المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

تأملات في ذكرى ثورة الياسمين بتونس

الثلاثاء 18 ديسمبر 2012

تأملات في ذكرى ثورة الياسمين بتونس
نعيش هذه الأيام من شهر ديسمبر ذكرى ثورة الياسمين بتونس، وهي مناسبة للقيام بقراءة تأملية في الدلالات العميقة لهذه الثورة التي رفعت شعارات جديدة في العالم العربي، أعادت الإعتبار للشعب وإبتعدت عن خطابات الانقلابات العسكرية التي كانت شائعة في الشارع العربي، حيث طالبت ثورة الياسمين برحيل رموز الفساد  و مناهضة الإفلات من العقاب وإلغاء قانون الطوارئ.
وهو ما يعكس إرتفاع درجة الوعي السياسي للشعب التونسي وتشبته بالديموقراطية  وروح التسامح وحقوق المواطنة  والتعددية السياسية واللغوية والثقافية، خصوصا وأن المظاهرات  كانت شعبية و تلقائية وعفوية، ولم ترفع فيها إلا الأعلام التونسية الحمراء واللافتات المكتوبة باليد من طرف المواطنين أبناء الشعب ومن جميع الفئات المثقفة  والمحامون والجامعيون والشباب، والتي كانت معبرة  بجميع اللغات وتتضمن بين طياتها حمولة رمزية ثاقبة مثل  dégage   و  we would we can  و go out وyou must leave and fall أو إرحل وغيرها.
 
 
- تداعيات ثورات الربيع العربي في تونس
 
عكست ثورة الياسمين التي عرفتها تونس في ديسمبر2011 وجود ثقافة سياسية للمواطن التونسي، رغم تعرضه للقمع في ممارسة الحريات العامة وتغييب دور الأحزاب السياسية في تأطيره والحصار الإعلامي المفروض عليه من طرف الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.
ولعل الشرارة الأولى للثورة الشعبية التلقائية، والتي أسقطت النظام الإستبدادي لزين العابدين بن علي، جاءت نتيجة حادث عابر هو إحراق بائع الخضر المتجول الشاب محمد البوعزيزي لنفسه  في مدينة سيدي بوزيد، بعد إتلاف عربته من طرف أحد أفراد القوات العمومية. فالرغبة والإصرار الشعبي للإنعتاق من النظام السياسي التونسي القائم على الإستبداد هي التي دفعت بجميع فئات الشعب إلى التظاهر بشكل تلقائي في المدن التونسية ضد القمع والفساد والمطالبة بالحرية والتمتع  بحياة كريمة داخل النسيج الإجتماعي الذي يعيش فيه .
فالنظام السياسي لزين العابدين بن علي قام  بتقوية حزب التجمع الدستوري  الحزب الحاكم الوحيد، وإتخذ قرار المنع أو التضييق في حق العديد من الأحزاب والنقابات والجمعيات الحقوقية الأخرى مثل حزب النهضة الاسلامي والإتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية لحقوق الإنسان والحزب الديموقراطي التقدمي وحزب الإتحاد من أجل الحرية والعمل وتكثل الحريات و حزب العمال وحزب المؤتمر وحزب حركة التجديد، وهو ما إنعكس سلبا على دور المجتمع المدني في تمثيلية المواطنين وضمان المشاركة السياسية للشعب التونسي.
كما أن حالة القمع والإستبداد التي عاشها البلد طيلة 23 سنة، فقد ساهمت في التضييق على هوامش الديموقراطية وعطلت التعددية السياسية حسب ما تمليه المقاربة الأمنية ، ونشر قيم الفساد السياسي والإنتهازية والوصولية عبر الإنخراط في الحزب الحاكم .
و قد ساهمت حالة الإحتقان في إدراك الشعب تخلفه عن التفاعل مع مفهوم المجتمع  السياسي وتغييب دوره في بناء المؤسسات الديموقراطية. فالإعلام الرسمي التونسي أوحى للمواطنين بأن النظام السياسي للرئيس زين العابدين بن علي هو القدر المحتوم، بالرغم من أنه كان يقوم على قانون الطوارئ والحزب الوحيد الحاكم والتضييق على الأحزاب الأخرى.
ومن هذا المنطلق، فالنظام التونسي هو  نظام شمولي يقوم على الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان ، وتوظيف الأجهزة المخابراتية لقمع الحريات العامة ونشر الفساد السياسي والإقتصادي وتزوير الإنتخابات و تغييب التعددية السياسية وإستفراد حزبي التجمع الدستوري الديموقراطي التونسي  بالحكم  والسلطة في البلدين.
فدكتاتورية الحزب الوحيد  وإلغاء التعددية السياسية في تونس  حددا معا مجالا لحياة المواطن وغرست في أذهان الأفراد بأن الدولة الشمولية هي المعنية الأولى بحقوق الإنسان وأغلقت الباب أمام ممارسة المواطنين للحقوق السياسية .
كما أن  النخبة الإنتهازية الحاكمة  الدائرة في فلك زين العابدين بن علي، عجزت عن تسويق الشعارات الديموقراطية الجوفاء إلى باقي الشرائح الاجتماعية، فوقع بالتالي تنافر بين الثقافة المجتمعية السائدة والمؤسسات التي تشبه ما يوجد في الدول الديمقراطية ولكنها مفرغة المضمون كالبرلمان ومجلس المستشارين.
ويمكن الوقوف عند مجموعة من الإشارات القوية في ثورة الشعب التونسي التي تعكس نضج الحراك الإجتماعي  :
- أولا:  تشبت المواطنين بإستقرار البلد وخلق اللجن الشعبية لحماية الممتلكات والأحياء الأهلة بالسكان لمواجهة أعمال التخريب والرعب التي قامت بها أفراد الحرس الجمهوري في تونس  لإبقاء رموز النظامين السابقين في دائرة القرار ومحاولة إسترداد السلطة. 
- ثانيا: رفض الشعب التونسي في المظاهرات الإحتجاجية لنظام الحزب الواحد الحاكم للسلطة في البلد ومطالبة الرئيس السابق بمغادرة البلاد، لأنه  معا يرمز للنظام الإستبدادي ، بالرغم من تقديمه  لمجموعة من التنازلات جسدها  في عدم نيته لتقديم ترشحه للإنتخابات الرئاسية وتفهمه للمطالب الشعبية.
 
- الحراك الإجتماعي في تونس  وإرهاصات الوعي السياسي العربي
 
تمكنت مكونات المجتمع التونسي من وضع خارطة طريق أمام حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة ، وساهمت في فتح نقاش دستوري حول مقتضيات المادتين  56 و  57من الدستور الحالي من أجل القطيعة مع النظام السياسي السابق، حيث أعلن رئيس الحكومة السابق محمد الغنوشي بعد فرار الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي أنه  تولى مهام الرئاسة بالوكالة مؤقتا وفق المادة 56 من الدستور، ولكن أساتذة القانون الدستوري ونشطاء المجتمع المدني واجهوا بقوة هذا التفسير الدستوري السيئ لنقل السلطة وسد الفراغ الدستوري، لأن المادة 56 لا تستجيب لمبدأ سيادة الشعب، وهو ما يقتضي نقل الصفة المؤقتة لرئيس البرلمان فؤاد المبزغ وفق المادة57 لمدة ستون يوما، إلى حين إجراء إنتخابات رئاسية حرة ونزيهة. 
ولذلك  فالشعب التونسي عبر عن نضج سياسي رفيع، عندما دفع بالمجلس الدستوري إلى تعيين رئيس البرلمان فؤاد المبزغ رئيسا للجمهورية مؤقتا وفق المادة57   والذي بدوره عين رئيس  الوزراء المؤقت الباجي قائد السبسي لتشكيل حكومة وحدة وطنية، مهمتها الأساسية تنحصر في التحضير لإنتخابات رئاسية وبرلمانية.
وضعت حكومة رئيس الجمهورية الانتقالي لفؤاد المبزغ نفسها أمام تحديات ورهانات متعددة، أهمها القطيعة مع نظام الدولة البوليسية والقيام بإصلاحات سياسية ودستورية لتقوية دور البرلمان والحكومة وتغيير جوهر النظام ونقله النظام الجمهوري البرلماني.
كما أن الحكومة المؤقتة وجدت نفسها أمام رهان إشراك جميع الأحزاب والقوى السياسية في حكومة الوحدة الوطنية، وضمان تعبئتها للتحضير لإنتخابات رئاسية حرة ونزيهة تتفاعل مع الوعي السياسي للشعب التونسي، وتمثل الأحزاب السياسية حجر الزاوية الذي يقوم عليه بناء المجتمع الديمقراطي في تونس، ولا يمكن الإستغناء عنها في تشكيل الرأي العام، وهي أيضا شرط لا غنى عنه في الممارسة الديموقراطية والتداول على السلطة.
ومن التحديات الراهنة لإرجاع الثقة للشعب التونسي، هو رد الإعتبار للتعددية السياسية وتفعيل دور الأحزاب السياسية، بعدما قام النظام المخابراتي لزين العابدين بن علي في سياق  الهيمنة والإنفراد بالسلطة،  في مرحلة أولية بالتضييق وقمع جميع الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الحقوقية والثقافية ولكل من يرغب في التأثير في المجتمع عموما. وهي طريقة لتعطيل دور الأحزاب في نشر الوعي السياسي و تعيق تمكين الشعب التونسي من ممارسة خياراته من منطلق التعددية السياسية، وفي مرحلة ثانية قام زين العابدين بن علي بتقوية حزب التجمع الدستوري لإقامة نظام الحزب الحاكم الواحد .
لقد قامت الحكومة المؤقتة بإستيعاب درس ثورة الياسمين التونسية ، بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وإعتبار الحريات العامة رافعة أساسية للبناء الديمقراطي وهو ما يستدعي إتخاذ مجموعة من التدابير التي تنسجم مع المعايير الدولية لحرية التعبير والرأي وحرية الصحافة والحق في التجمع والتظاهر وذلك بتحديد مفهوم النظام العام بموجب القانون،  فالحريات العامة ليست ترفا وإنما عامل يؤثر ويساهم في البناء الديمقراطي.
في تونس كانت وزارة الداخلية وأجهزة الحزب الحاكم هي التي تحتكر تنظيم الإنتخابات وتشرف على العملية الإنتخابية، و كانت النتيجة الحتمية لذلك هو تحويل الإنتخابات إلى عملية  لحشد التأييد لنظام بن علي والحزب الحاكم.
فإنتخابات المجلس التأسيسي الدستوري  التي عرفتها تونس بتاريخ  23 أكتوبر 2011 مرت في ظروف تضمن النزاهة والشفافية، وأبانت عن وجود إرادة سياسية حقيقية للإنتقال الديموقراطي. فقد أكدت الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات التي أشرفت على مختلف المراحل الإنتخابية أن نسبة المشاركة في الإستحقاقات فاقت 80 في المائة من المسجلين الذين يبلغ عددهم 4.5 مليون مواطن.
وقد أفضت شفافية  العملية الانتخابية وفق النتائج التي أعلنت عنها الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات، إلى رسم خارطة سياسية جديدة تتحكم في المعادلة الحزبية والسياسية في تونس. وتتشكل  من حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكثل الديمقراطي من  أجل العمل والحريات، كأبرز القوى الممثلة لأغلبية مريحة في المجلس الوطني التأسيسي
 
أنشأت الأحزاب الثلاث التي حصدت أكبر عدد من مقاعد المجلس التأسيسي يوم 21 نونبر 2011  تحالفا لتشكيل حكومة إنتقاالية. وأسفر إجتماع  تحالف الأحزاب الثلاث المكون من حركة النهضة التي حصلت على 89 مقعد، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الحاصل 29 مقعد، والتكثل من أجل العمل والحريات الحاصل على 20 مقعد، على ترشيح منصف المرزوقي لرئاسة الجمهورية، وحمادي الجبالي أمين عام حركة النهضة لرئاسة الوزراء، ومصطفى بن جعفر لرئاسة المجلس التأسيسي. لقد إنتخب المجلس التأسيسي في الأسبوع الثالث من ديسمبر2011  المنصف المرزوقي زعيم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية رئيسا للجمهورية التونسية  بأغلبية 153 صوتا مقابل معارضة ثلاثة اصوات وإمتناع إثنين عن التصويت و44 بطاقة بيضاء من مجموع 202 عضو في المجلس البالغ عددهم 217.
كما صادق المجلس الوطني التأسيسي على القانون المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلطات العمومية، الذي ينظم مختلف سلطات الدولة إلى حين الإنتهاء من وضع دستور "الجمهورية الثانية" وتنظيم إنتخابات عامة جديدة.
إن تونس بجميع مكوناتها تعيش اليوم  حالة مخاض عسيرة وطريق شاق ومضني ومحفوف بالمخاطر من أجل تجاوز هذه الفترة الإنتقالية بسلام نحو إرساء دعائم الديموقراطية القائمة على صناديق الإقتراع وشفافية ونزاهة الانتخابات. ولهذا فالشعب التونسي مطالب أكثر من أي وقت مضى بأن يبقى وفيا للقيم الحضارية التي جاءت بها ثورة الياسمين والتي ستعيد  قراءة التاريخ العربي وتفند النظريات والأطروحات القائلة بأن رياح التغيير في العالم العربي تأتي فقط من الإنقلابات العسكرية  وتصحح صورة الإنسان العربي في تمثلات العقل الغربي، وهو ما يضع  المجتمعات العربية أمام رهان الإمتلاك الفعلي  للوعي السياسي والقدرة على التفاعل مع المبادئ والقيم الأخلاقية  للديموقراطية و الإنخراط في دينامية  التغيير الداخلي  بتفاعل  جميع  النخب السياسية مع ثقافة الحوار والتسامح.

د . يوسف البحيري / كلية الحقوق مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
د . يوسف البحيري / كلية الحقوق مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل