تجليات الشعر الاندلسي في القصيدة المغربية 2/1

الاربعاء 19 ديسمبر 2012

تتفق جل الدراسات الادبية على أهمية فترة الثلاثينيات في ميلاد حركة أدبية مغربية طموحة الى التحديث وفي تعدد روافد ادبية ورؤى فنية اغنت هذه الحركة. تم ذلك في اطار انفتاحها بشكل كبير على تجارب الآخرين وخصوصا منه  المشرق والاندلس 
وبين المغرب والاندلس في مختلف عصور التاريخ من العلائق والصلات ما جعلهما شريكين في تراث أدبي ومعرفي واحد. ولاشك ان عناية المغاربة بالتراث الأندلسي تكشف عن جانب من جوانب التواصل والتفاعل في ميدان الابداع الوجداني والفكري بين العدوتين
ويتعذر الفصل بين التراثين المغربي والاندلسي للتداخل الكبير بينهما لعدة قرون خلت ، الى حد أن النقاد المغاربة اعتبروا الادب الاندلسي تراثهم. لان الحضارة المغربية والاندلسية تداخلت وامتزجت بعضها ببعض. يقول احدهم: "اذا تساءلنا هل للأدب الاندلسي تاثير في الأدب المغربي ، فإننا نفترض كذلك وجود أدبين لكل منهما شخصية مستقلة ، وطابع خاص وميزات ينفرد بها . وأظن أن هذا كله مما يصعب تطبيقه على الادب الاندلسي والأدب المغربي . لأن الحضارة المغربية الأندلسية بصفة عامة إنما هي في الواقع واحدة"ا
وتسير أغلب الاراء في هذا المنحى مؤكدة أن الأدب الاندلسي ليس شيئا زائدا عن الادب المغربي حتى نبحث في التأثير أو عدمه. لأن "الادب الاندلسي انتقل الى الادب المغربي واندمج فيه اندماج الدم في العروق ، وسرى اليه سريان الماء في الأغصان ، فأصبح بآلامه وآماله متجليا مفاضا على جو المغرب"
وتكاد أغلب الدراسات  تسير في اتجاه الامتزاج بين الأدبين وتداخلهما على مر العصور . على أن هذا لا يعني في نظرنا الإقرار بعدم إمكانية الفصل بين الأدبين ، أو تأثير أحدهما على الآخر . لأن لكل شعر كيان متميز تتآزر عدد من السمات والطوابع المحلية لتأسيسه، ضافية عليه نكهتها المنبعثة من تجربة أصحابه الخاصة والمطبوعة ببيئتهم.
انطلاقا من هذه الرؤية يصعب علينا نفي تأثر الشعر المغربي بالشعر الاندلسي واتخاذه مرجعية وأصلا يغترف منه الشعراء المغاربة . ولنا في ترجمة محمد بن العباس القباج للأديب غريط في كتابه الادب العربي في المغرب الاقصى وحديثه عن حضور الأدب الاندلسي بأدبنا في هذه الفترة ، أكبر دليل على ذلك . يقول "فلئن كان الأدب المغربي الحاضر لدى هذه الفئة الكبيرة الموجودة اليوم من شعرائنا المعدودين لا يزال يستمد من الأدب الأندلسي روعته ورشاقته ورقته ، فإن فضل ذلك يرجع لتلك البيوتات الشهيرة التي ما برحت تحتفظ بذلك الميراث الخالد الذي هو كل ما بقي بيد هذا القطر المغربي من جاره الفردوس المفقود .فبيت آل غريط من البيوتات المغربية التي لا يزال يتسلسل منها منذ ثلاثة قرون الادب الغض ، والشعر العربي المتين ، والمنثور المفصل ، الذي لا تكاد تقرأ منه سطرا أو سطرين حتى تستحضر الفتح بن خاقان وتترحم على ابن بسام
والواضح أن القول بعمق العلاقة الرابطة بين الأدبين المغربي والأندلسي  يراد منه التأكيد على جوانب التواصل والتفاعل في ميدان الابداع وكذلك الأخذ والعطاء بينهما . وليس تمازج ووحدة الادبين . والدليل على ذلك أن بعض المؤرخين ومنهم عبد الله  كنون يرون أن تاريخ العلاقات بين العدوتين كان يطبع بعض مراحلها التأزم والانقطاع ، وهو الأمر يجعل أن "الأدب المغربي ليس هو الادب الاندلسي . وأنه لم يتأثر به الا نسبيا . لأن الأدباءالمغاربة من غير شك كانوا يتعمدون مخالفة طريقة زملائهم الأندلسيين في الشعر والنثر قصد مقابلة التحدي بمثله .فإن الاندلسيين كانوا يكثرون على المغاربة من تعدد محاسن أدبائهم وابتكارات شعرائهم التي بذّوا بها غيره (........) ولم يكن لدى من أخذوا أنفسهم بالتأذب لكمّ الأفواه الصاخبة بتعجيزهم ، الا أن يقرعوا الحجة بالحجة ، ويعارضوا الدليل بالدليل "ا
القولة اذن لا تترك أي شك في ان الخصومة بين أدباء العدوتين قد وسمت تاريخ هذه العلاقة في فترات معينة . وهذا وحده كاف للبرهنة على أن المغرب والاندلس كان لكل منهما أدبه الخاص به ، وأن طريقة كل واحد منهما كانت غير طريقة الآخر في التعبير والتفكير

د . نورالدين ايمان


معرض صور