بؤس العالم ... وبيير بورديو

السبت 19 يوليوز 2014

 
سنة 1993، خلال أقوى لحظات الأزمة الاجتماعية،التي أفرزت البطالة والطرد، أصدر عالم الاجتماع بيير بورديو،عملا رصينا بطريقة غير مألوفة. قام، فريق يتألف من ثلاثة وعشرين باحثا سوسيولوجيا، بإجراء مقابلات مع تشكلات مجتمعية مختلفة : عمال مهاجرون، سكان مناطق التنظيم العمراني العاجل ،  متشردون، صغار الفلاحين، رجال شرطة، ممرضون وطلبة ... .
توخى، هذا البحث الجماعي، الوقوف على تجربة الفضاء المجتمعي، كما يمكن أن تحضر  بطريقة مختلفة، لدى هؤلاء،كل على شاكلته،أي من يشغلون : "وضعا دونيا ومظلما، وسط عالم ساحر ومتميز"...
حاول بيير بورديو، من وراء "البؤس الاجتماعي" وصف، ليس بالضرورة (أو فقط) "بؤس وضع"، نتيجة شح في الموارد وكذا الاحتياج المادي. بل تعلق الأمر، أساسا بكشفه عن شكل  للبؤس أكثر حداثة ل"بؤس وضع"، تصطدم داخله باستمرار الطموحات المشروعة لكل فرد نحو أن يكون سعيدا ومبتهجا، مع إكراهات  وقوانين، منفلتة منه : ينتج هذا العنف المستتر،عبر" قرارات السوق المدرسي"، ثم "الإرغامات المجحفة لسوق  العمل والسكن"، و"العداوات الماكرة للحياة المهنية"... .
بمنهجية ترتكز على سرد تفاصيل الحياة، ومحاورة الشخص المستجوب كي يحكي ويبرز"رؤية  للعالم اختبرها "، يعطي كتاب "بؤس العالم" الفرصة لمن يعيشونه: بين ثنايا حكايات طويلة، تظهر ابتذال اليومي، فتنبثق فجأة أقوال مؤثرة لا تخلو من وظيفة  تنفيسية.
لكن لماذا مشروع كهذا؟حسب بورديو: ((خلق الوعي وليس إبطال مفعول، ميكانيزمات تجعل الحياة مؤلمة ،بل ، لا تطاق. الوقوف،على التناقضات  لا يعني حلها. قد نشكك، قدر ما يكون الأمر  بخصوص فعالية رسالة السوسيولوجي، بيد أنه لا يمكننا عبثا، الإبقاء على التأثير الذي سيمارسه.  بالتأكيد، وهو يخول  لمن يعانون، اكتشاف إمكانية ربط آلامهم بعلل اجتماعية، بالتالي الإحساس ببراءة ذممهم، سيكتشفون بشكل واسع المصدر  الاجتماعي للشقاء في كل أشكاله أي أكثرها  باطنية وسرية،  بعد أن كان التكتم عليه جماعيا. (...) إقرار، يضيف بورديو، على الرغم من التجليات، فلا شيء يزعج فيه : ما قام الفضاء الاجتماعي بصنعه، يمكنه أيضا التسلح بهذه المعرفة قصد تقويضه)).
جملة استنتاجية، قد نقولها مع الارتداد الذي نعى الالتزامات المستقبلية للسوسيولوجي، اتجاه أولئك المتخلى عنهم لعالم نيوـ ليبيرالي، لا يرحم.
لقد حقق كتاب «  بؤس العالم»، نجاحا هائلا، داخل المكتبات.
 
 
1
 

سعيد بوخليط / ترجمة


معرض صور