعلية لمواجهة العالم، وأن تعيد بشكل دائم  ومستمر صياغة ممكناتها، وبأن جوهرها منفتح باستمرار، لا يمكنه الارتهان إلى احتمال بعينه. إنها تحس بالحياة، وبالتالي فهي ذات تاريخية وسوية  من الناحية النفسية…. أشياء ظلت تفتقدها الذات العربية.
السياق العام للكتاب، وأطروحته التاوية وكذا الظاهرة، يفكران في مدى  قدرتنا على القيام برؤية جذرية، بخصوص قضايانا السياسية والفكرية والثقافية والاقتصادية والتخلص من هذه النرجيسية الفارغة، التي شكلت مأساة العرب، ولاتستند على أي منطق تاريخي أو مبررات سيكولوجية.
لقد ظلوا عند حدود التغني بماض " مجيد"، يمدحونه في كل لحظة وآن. شاهد  الماضي هو الحاضر، والحاضر لا يمكننا موقعته إلا بتملك المستقبل. العلاقة متداخلة ومترابطة بشكل كلي، بحيث يصعب تفكيك خيوطها.
الوقوف عند الماضي، وامتداحه بل استشرافه عاطفيا ولغويا إن صح التعبير، يفلت منا حتى هذا الماضي نفسه، وهو في أبسط تعريف ليس ماضينا فقط، بل إرث تقتسمه الإنسانية جمعاء.
مثلما، أن الحضارة الفرعونية ملك لكل إنسان أينما وجد حتى وإن كانت جنسيتها مصرية، فالمنطق ذاته ينطبق على الإرث الفكري اليوناني أو النظام السياسي الروماني وحضارة بلاد الرافدين. ابن رشد يتقن كل اللغات، والمتنبي يزرع الحياة في جميع الأنفس الحالمة، مثلما أن سقراط أستاذ للكل….
يجب أخذ الأشياء بحس ووعي تاريخيين، حتى  نتجاوز هذا التمركز  المرضي حول الذات، وكذا مجموع العقد السيكولوجية التي ترتبت عن ذلك، بالتالي حاصرت بشكل واع أو لاواع الذات العربية.
فالذات المحاصرة، عليها القيام بمجموعة من الثورات، على واجهات كثيرة ومتعددة، حتى تتحول إلى "أنا" مسؤولة بنضح وحرة، قادرة على مواجهة التحديات في زمان يتغير بسرعة قياسية.
اختيار الشارني لنصوصه. كان ذكيا وموجها، يستند على خلفية سياسية ومعرفية إنسانية بالدرجة الأولى. تلاحق، تطور ونمو الوعي العربي من النرجيسية إلى  الثورة و النقد الذاتي. يقول محددا الخاصية الفكرية والنظرية للأعمال المنتقاة للحديث عن الذات المحاصرة: ((هناك توجه جديد وغير معروف في الأدب العربي: إدراك النقد الذاتي، ليس كذنب ذاتي فردي يسلب الأنا حتميا. لكن، كانفصال للذات باعتبارها  تمزق أو تشظي لأنامتأهبة، حيث تتبادلان الاتهامات فيما بينها. لكن كذلك يقر أحدهما الآخر كليا، في هذا التعارض: الواحدة تسكن الأخرى، وتتنكر  لذاتها. الأخرى تسكن ذاتها، وتهرب من الآخر. يمكننا أن نقول في الواقع، أن رواية مستغانمي تمثل نمطا جديدا في الأدب العربي، حيث ينزاح الوعي عن مركزه، ويتخلى عن نرجسيته الطفولية، ويتجاوز تمزقه التراجيدي المميت، لكي يقبل ويتحمل الآخرية بثقة ونضج. تظهر الهجرة كما يجب أن تكون، أي كحيز للابتعاد والتوسط. ما دام، أن  وظيفتها بالضبط، تكمن في تباعد الذات عن ذاتها. إنها، ليست بمرآة تحيلها إلى ذاتها، كما هو الحال مع الحكيم، ولا بصحراء تجذبها وتذهب بها إلى تحققها الكلي، كما الحال مع الطيب صالح. بل هي على العكس من ذلك، مجال للسكينة والصفاء تكتسبها الذات من خلال وصولها  إلى سن النضج أي  العقل)).
لاشك أن هذه الأعمال وبهذا العمق النظري والمفهومي، وكذا مستوى التغير الكيفي في رؤية العالم، تمثل مسارا جديدا في تراكم إنتاجات الأدب العربي المعاصر. مما يفترض مقاربة نقدية جديدة، بغية تمثل أفق هذا الوعي الذي يتجاوز بشكل جذري بنيات واقع اقتصادي وسياسي وثقافي، متخلف ومتأخر  تاريخيا.
هناك مسألتان أساسيتان بهذا الصدد:
1-إن الوعي الاقتصادي العربي عليه استثمار هذا التطور، بهدف بلورة وعي نقدي متقدم على مستوى بنياته السوسيوثقافية، مما يعيد طرح معادلة كون البنيات المادية وإن كانت تلعب دورا  أساسيا في تأسيس الوعي، إلا أن العلاقة ليست حتمية أو ميكانيكية، بل جدلية ونسبية كذلك. قد تكون البنيات المادية، متأخرة لكنها تحقق عطاءات أدبية وفنية راقية جدا، والأمثلة كثيرة في هذا الصدد، يكفينا الاستشهاد بروسيا القرن  19 أو أدب أمريكا اللاتنية.
2-المسالة الثانية، تحيل على الدور الكبير  للهجرة، في  زعزعة اليقينيات الجامدة،  لمجموعة بشرية ما. ذلك أن العامل  الخارجي، وتسلل عنصر  الآخر إلى منظومة ثقافية ثانية، من خلال عنصر المغايرة والاختلاف.  يؤدي إلى إعادة النظر، في مجموعة  من الثوابت والبديهيات . بالتأكيد،فالمثقفين الليبراليين، هم أول من دعا إلى ذلك في  تاريخنا العربي.
مع هذه التجارب الروائية، تتحمل الذات  مسؤولية إختياراتها، لتعيش مصيرها بكل حرية. تخرج من شرنقة التصورات الميتاقيزيقية الممزوجة بأبعاد أسطورية عن الذات  والقدر والمصير والاختيار والجبر….
التخلص من ذلك، يكمن في موضعة  الذات داخل  التاريخ،  ونقل وعيها الزائف القائم على مجموعة من  المحددات السيكولوجية والعصابية المرضية، إلى وعي ناضج ومبدع يخلق مسافة موضوعية وعقلانية بين الذات والآخر والعالم. لكي يحصل الوعي العربي على حريته، متجاوزا المناحي والروافد الدينية واللاهوتية التي تحاصره وتعمل على تسييجه، ثم يدخل في علاقة واقعية ومباشرة مع التاريخ. يصنع البشر مصائرهم، هم مسؤولون عن اختياراتهم وعليهم اقتحام الأشياء بكل جرأة وشجاعة. فالإحساس بالضعف والهزيمة، يتأتى من غياب  الذات على مسرح التاريخ.
يفسرالشارني، مفهومه للحصار، بقول مضمونه أن الذات "المحاصرة"، تعني أن كل مبدع من المبدعين الثلاثة، محاصر نفسيا وتاريخيا بل ووجوديا، من خلال وضعية تعمل على كبحه وإيقاف اندفاعه وكدا انطلاقته.
العوائق هي: 1- النرجيسية 2- القدر والمصير 3- الذاكرة.
فتوفيق الحكيم أو الطبيب  صالح أو أحلام مستغانمي، ومن خلال الصورة التي يجسدها كل واحد  من هؤلاء:1- صورة الطائر في قفصه 2-صورة بطل حبيس وسجين مصير مرفوض،3- ثم صورة "المونشو" الواقع تحت سيطرة العزلة والذاكرة.صورة، أو صور في بعدها المجازي، تعكس كليا وضع العالم العربي المعتقل في ماضيه وحاضره وكذا مستقبله.ويشمل كل المظاهر الممكنة للحياة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية.
كيف السبيل، إذن للخروج من هذه الوضعية؟الجواب على هذا السؤال في الحقيقة لا يتأتى لفرد  واحد كالشارني أو أي مثقف آخر.  بل هو خيار جماعي ومشروع تاريخي، مرتبطان بمصير أمة وكتلة من البشر، موجودة في بقعة جغرافية ما، يتحتم عليها الالتقاء بمجموعات إنسانية أخرى،  لأنها لا تعيش في جزيرة منعزلة. كما أن التاريخ، يصنع آلياته ويديرها في غنى عنا وعلى الرغم من تطلعاتنا وطموحاتنا. لذلك، يجب التوفر على سرعة البديهة وقوة الحدس وذكاء الحواس لفهم ألغازه.
II-بين التاريخ والجسد:
1-توفيق الحكيم: عصفورمن الشرق.
تجسد هذه الرواية نموذجا شبه كاريكاتوري لتلك" النفس السعيدة" الغارقة في نرجيسيتها، المتمحورة على ذاتها مرضيا، لكي تجعل منها مركزا للعالم، ومصدرا وحيدا لكل التصورات والاحتمالات الممكنة حوله.
لقد مثل" محسن" حقا  هذا النزوع النرجيسي،  من  خلال دفاعه المستميت على امتداد الرواية، على  الأطروحة  التاريخية المغلوطة التي تؤكد  تفوق المشرق على الغرب، انطلاقا من كون المشرق منبع لقيم روحية سامية. بينماالغرب، مرتع لنزعات مادية إلحادية ولا أخلاقية، ستؤدي به حتما إلى الانحطاط.
ظل هذا  التصور مغلفا للوعي العربي، ولا يزال يتمظهر بشكل أو بآخر في مجموعة من الكتابات، تؤكد بأننا  الأقوى بقيمنا وعقيدتنا. في حين أن  الحضارة الأوروبية بفلسفتها الفكرية الوضعية ، تقود لا محالة الإنسانية إلى الانهيار!!! لذلك ظل محسن – بطل عصفور الشرق -ومن ورائه توفيق الحكيم، يشعر بأنه عليه القيام بمهمة: ((إعادة فتح سبل العالم الآخر، أمام الذوات الضائعة  بسبب"الحضارة المعاصرة)) ،حيث يرتبط بعزم وقوة: ((بطريق السماء، مؤكدا أنه قادر على تخطي كل العوائق،إذ يظهر أن كل تجربته في "مملكة الأرض" ،تشتغل  كتجربة مضادة  للكشف عن البطلان، من هنا ضرورة الرجوع إلى السماء)) .
تمثل رواية "عصفور من الشرق"، نموذج الهجرة التي كانت غايتها الدراسة وكسب العلم. طالب، يحمل بين حقائبه تمثلا  نوستالجيا عن فضاءات وأمكنة الولادة. صور، تشتغل سلبيا عن الذات الحاملة لها،مما يجعلها عاجزة وجوديا عن الاندماج الفعلي و الحقيقي في المجتمع الجديد.
فشل محسن في "عصفور من الشرق"، بخصوص إدراك الواقع  الموضوعي للمؤسسات التي تشكل وتؤثث المحيط الجديد، تحول عنده إلى كبح وعجز نفسيين، تم التعويض عنهما بالهروب إلى الماضي، أو إبداع وخلق صورة وهمية عن هذا الواقع الجديد، وزائفة في تصورها المطلق لماض " رائع" "ومثالي". الشيء الذي يعكس، عدم قدرة محسن – ومن خلاله الوعي العربي المعاصر- عن إمتلاك الحاضر، بالتالي الدخول  إلى التاريخ من بابه الواسع.
لقد انطلقت الرواية إذن من اعتقاد أساسي، مضمونه تفوق وتميز الشرق العربي عن الغرب الأوروبي. عناصر هذا الاعتقاد،  تفعله مجموعة من العلاقات الضدية والعكسية. تنصهر  في تقابلين كبيرين:
1-عنصر مكاني: حياة باريس الحديثة والعصرية.
2-عنصر زماني: زمان الماضي بإلهاماته التي ترتكز على مجموعة من القيم الروحية.
ينتقد محسن بشكل حاد وعنيف مفهوم المكان / الحاضر  باريس.  من خلال بعض المظاهر، والتجليات الثقافية التي تتمظهر كذلك اقتصاديا: الفوارق بين الأغنياء والفقراء، اضمحلال القيم النبيلة، بداية الإمبريالية الجديدة، تبلور أشكال أخرى للعبودية. ثم المكانة، التي اصبح يحتلها  المال  في عقول الناس، وأحاسيسهم مقابل كل  القيم الأخرى…. باختصار، يعبر محسن يعبر بشكل من الأشكال،  عن قيم الرفض  البروليتارية، انطلاقا من احتكاكه المباشر  بالوضع الاجتماعي لأسرة عاملة استضافته أثناء هجرته لفرنسا.
وقد احتد شعوره هذا، حين زيارته للمسرح والأوبرا، ووقوفه المباشرعلى الفارق الطبقي الصارخ، بين الغني والفقير في المجتمع الباريسي، مؤكدا في كل لحظة  على  ضرورة  العودة إلى "مملكة السماء" بهدف تمثل قيم الشرق الروحية، باعتبارها ملاذنا وخلاصنا الوحيد.
فضح الواقع الأوروبي، والكشف عن انحلاله وكذا ضياعه، تقابله في الجهة الأخرى حتمية ضرورة العودة إلى السماء، لكي يتخلص الإنسان من العبودية والخضوع. لذلك، سنلاحظ  بأن جميع مكونات الأنا في  "عصفور من الشرق"، تسير وفق استراتيجية هذه الثنائية القطبية. وهو ما سيأخذ منحى آخر، في اللحظة  الثانية مع مصطفى سعيد في "موسم الهجرة إلى الشمال"، من خلال تغير موقف الأنا حيال  العالم والآخر وكذا  الأشياء المحيطة بها. يقول الشارني معقبا: ((الاستعلاء والخضوع كثنائية قطبية، تظهر وتخفي تناوبيا، الإحساس بهذا الشعور أو ذاك. لكنها،  تقسمه بإنصاف بين الواقع والخيال. ثم بين "مملكة الأرض" و" مملكة السماء")).
يضع الكاتب، ترسيمة نظرية لرواية توفيق الحكيم، تقوم على ثلاثة حدود أساسية:
1-الإنسان المتخيل.
2- صلة الإنسان بالعالم.
3-الفلسفة التي تسند وتدعم هذه العلاقة.
تقوم اللحظة الأولى على سلسلة من التعارضات، تشتغل انطلاقا من تقابل جوهري بين الجسد والروح، الواقع والمتخيل، السعادة والحرمان: ((يتطور كل واحد من هذه العناصر من خلال عنصر ساخر، يحمل مضمونه إلى مستوى مبالغ فيه، بحيث أنه يختزل وضعية مأساوية –هزلية)).
يرتدي محسن في هذه اللحظة جسدا بسيطا زاهدا متنسكا، خاصة وأنه قد تشبع منذ صغره بقيم :(( التزهد، ولم يتخيل أبدا سعادة ، مثل سعادة السماء)) .
لقد اختزل هذا الجسد إلى مجرد كيان يتم تأمله من بعيد، ينظر دون أن يعطيه اسما أو هوية أو صوتا فهو مجرد جسد / شبح. روح منعزلة، ملقاة إلى مملكة الأرض وفي عالم المادة، حيث:(( تؤسس لتجربة الألم والحرمان كما لو أنها عوقبت بسبب مغادرتها السماء…،يعشق محسن –الفكر، جسدا/ صنما! هذا هو عنصر السخرية((.
أما التعارض الثاني، فيتحدد انطلاقا من صلة الواقعي بالمتخيل. موقف وجودي، يعكس إخفاق وخيبة  "محسن"، في تجربته العاطفية وفشله في الحياة: ))تتغدى اللذة بالحرمان والألم، مثل النقيض من نقيضه…، لكن هذا الإشباع عبر الحرمان وبالحرمان يدعمه تعويض نرجيسي، الذي بالرغم من الفشل وفقدان الشيء، فإنه يبرز الذات ويسمو بها أمام أعين الآخر. هكذا يتحول الإستمتاع من الشيء المفتقد إلى صورته كما تنعكس في المحيط والإشعاع الذي يبرز منها. المأساوي- الهزلي، في أوجه ما دام من جهة تعترف الذات بفشلها وشقائها. وإن كانت تضلل ذلك بآلية دفاعية. ومن جهة ثانية، تعوضه بالشفقة والعطف)).
في حين يشتغل التعارض الثالث على تقابلات السعادة والحزن، الفرح والمعاناة، الابتهاج والحرمان.
كل تلك الروافد، ترسم بطريقة شبه تراجيدية الصورة / الأساس في "عصفور من الشرق": " الطائر في قفصه".
ظل محسن محتجزا في قفصه، بينما كانت باريس تشدو ألحان عصرها الذهبي. حيت سيأخذ القفص كل دلالته: ((كمعبد للحقيقة والحرية، ومحراب للفكر ثم "مملكة  للسماء". كما يتهيأ من أجل تلقي النقاشات النظرية الكبرى)) .
صورة الطائر في قفصه تحكم إذن،  بل تختزل كل علاقات محسن بالعالم. وهي لا تقوم فقط على إحساس ذاتي باطني، لكن تساهم كذلك في صياغتها الصور التي يبعثها الآخرون. إنه، أكثر حرية واعتباطا من كل هؤلاء الذي يعيشون خارج هذا القفص وينعمون بالحرية الفعلية.
يستوعب محسن العالم باكمله انطلاقا من هذا الفضاء الصغير، معطيا بذلك لكلمة " شباك" كما توظفها اللغة العربية، كامل تعدديتها الدلالية، جاعلا من المسافة القائمة بين الوقعي واللاواقعي حيزا متميزا للحقيقة. يقول الشارني بهذا الخصوص: ((يأخذ إذن القفص ثانية كل معناه، مظهرا خلفيته التاريخية الثقافية ومحيلا على هذه المجتمعات، حيث زمان الحلم ينتشله من زمان "الواقع". وحيث أفضل ما يمكن أن يصنعه لحياته هو استعمالها بصبر)).
لا شكل أن تأملات محسن، تحمل نزعة روحية إشراقية تعمل على خلق إطار من الأحكام والتقييمات، تفاضل بين المقولتين الكبيرتين المشكلتين لمحور الرواية أي التقابل بين الشرق والغرب. بالتالي بين منظومتين فكريتين: الشرق وما يجسده، حسب محسن من تعال و سمو روحي. ثم أوربا وما تعكسه مؤسساتها السوسيو-ثقافية من قيم مادية تستند إلى فلسفة إلحادية.
المشرق في "عصفور من الشرق"، هو الخلاص والملجأ وطوق النجاة. إنه الرحيل الأبدي للإنسانية، إذا أرادت تجاوز "انهيارات" الغرب. لذا،  يستميت محسن دفاعا عن هذا المشرق والمشارقة، محولا هذا العشق الوهمي إلى نرجيسية مرضية تبرر الأشياء والسلوكات بطريقة لاعقلانية.
لا تمثل "مملكة الأرض" شيئا بالنسبة لمحسن، إنها سقطة وورطة. "نهر من الدموع" والأحزان، لذا من الأفضل أن لا نرتبط بها كثيرا، ونتسامى بخيالنا ومشاعرنا نحو "مملكة السماء"، لأنها حقيقتنا ومصيرنا الأبدي. بالتأكيد، يؤسس القفص بامتياز هذا المكان / الحصن، الذي يشكل حاجزا بين الذات والموبقات التي تسود العالم الخارجي، بالتالي من الضروري الاعتزاز والافتخار بهذا المكان البديل: ((سيتحول القفص الذهبي، ظرفيا إلى معبد للحقيقة والحرية)).
يحلم محسن كثيرا، لذلك يرفض الواقع معطيا أسبقية للمتخيل. يباعد بين:  ((قوة الخيال المتيم بوجد ملتهب إلى جسد- شبح ثم الحرمان على أرض الواقع، بل وخلوه. يظهر هذا التباعد، التباين بين ذاتية زاخرة، وموضوعية مترنحة حيث تنجح بالكاد عناصرها في تغذية وتقوية الوهم)).
تغييب محسن لمبدأ الواقع، ظل يشكل نواة مأساته،لأن ذلك يؤدي إلى تمزق وشرخ نفسيين خطيرين. لا يريد، حتى على مستوى السيكولوجي، الإقتناع بكون  الشرق كحقيقة إنسانية وثقافية، تسري عليه نفس القوانين البيولوجية والتاريخية التي تحكم باقي الجغرافيات الأخرى. حقيقته، لا تختلف في أي شيء عن أية بقعة ثانية .
هنا كذلك يولدون ويموتون، يفرحون ويحزنون، يفكرون وينفعلون، يخطئون ويصيبون…. باختصار، المشرق ليس كيانا إلهيا  يحلق في السماء، بل هو أولا وأخيرا، ماهية بشرية.
يمثل إذن، توفيق الحكيم ومعه "محسن"، لحظة الوعي الأولى  في علاقة الذات العربية بالغرب، ذلك أن الاصطدام والمجابهة المباغثة، أديا إلى ارتجاج في  التوازن النفسي لهذه الذات. وكان منطق رد الفعل، لا عقليا بالتأكيد.
2-الطيب صالح: وموسم  الهجرة إلى الشمال.
هذه الرواية، معروفة أكثر عند القارئ  العربي، وهي ذات بناء تقني دقيق جدا ومهيأ بما فيه الكفاية.
بعد عودته من إنجلترا، حيث أنهى أطروحته الجامعية، وبعد لقائه بالمعارف القدامى، سيتعرف الراوي على مصطفى سعيد، وهو إنسان غريب الأطوار والمزاج، شخصية كيفية تميل أكثر إلى البوهيمية، جاء إلى القرية وتزوج  من ابنة أحد السكان. في حقيقة الأمر، فالأمر يتعلق هنا بالبطل الحقيقي، كذات تعشق المغامرات والرحيل واللا-ستقرار والأسفار الكبرى، يقول الشارني: ((مثل كل العباقرة، فإن شخصية مصطفى سعيد متعددة الأشكال والمعاني: إنه لكل العوالم والمغامرات. ويؤثر  في محاوره "صديقه الوثيق" منذ أول لقاء، يسكنه ويلازمه في عزلته ولقاءاته))..
يظهر مصطفى  سعيد كشخص منقطع عن جذوره، بلا ماض أو ذاكرة حاملا  شعار:  " أنا أكذوبة". بلا أم أو أب،  يفتقد لأي نوع من الارتباطات الاجتماعية. كائن مختلف، عن باقي الكائنات الآدمية الأخرى، بلا عواطف أو أحاسيس. إنه، كتلة متجمدة من المشاعر التي تنتاب باقي البشر.
أول مشهد  تم التركيز عليه  في  الرواية، هو تواتر تيمة المدرسه في مجموعة من  مقاطعها. والمسألة ليست وليدة الصدفة أو الاعتباط.  ذلك  أن المدرسة تشكل- وظلت دائما كذلك -في برنامج المثقف الوطني التقدمى مشروعا مجتمعيا وحضاريا من أجل تحقيق التقدم وتجاوز التخلف.
إن تعميم تعليم منفتح ومتين، كأولية في  قلب الاختيارات الاجتماعية،  يمثل ذلك بلا شك مفتاح المجتمعات العربية من أجل الدخول إلى حلقة الأمم المتقدمة.
لقد سعت الديكتاتوريات السياسية دائما إلى إفشال بشتى الوسائل، العلاقة الإبداعية  التأسيسية الجدلية بين المدرسة والمجتمع. بل، ظل رهانها قائما بالأساس على تفعيل شعارات دوغماطيقية جوفاء، وإفراغ المؤسسات التعليمية من أي مضمون أو محتوى تقدمي، بل ووضع البرامج الدراسية على مقياس ومنوال الطموحات  السياسية الاستبدادية لهذه الأنظمة. بالتالي، كانت النتيجة مأساوية: نسبة أمية كبيرة تنخر وتستنزف جسد  الوطن العربي، والإحصائيات مخجلة  في هذا السياق، إضافة إلى ضعف هذا التعليم وضحالة مردوديته. أو عجزه الكلي عن النهوض بالمهام التاريخية المنتظرة منه.
يشكل مصطفى سعيد باكورة هذا العنف السياسي والعسكري والثقافي  الذي يمارس يوميا على المواطن العربي.  إنه بالأحرى عنف رمزي، يغتال تاريخه وحاضره وتطلعاته وأحاسيسه وأفراحه وأحزانه…. وينعكس بلا شك على توازنه النفسي….
 
سعيد بوخليط
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
سعيد بوخليط

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل