المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

تناسل مؤسسات الدراسات الإسلامية العليا... أي استراتيجية ولأي آفاق؟

الثلاثاء 3 ديسمبر 2013

قد تندهش، وتصاب بنوع من الإحباط والغثيان إن كنت
رجل تعليم، عندما تقع عيناك، كما وقعـت عينـــــي،
على حامل أعلى شهادة في الدراسات يبيــــع السجائر
بجوار مقهــــى من المقاهــــي ، يناديــه زبناؤه بالفقيه
وإذا تشاجروا في أمر ديني حكموه فيما بينهم.
إنه عندما يغيـــب التخطيــط وتنعدم الرؤيـة التربوية
يحدث ذلك التضخم،الذي شبهه الروائي الفرنسي
بالزاگ بتكاثر العــناكب في مزهرية لا يتأتى لها
العيش إلا بأكل بعضــها البعض.


تناسل مؤسسات الدراسات الإسلامية العليا... أي استراتيجية ولأي آفاق؟
  منذ أن أنعم الله على هذه الأمة المغربية بنعمة الإسلام، والكتاتيب والرباطات والزوايا والمساجد تقوم بأدوار تربوية وتعليمية مهمة وهادفة بالرغم من وسمها بالكلاسيكية
فعلى عاتقها تم تعريب المغرب منذ القرن الخامس الهجري، وأرست أسس وفروع العقائد والعبادات والمعاملات والمسلكيات، حتى إن الأب المغربي في العصر الوسيط كان يرى من العار أن يصرف صغيره إلى مهنة أو مشغلة من غير أن يمر بمرحلة تعليمية تؤهله لأداء واجباته الدينية على أحسن وجه، رصد ذلك ابن خلدون في مقدمته، واعتبره مزية من مزايا التربية المغربية.
وقد حملت ساكنة المدن والقرى على عاتقها هذا التعليم الأولي بشكل تضامني عن طريق ما يعرف بالمشارطة، التي تساهم فيها كل أسرة حسب مستواها، ومن قدر عليه رزقه، فعهدته على الجماعة. وهذه الظاهرة لازالت في بادية سوس، وهي من باب دلالة الشاهد على الغائب، وهي لا تقتصر على التعليم الأولي بل تتجاوزه إلى مستويات عليا. فالمؤسسة بجميع مكوناتها، من حيث البناء والتسيير والتجهيز وإيواء الطلبة قائمة على الاحتساب والتطوع.وهذا مظهر من مظاهر المواطنة الصادقة، التي اعتبرها العلامة المختار السوسي، رحمه الله، بعدا من الأبعاد الدينية عندما جأر بقوله: إن وطنيتي من ديني.
وبعد أن استنبتت في العصر الحديث المدارس والمعاهد في مختلف أنحاء المغرب، وأحيطت بترسنة قانونية غطت سائر مرافق وزارة التربية والتعليم بما في ذلك الطاقم التربوي بما له وما عليه. من ذلك الآن كان رواد هذه المؤسسات من الصبية والمراهقين يحصلون،بحمد الله، حظا من العلوم الشرعية يتناسب مع المستوى التعليمي الذين هم فيه. من ابتدائي أو إعدادي أو ثانوي، بل كان هناك تعليم أصيل مثلت فيه المواد الإسلامية المعمقة حصة الأسد. وحينئذ بات من المفروض أن يتخرج التلميذ الذي مر بهذه المستويات، بمتاع شرعي يغطي سائر أبواب الفقه، ويؤهله على الأقل لأن يفهم ويناقش ما ينشر ويعرض ويذاع حول تلك المواضيع الدينية.
أما المؤسسات الدينية العليا في مغرب اليوم فقد تعددت، وتنوعت الوزارات التابعة لها، وغدت ما بين تعليم عتيق، وشعب دراسات إسلامية متمركزة في سائر كليات آداب المغرب، وأخرى تابعة لكليات جامعة القرويين،ومعاهد إسلامية عليا مغلقة تابعة لوزارة الأوقاف والمتمثلة في دار الحديث الحسنية، وجامع القرويين الذي هو في حد ذاته مؤسسة قائمة بذاتها، ناهيك عن أفواج من خريجي جامعات دول عربية خليجية وغيرها، دون أن ننسى المادة الشرعية في مختلف سنوات كليات الحقوق والتي تعتبر مصدرا من مصادر القانون، ومؤهل من المؤهلات العلمية للقاضي والمحامي وغيرهما ممن له علاقة بالقضاء والتقاضي.كل هذه المؤسسات تدفع سنويا بأفواج ضخمة من الخريجين الشباب.
ومن الملاحظ أن اختصاصات حاملي هذه الشهادات الإسلامية العليا، لا تقتصر على مفهوم العلوم الشرعية كما أحصاها علماء العصر الوسيط، بل تجاوزتها، انطلاقا من مفهوم الشمولية الشرعية لتغطي الدبلومات معظم شجرة المعرفة المعاصرة، بما فيها إستثمار اختصاصات العلوم الدقيقة التي لا وجود لكلياتها في هذه الجامعة الإسلامية أو تلك، ومن ثم نابت منابها إن لم أقل تطاولت عليها شعب الدراسات الإسلامية، فأصبحت ترى أطاريح لا الأستاذ مؤهل لاقتحامها ناهيك عن الطالب، ومع ذلك يقع الخوض غير المبرر في قضايا طبية ، ومالية كقضايا سوق المعاملات والبورصات، والفلاحة والصيدلة، والدبلوماسية، وكل ما يخطر بالبال وما لا يخطر. بالإضافة إلى الخطاب المعتاد المحاصر للفلسفة و الفلاسفة قداماهم ومعاصريهم، شرقيهم ومغربيهم وغربيهم وذلك بدعوى خلق توازن بين الأصالة والمعاصرة. ومن الصدف الغريبة أن تجد في بعض الكليات إلى الجوار المباشر لشعب الفلسفة شعب الدراسات الإسلامية، فلا تدري هل هي من باب رشدية رشيدة يفصل من خلالها المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، أو هو مشهد ثقافي آخر الفاعلون فيه أدرى بشجونه وشؤونه !. ومما زاد الطين بلة، وساهم في تورم بطالة الخريجين، استئثار معظم أساتذة تلك المؤسسات الإسلامية إن لم أقل كلهم،، العامل منهم والمتقاعد، بحصة مهمة من مناصب الشأن الديني، فيصبح الواحد منهم كما يقول الفقهاء " الواحد بالشخص له جهتان وقيل له جهات".
 
استلهمت هذا المقال من الواقع المشاهد ومن محاضرة المرحوم بعفو الله عبد الهادي بوطالب، ألقاها في مندوبية الشبيبة والرياضة بمراكش، (أعتقد في غضون صيف2004،) وذلك في إطار الدروس التأهيلية الليلية التي كانت تؤطرها تلك المندوبية. دارت محاور المداخلة حول إشكالية التعليم في المغرب، وفيها دعا من جملة ما دعا إليه إلى ضرورة تحديد الأهداف، وضبط ما يحتاج إليه من مختلف المناصب، ومثل بالشأن الديني وما يحتاجه، من مؤذنين وأئمة ووعاظ ومربين...إلخ حتى لا نقع في ذلك التضخم الذي تحدث عنه بلزاك والمؤدي إلى إهدار الطاقات بدل تأهيلها والاستفادة منها.
ذ. محمد الطوگي / كلية الآداب - مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
ذ. محمد الطوگي / كلية الآداب - مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل