الصفحة الرئيسيةمراكش الذاكرةدراسات وأبحاث

الولي سيدي بلعباس السبتي ومذهبه في الجود والصدقة

بقلم أحمد التوفيق 

هو أحمد بن جعفر الخزرجي، ولد بمدينة سبتة عام 524 ه، ونزل بمراكش، وبها مات عام 601. كانت مدينة سبتة في وقته من كبريات عواصم العلم والحضارة في الغرب الإسلامي، وثيقة العلائق بمدن الأندلس وشرقي البحر المتوسط، كانت عامرة بالعلماء والتجار والزهاد الذين ما تزال قبور بعضهم معروفة في هذه المدينة السليبة إلى اليوم. قال أبو العباس عن بداياته: أول أمري أني كنت يتيما، وكانت أمي تحملني إلى نساجي الحرير، فأفر منهم إلى مجلس الفقيه أبي عبد الله الفخار،فتضربني، إلى أن قال لها الفخار: لم تضربين الصبي؟ فقالت إنه يتيم ويَأبَى أن يعمل شغله، وليس عندي شيء، فقال لي الشيخ: يا بني، لم لا تفعل ما تأمرك به أمك؟ فقلت له: إنما أحب هذا الكلام الذي أسمعه منك، فقال لها: اتركيه، وأنا أدفع عنك للمعلم الذي يقرئه أجرته. فقرأت القرآن إلى أن حفظته، ثم قرأت الأحكام. قال: لما بلغ سني عشرين عاما رحلت إلى مراكش، وأقمت في الجبل المطل عليها المسمى إيكليز، والمدينة يحاصرها الموحدون”. انتهى كلام أبي العباس. ومعلوم أن حصار الموحدين لمراكش على يد عبد المؤمن، وقع ابتداء من شهر محرم عام 541ه.

إن مما يثير الانتباه أن نجد أبا العباس ينجذب إلى مراكش ومصيرها لم يعرف بعد، في مرحلة انتقال الحكم من المرابطين إلى الموحدين، ليكتب له أن يشهد الوقائع العظيمة في عهود أربعة من الخلفاء، هم عبد المؤمن ويوسف ويعقوب المنصور،والناصر. هكذا تنطبق حياة أبي العباس بمراكش على أوج حضارة المغرب في ذلك العصر، زمن كبار ساسة المغرب والأندلس، وعظام شيوخ الحضر والقبائل من مصمودة وغيرهم، كانت مراكش تعج بالفقهاء والأدباء والزهاد والفلاسفة والأطباء، وكان يصنع فيها المصير السياسي لمعظم جنوبي حوض البحر المتوسط، ومجال واسع من شماليه الغربي.

كان أبو العباس في مراكش يسكن بفندق قريب من الأسواق، وكان يشتغل بتدريس الحساب والنحو، ويأخذ على ذلك أجرا، كانت له منحة من بيت المال مع طلبة الحضر، كان جميل الصورة حسن الثياب فصيح اللسان،مستحضرا للأدلة من السنة والقرآن،

مذهبه في التضامن:

بدأ أبو العباس مذهبه التضامني العملي بالإنفاق على طلبة العلم الواردين على مراكش. وما لبث أن اشتهر بالجلوس في الأسواق والطرقات، وحض الناس على الصدقة، ويذكر ما جاء في فضلها من الآيات والآثار، فتتوارد عليه الصدقات، فيفرقها على المساكين وينصرف. كان مذهبه يدور على هذا المنوال، أخذ المال من البعض وإعطائه للبعض الآخر، كان إذا أتاه أحد يطلب أو يشكو من أي شيء كان، يقول له: تصدق تصل إلى ما تريد، وجرب الناس عليه ذلك وصح فصار عندهم أعجوبة الزمان.

وبموازاة لهذه التجربة العملية كان يجتهد في تأصيل مذهبه من جهتين:

1) جهة النص وجهة الذوق، فمن جهة النص كان يستشهد بآيات القرآن الكريم التي ورد فيها الحض على الإنفاق عامة، والإحسان خاصة، سواء بالحرف أو بالمعنى، وهي آيات كثيرة، ومن وقائع السنة كان يذكر على الخصوص،أن الذي فتق وعيه وفتح بصيرته في البداية، هو العمل التضامني المؤسس لجماعة الإسلام الأولى في المدينة، على يد الرسول الأكرم، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، حيث قسم الأنصار أموالهم مع المهاجرين، وهو عمل المشاطرة، واستلهاما من هذا العمل، عقد أبو العباس النية مع الله ألا يأتيه شيء إلا شاطر فيه إخوانه المؤمنين الفقراء، أي قسمه معهم، عمل ذلك عشرين عاما، فصار لا يحكم على شيء بخاطره إلا صدق، ثم عاهد الله ألا يكتفي بإنفاق النصف، بل يمسك الثلث ويصرف الثلثين، عمل ذلك عشرين عاما أخرى، فأتم له الحكم في الخلق بالولاية والعزل، وفهم أن أول فرض هو شكر النعم، وحيث إن الصدقة الواجبة، وهي الزكاة، تصرف على سبعة أصناف، فقد وجد هو سبعة أصناف أخرى ينبغي أن يصرف عليهم على سبيل الإحسان، وهي النفس والأهل، ثم الرحم والضيف واليتيم وصنفان آخران. ثم زاد في الإنفاق بأن عقد مع الله أن كل ما يأتيه يمسك منه سبعا للنفس وسبعا للأهل، ويصرف خمسة أسباع لمستحقيها، أقام على ذلك أربعة عشر عاما فأثمر له الاستجابة التامة من السماء، فما قال يا رب إلا قال لبيك، وقال: لما تحقق لي ذلك علمت أنها نهاية أجلي. قال نظرت فيمن أستجلب أرزاقهم فإذا هم الأيتام المهملون الذين لا والد لهم ولا أم. ونظرت في ذوي الرحم فإذا لهم حقان، حق الرحم وحق المسكنة، ثم وجدت صنفا آخر هم الذين لا تمكنهم المسألة، قال ابن مساعد، وهو من أصحابه: “وانتهى أبو العباس إلى إعطاء تسعة أعشار والتمسك بالعشر، وهي النهاية، أي أنه يأخذ لنفسه الواجب للمساكين، ويعطي المساكين ما يجب له، وهو المالك”. كان يقول: أصل الخير في الدنيا والآخرة الإنفاق، وأصل الشر في الدنيا والآخرة البخل،

أما من جهة الذوق، فكان يرد سائر أصول الشرع إلى الصدقة، فيرى أن التكبير في الصلاة بقول: “الله أكبر”، فيه التزام من القائل بأن لا يبخل على الله بشيء يملكه، وأن رفع اليدين بالتكبير يعني قول المكبر لله: تخليت لك عن كل شيء، وكان يرى أن الركوع يعني المشاطرة،أي أن تقسم ما عندك مع غيرك، والسلام من الصلاة يعني الخروج عن كل شيء، والصوم يعني أن تتذكر الجائع وتتصدق عليه، والزكاة فرضت ليتدرب الناس على البذل والإعطاء، والحج أن تبرز في زي المساكين وتظهر ما ينبغي لله من العبودية.

وقد قرن أبو العباس مذهبه هذا في الصدقة بالمواساة، فكان يخص بالإشفاق زمرة المساكين واليتامى والأرامل. يتصرف وكأن جسم المدينة التي يسكنها جزء من جسده، يحس بآلامها ويأرق لحرمانها، يقاسم الفلاحين خوفهم إذا انحبس المطر، ويشارك أصحاب البساتين مخاوفهم إذا أشفقوا على ثمارهم من الجوائح، وكان يفقد شهية الطعام في بعض الأوقات، فيتبين أن بعض من في الحي قد بات يتضور من الجوع، فإذا أطعمه أقبل بشهية على ما كان مجه من الأكل والشراب، ويقع له أن يشتد على جسمه البرد وهو بداره مدفأ بملاءات تقيه البرد على العادة، فيبحث أهله عن العلة، فيتبين أن بعض الجيران قد تشققت سقوف بيوتهم وانحاشوا إلى دهليز يرتعشون فيه، فإذا حمل إليهم الغطاء، عاد إلى نومه، وقد كفاه غطاؤه المعتاد.

arArabic