المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

تداعيات مطالبة المحكمة الجنائية الدولية لليبيا بتسليم سيف الإسلام القذافي

السبت 27 يوليوز 2013

تداعيات مطالبة المحكمة الجنائية الدولية لليبيا بتسليم سيف الإسلام القذافي
 
أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية أوامر بتاريخ 27 يونيو 2011، بالقبض على كل من الرئيس الليبي السابق معمر محمد أبو منيار القذافي، و ابنه سيف الإسلام القذافي، المتحدث باسم الحكومة الليبية، وعبد الله السنوسي، مدير الاستخبارات العسكرية، عن الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والإبادة الجماعية  التي تم ارتكابها في ليبيا منذ 10 فبراير 2011.
لقد طوت المحكمة الجنائية الدولية ملف المتابعة الجنائية في حق معمر القذافي بعد مقتله، وأعلن الناطق باسم المجلس الوطني الانتقالي عبد الحفيظ غوقة في مؤتمر صحافي في بنغازي عن مقتل معمر القذافي بتاريخ  21 أكتوبر2011 ، " نعلن للعالم إن القذافي قتل على أيدي الثوار" معتبرا أنها "لحظة تاريخية ونهاية الديكتاتورية والطغيان"، وذلك بعد ثمانية أشهر من انطلاق ثورة 17 فبراير وبعد شهرين من سقوط العاصمة طرابلس بأيدي الثوار. لقد أحال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع، طلبا للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، قصد متابعة الزعيم الليبي معمر القذافي وابنه سيف الإسلام القذافي وعبد الله السنوسي جنائيا.
وبموجب هذه الإحالة، أصدرت المحكمة قرارها الأول المتعلق بمذكرات اعتقال الزعيم الليبي السابق معمر القذافي وابنه سيف الإسلام القذافي وعبد الله السنوسي بتهم القتل الجماعي وإطلاق النار على المدنيين في الشوارع والتعذيب في حق الثوار، والتي تتوفر أركان جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية. وقررت المحكمة أنه يجب إلقاء القبض عليهم لمنعهم من استخدام سلطاتهم لمواصلة ارتكاب الجرائم.

أولا- الحكومة الليبية واجراءات المتابعة الجنائية لسيف الاسلام القذافي
تجب الإشارة، إلى أن ليبيا كانت ملزمة دوليا بالامتثال لتطبيق مذكرات الاعتقال في حق الزعيم الليبي السابق معمر القذافي وابنه سيف الإسلام القذافي وعبد الله السنوسي،  رغم أنها ليست دولة طرف في نظام روما الأساسي، ولكنها عضو في هيئة الأمم المتحدة منذ عام 1955، وهو ما يفرض عليها تطبيق قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1970، الذي يروم "التعاون الكامل مع المحكمة ومع المدعي العام وتقديم أي مساعدة ضرورية إليهما".
ولذلك استجاب  المجلس الوطني الليبي الإنتقالي وعبر عن استعداده لتنفيذ مذكرات الاعتقال الصادرة عن الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية بتاريخ 27 يونيو 2011، والمتعلقة بالقبض على كل من الرئيس الليبي السابق معمر محمد أبو منيار القذافي، و ابنه سيف الإسلام القذافي، المتحدث باسم الحكومة الليبية، وعبد الله السنوسي، مدير الاستخبارات العسكرية، عن الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والإبادة الجماعية  التي تم ارتكابها في ليبيا منذ 10 فبراير 2011.
فمسؤولية تنفيذ أوامر القبض على المشتبه بهم  الصادرة عن المدعي العام، تعود بشكل أساسي للمجلس الوطني الليبي الإنتقالي، وذلك بموجب  الالتزام بالتعاون القضائي مع المحكمة الجنائية الدولية والمدعي العام وفقا لأحكام قرار مجلس الأمن  رقم 1970 الصادر في 2011.
وبعد مقتل معمر القذافي، ستستمر مهمة المجلس الوطني الانتقالي في التعاون القضائي مع المحكمة الجنائية الدولية في إلقاء القبض على سيف الإسلام ثاني أبناء القذافي ومستشاره في شؤون الأمن القومي والمتابع من طرف المحكمة الجنائية الدولية بتهم التعذيب وقتل المدنيين، وعبد الله السنوسي مدير المخابرات العسكرية المتورط في مجزرة سجن بوسليم، والذي يوصف بأنه اليد اليمنى للقذافي، وهو من نفذ أوامره المتعلقة باستخدام العنف في مواجهة ثورة   17فبراير .
هذا  وبالرغم من إتهام ومتابعة سيف الإسلام القدافي وعبد الله السنوسي بإرتكاب جرائم ضد الإنسانية من طرف المحكمة الجنائية الدولية، فالسلطات الليبية تعرب عن  تشبتها  بمحاكمتها أمام محاكم وطنية ليبية، مادامت  ليست مصادقة على إتفاقية روما المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي غير معنية بتسليمها إلى المدعي العام وفق مبدأ  التعاون القضائي الدولي.
فإلقاء  القبض على سيف الإسلام القدافي وعبد الله السنوسي، تزامن مع إقتراب وإعلان أول حكومة بعد الثورة، و وهي مناسبة تتجاوز  الانتقاءات الشديدة وموجة من الاستهجان الدولي الناتجة عن مقتل محمد القدافي من طرف  الثوار وتعرضه للضرب  في مسقط رأسه في سرت.
فهذا إعتقال كل من  سيف الإسلام القدافي في مدينة الزنتان بالجبل الغربي في الحدود الليبية مع  النيجر، عبد الله السنوسي في منطقة القيرة في جنوب ليبيا ما بين 19 و20 نونبر،  أجمع العديد من المسؤولين الليبيين  ، مع ضرورة  محاكمتها  أمام القضاء الليبي والأولوية للقضاء الليبي لأنهما مواطنين وتم  إعتقالهما على  الأراضي الليبية وأنهما مرتكبا العديد من  الجرائم في حق الشعب الليبي يمكن أن  يحاكم عليها  ومنها جدرائم  الإغتصاب، والتحريض على أشغال الفتنة بين أبناء الشعب الليبي، التحريض على القتل، العمل على استقدام مرتزقة من دول عدة من أجل قتل الثوار الليبيين) ، ولذا وجب محاكمة سيف الإسلام على العشرات من الجرائم التي ارتكبها في حق الليبيين.
وتعهدت الحكومة بضمان محاكمة عادلة للمتهمين أمام القضاء الليبي، والدولة الليبية سوف تسمح للعديد من المنظمات  الحقوقية  والتي ترغب في الإطلاع المباشر على سير المحاكمة للحضور.
وستجري محاكمة السنوسي و سيف  الإسلام  وفق  قانون العقوبات الليبي على  العديد من الجرائم  ، وستكون علنية، ويمكن أن  يحضرها محامون محليون ووسائل إعلام  دولية، ومراقيين ، وتجب الإشارة أنه لا يوجد في ليبيا محاكم سرية وأن المجلس الانتقالي أقدم على إلغاء  كافة المحاكم السرية والأمنية والاستثنائية.
واعتبر الخبير القانوني الليبي عبد المجيد الميت أنه  يمكن أن يحاكم سيف الإسلام بعد الانتهاء من محاكمته في هذه الجرائم  أمام محكمة الجنايات الدولية بجرائم ضد الإنسانية طبقا لقرار  الاعتقال الذي صدر بحقه مع أبيه المقتول ورئيس جهاز مخابراته عبد الله السنوسي".

ثانيا- اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في حالة عدم مصادقة ليبيا على اتفاقية روما
حينما تصادق ليبيا على اتفاقية روما فهي مطالبة بملاءمة التشريع الجنائي الليبي مع مبادئ المحكمة الجنائية الدولية، وبناء على ذلك، فالمحكمة الجنائية الدولية لن تتعارض بتاتا مع السلطان الداخلي للقضاء الوطني الليبي أو السيادة الوطنية. فبموجب اتفاقية روما، إن الاختصاص الجنائي الوطني يكون له الأولوية على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ولن تستطيع المحكمة ممارسة اختصاصها في حالة سيف الاسلام القذافي إلا في حالة انهيار النظام القضائي الوطني أو رفض أو فشل النظام القضائي الوطني في القيام بالتزاماته القانونية بالتحقيق ومحاكمة الأشخاص المشتبه في ارتكابهم الجرائم الدولية وذلك لمناهضة إفلاتهم من العقاب.
يقوم اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على عدة أركان من أجل تحريك آليات المتابعة الجنائية ومقاضاة مرتكبي الجرائم الدولية:
- تمارس المحكمة اختصاصها بشأن جريمة ارتكبت فوق إقليم دولة طرف أو من أحد رعاياها ( المادة12).
- تمارس المحكمة اختصاصها عندما توافق دولة ليست طرفا في اتفاقية روما على اختصاص المحكمة وتكون الجريمة قد ارتكبت في إقليم هذه الدولة أو يكون المتهم أحد رعاياها (المادة 12(3))
يتبين مما سبق أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية يقوم على مبدإ الاختصاص الجنائي الدولي في حالة عدم المصادقة على اتفاقية روما، لذلك عندما ارتكب جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية فوق التراب الليبي، فإنه يمكن محاكمة الجناة حتى ولو  كانوا من رعايا ليبيا وبالتالي يجوز ليبيا أن تقوم بتسليم سيف الاسلام القذافي وباقي المتابعين لمحاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية، ويكون نقل الاختصاص القضائي على أساس التزام ليبيا باحترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها كونيا.
  ومن جانب آخر يسري النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عندما يتم التصديق على اتفاقية روما من طرف الحكومة الليبية في اليوم الأول من الشهر بعد اليوم الستين التالي لإيداع وثيقة التصديق الستين(مادة 125)
وينص النظام الأساسي على أنه يجوز للحكومة الليبية- عندما تصبح طرفا- أن تختار تأجيل تطبيق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بجرائم الحرب ( المادة7) لمدة سبع سنوات(المادة 124)
فعند قبول الحكومة الليبية بالمصادقة على نظام روما الأساسي، فهي تقبل تلقائيا الاختصاص القضائي للمحكمة الجنائية الدولية على الجرائم المرتكبة فوق ترابها أو من طرف أحد مواطنيها.
فمن المبادئ الأساسية للمحكمة الجنائية الدولية هو وجود التكاملية بين اختصاصها واختصاص النظام القضائي الوطني، فالمادة الأولى من النظام الأساسي للمحكمة تؤكد على أن "المحكمة الجنائية الدولية مكملة للولايات القضائية الجنائية الوطنية"، وبالتالي فأول خطوة يجب اتخاذها من طرف الحكومة الليبية في إطار السعي إلى التصديق على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية هو إصلاح النظام القضائي الوطني بشكل يتماشى وينسجم مع النظام الأساسي لروما وذلك باتخاذ التدابير التشريعية بإدماج تعريف جرائم حقوق الإنسان في القانون الجنائي الوطني وتحديد العقوبات التي تطبق على الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم حقوق الإنسان أو أعطوا أو أمروا بارتكابها مهما كانت صفتهم الرسمية وإحالتهم على المحاكم الوطنية لضمان محاكمتهم وعدم إفلاتهم من العقاب.
 
ثالثا- الحكومة الليبية وواجب المساعدة القضائية
 تمارس المحكمة الجنائية الدولية اختصاصها على سيف السلام القذافي اعمالا  للنظام الأساسي. فالشخص الذي يرتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة يكون مسؤولا عنها بصفته الفردية وعرضة للعقاب وفقا لهذا النظام الأساسي. ووفقا لهذا النظام الأساسي، يسأل الشخص جنائيا ويكون عرضة للعقاب عن أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة في حال قيام هذا الشخص بما يلي :
أ- ارتكاب هذه الجريمة، سواء بصفته الفردية، أو بالاشتراك مع آخر أو عن طريق شخص آخر، بغض النظر عما إذا كان ذلك الشخص الآخر مسؤولا جنائيا.
ب- الأمر أو الإغراء  بارتكاب، أو الحث على ارتكاب جريمة وقعت بالفعل أو شرع فيها.
ج- تقديم العون أو التحريض أو المساعدة بأي شكل آخر بغرض تيسير ارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها، بما في ذلك توفير وسائل ارتكابها.
د- المساهمة بأية طريقة أخرى في قيام جماعة من الأشخاص، يعملون بقصد مشترك، بارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها.
يتعين  اتخاذ مجموعة من الإجراءات لإصلاح النظام القضائي الليبي من أجل التعاون الوطني مع المحكمة الجنائية الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب والالتزام بتقديم مساعدة قضائية شاملة للمحكمة أثناء التحقيق والملاحقة القضائية، وأيضا الالتزام بتقديم سيف الاسلام القذافي  المتهم بارتكاب الجرائم الدولية للمحكمة الجنائية الدولية وفق مقتضيات (المادة59) من الاتفاقية دون أن تختبئ ليبيا وراء السيادة الوطنية بالامتناع عن تسليم المواطنين للمحاكمة الدولية.
وفي هذا الإطار (فالمادة 102) من نظام روما الأساسي تؤكد على أن أحكام منع التسليم لا تنطبق على المحكمة الجنائية الدولية التي تعتبر جهازا قضائيا دوليا يتكامل مع النظام القضائي الليبي، وبالتالي فتقديم المتهمين المتابعين من طرف المحكمة الجنائية الدولية لا يعتبر مساسا لسيادة الدولة، وإنما هو إجراء يختلف تماما مع عملية التسليم التي تتم بين دولة ودولة وأخرى في إطار اتفاق دولي ثنائي.
وعلى هذا الأساس، نصت (المادة93) في فقرتها الرابعة من نظام روما الأساسية على أنه لا يجوز للدولة ولو كانت طرفا في اتفاقية روما أن ترفض طلب تقديم مساعدة كليا أو جزئيا إلى المحكمة فيما يتصل بالتحقيق والملاحظة القضائية، كما تلتزم الدولة الطرف وفق (المادة86) بالتعاون الدولي والمساعدة القضائية مع المحكمة فيما تجريه من تحقيقات في الجرائم المرتكبة واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة بموجب التشريع الوطني لتحقيق التعاون والمساعدة القضائية مع المحكمة.
فالمادة 88 من النظام الأساسي تلزم الدولة الطرف بالتعهد بإتاحة الإجراءات اللازمة بموجب قوانينها الوطنية لتحقيق جميع أشكال التعاون المنصوص عليها في الباب التاسع المتعلقة بالتزامات الدولة بالتعاون التام المحكمة.
ومن هذا المنطلق، يتعين على الحكومة الليبية اتخاذ مجموعة من الإجراءات لإصلاح النظام القضائي الوطني ليستوعب مقتضيات النظام الأساسي لروما لمناهضة الإفلات من العقاب، فالدول غيرالمصادقة تلتزم بتقديم مساعدة قضائية شاملة للمحكمة أثناء التحقيق والملاحقة القضائية تضمنها (المادة93) ومنها تحديد هوية ومكان وجود الشهود وجمع الأدلة واستجواب الأشخاص موضوع التحقيق والملاحقة القضائية وتقديم المستندات والأدلة وتسهيل مثول الشهود وإجراء عمليات التفتيش وتوفير الوثائق وتجميد الأصول وحجز الممتلكات وأدوات ارتكاب الجرائم ومصادرتها.
ومن جانب ثان فالدول الأطراف مطالبة بأن تبرهن عن رغبتها الصريحة في الرفع من مستوى التزامها بتطبيق القواعد الإنسانية وذلك بإدراج قواعد القانون الدولي الإنساني في القانون الداخلي بتبني طرق متنوعة: إصدار قوانين تشريعية في مجالات متعددة، جنائية، مدنية، قضائية، وإصدار لوائح تنفيذية وتطبيقية من شانها أن تسهل وضع هذه القواعد حيز التنفيذ.
وإذا كانت الدولة الأطراف ملزمة بمحاكمة كل شخص وردت معلومات تثبت تورطه في ارتكاب جرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية فإنها تظل حريصة مع ذلك على كفالة الضمانات القضائية الدنيا التي تنص عليها اتفاقيات جنيف ولا تختلف على الضمانات المنصوص عليها في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان بشأن مبدأ المحاكمة العادلة ومبدأ افتراض البراءة التي تم التنصيص عليها في المواد 84 و99 و104 و105 من الاتفاقية الثالثة و71 و73 من الاتفاقية الرابعة.

د. يوسف البحيري /أستاذ القانون الدولي بكلية الحقوق بمراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
د. يوسف البحيري /أستاذ القانون الدولي بكلية الحقوق بمراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل