المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الهُــويةُ والمذهب المالكي و العَولمة (2/2)ا

الاربعاء 2 غشت 2017

الهُــويةُ والمذهب المالكي و العَولمة (2/2)ا
 
....ولنأخذ مثلا عن الدول الإسلامية..
إننا لحد الآن، ندخل في حوار مع الدول المسيحية، ونحاول أن نقنعها بأفكارنا، وكذلك مع الدول الأخرى ومع اليهودية..
ولكن لم نجرؤ على الدخول في حوار إسلامي إسلامي؟!..
ومعنى ذلك أن تدخل المذاهب الإسلامية فيما بينها في حوار..
وذلك أن تدخل المذاهب الإسلامية كلها في حوار مع بعضها، ذلك لأننا نحن متمسكون بالمذهب المالكي، وبعض الدول العربية متمسكة بالمذهب الحنفي، وبعضهم بالمذهب الشافعي، أو الحنبلي ويعضهم بالمذهب الشيعي، أو الإباضي!.
فيجب على العلماء المسلمين الدخول في حوار بين أصحاب المذاهب السنية!. والمذاهب الشيعية على سبيل المثال..
وبطبيعة الحال فنحن في المغرب متمسكون بالمذهب المالكي لأسباب كثيرة، منذ اثني عشر قرنا،أي منذ عهد المولى إدريس الأكبر، على الرغم من كون الأدارسة كانوا شيعة زيْديَّة مُعْتدلة! والمغرب عرف  مبدأ مذهب الإمام مالك من قبل.. فكيف لم يتمكن المولى إدريس من نشر المذهب الشيعي في المغرب؟ وهو شيعي ينتسب إلى الشيعة الزيدية؟ وقد عمل المولى إدريس على اتباع المغاربة في مذهبهم المالكي؟..
والجواب عن ذلك أن المولى إدريس جاء إلى المغرب فارا من وقعة (فخ) هاربا من هارون الرشيد، وحضر إلى المغرب، واتصل بقبيلة أوربة البربرية وكانوا مالكيين مع المغاربة، واضطر إلى مسايرتهم، ومطالبتهم ببيعته، لأنه من آل البيت، ينتسب إلى رسول الله صلى عليه وسلم، ولذلك قبل البرابرة، وأصبحوا يرحبون به، كواحد من آل البيت، ولذلك لم ينشر فيهم المذهب الشيعي. فالمولى إدريس كانت لـه علاقة سياسية مع المغاربة قبل فراره من واقعة فخ إلى المغرب، ويقال إنه سبق أن حضر إلى المغرب واتصل ببرابرة قبيلة أوربة، موفدا من قبل أخيه "النفس الزكية"، ويلاحظ أن المولى إدريس يتعاطف مع المذهب المالكي بسبب أن الإمام مالكا كان يؤيد الشيعة في مسألة مذهب العباسيين في إكراه الناس على بيعة العباسيين وذلك نهجا على قوله ببطلان طلاق الإكراه. ولذلك كان الإمام مالك يفتي برفض تلك البيعة المبنية على طلاق المكره، ويقول بعدم جواز طلاق المكره، وفي ذلك تأييد لمذهب الشيعة المعتدلين الذين ينتسب إليهم المولى إدريس، ويقال أن الإمام مالكا عاقبه العباسيون على رفضه البيعة بواسطة طلاق المكره، وأنه ضرب على ذلك حتى انخلعت كتفه من شدة الضرب، ومع ذلك أصر على عدم جواز طلاق المكره، ولذلك أصبح المولى إدريس يميل إلى الإمام مالك، وهذا ما جعله يقبل دعوته للخلافة بالمغرب، بدون أن يحاول نشر مذهبه الشيعي المعتدل.
هل الشيعة وحدهم هم الذين جاءوا إلى المغرب؟
الجواب بالنفي..
ذلك أن المغاربة لهم تجربة كبيرة مع التدخل الأجنبي، فالمغاربة كانوا قد عرفوا سيطرة الرومان، والوندال، والبيزنطيين، وقبلهم الفينيقيين الذين حضروا من سوريا، ولم يكونوا مستعمرين، وقد استفاد المغرب منهم تجاريا واقتصاديا واجتماعيا!..
غير أن الرومان، والوندال والبزنطيين كانوا استعماريين، وقد حاربهم المغاربة، ورفضوا دينهم المسيحي، وكان المجتمع المغربي يغلب عليه عبادات كثيرة مثل، عبادة قدماء المصريين. فقد عرف المغاربة مذاهب مختلفة قبل الإسلام، كان بينهم قلة من اليهود، وكان المجتمع المغربي يؤمن بالسحر، وبمختلف العبادات التي وصلت إليه عن طريق الفينيقيين، ولذلك يقول بعض المؤرخين أن المغاربة ارتدوا اثني عشرة مرة، لأنهم كانوا يظنون أن العرب مستعمرون كالروم، وقد زال هذا الإحساس من أذهان المغاربة بكون العرب غزاة، وذلك بسبب حضور الخوارج الذين كان لهم دور إيجابي يتجلى في اعتماد مذهبهم على قول الرسول عليه السلام        لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
وفي الوقت الذي كان المغاربة يميلون إلى المذهب الخارجي حضر المولى إدريس إلى المغرب في حين أن الخوارج بفضل عبد الرحمان ابن رستم الخارجي وجدوا متسعا لدى دولة جارة هي الجزائر حيث أقاموا دولة رُُُسْتُُمِيَّة إباضية في الجزائر، وهذا من الأسباب التي جعلت المذهب المالكي يستقر في المغرب.
لذلك فعندما جاء الولاة المسلمون إلى المغرب، وجدوا مناهضة كبيرة، خصوصا في عهد الكاهنة ضد عقبة بن نافع،الذي حاربه البرابرة إلى أن قتلوه، لعدم تفهمهم مبادئ الإسلام...
8) كان المذهب المالكي قد بدأ في عهد الأدارسة، لكنه أصبح مذهبا قويا في عهد المرابطين، الذين جعلوه مذهب الدولة، وكانت مدينة مراكش عاصمة الدولة مركزا للفقهاء المالكيين، وكان لهم نفوذ في عهد الدولة لدى ملوك المرابطين، والمهدي بن تومرت وإن كان شيعيا فهو عالم مغربي كبير، ونعتقد أنه خارج الجانب السياسي كان مالكي المذهب.
وعلى الرغم من كون مذهب الإمام مالك قد سيطر على الدولة والتشريع في عهد المرابطين الذين وحدوا المغرب سياسيا، وعسكريا، ومذهبيا، وجعلوا عاصمتهم مراكش هي مهد مجلس الفقهاء المالكيين الذين كان يعتمد على مشورتهم الملوك المرابطون، فقد ظهر الموحدون بمذهب شيعي معتدل على يد زعيمهم المهدي بن تومرت الذي كان فقيها كبيرا وعالما أصوليا، ولكنه مع ذلك لم يتعرض للفقهاء المالكيين بسوء، إلا من حيث سياستهم في اعتمادهم على الفروع، وكان المهدي بن تومرت في أعماقه فقيها سنيا مالكيا، ولكنه أظهر المهدوية لغرض سياسي، كما كان المذهب الحنفي قد ظهر في المغرب في طنجة مع عبد الله بن صلاح، ولكن بعض فقهاء المرابطين حاربوه، لكونه كان يحلل شرب النبيذ في المجتمع، مع أن الحنفية لم يكونوا يحللون شرب الخمر إطلاقا، وإنما كانوا يسمحون بتناول النبيذ الذي لا يرونه محرما بدليل.
ومن المعلوم أن السلطة في عصر المرابطين كانت تحمي المذهب الملكي، وأن هذا المذهب كان يحتمي بها، وإنه قد ظهر بعض الزعماء الشيعيين في المغرب مثل ظهور القحطاني. ولكن المذهب المالكي قد استقر في المغرب عبر التاريخ، ذلك أن السلطة كانت تحميه من جهة، وأنه كان يحمي السلطة..
ومما قوى المذهب المالكي في المغرب أن المغرب كان قبلة لهجرة الفقهاء، وأن ابن حزم كان يقول: مذهبان انتشرا بالسلطة: المذهب المالكي، والمذهب الحنفي، والمغرب قد عرف هجرتين اثنتين للفقهاء، الأولى هي الهجرة التي وردت من القيروان.
فقد قال المؤرخون أن المغرب عرف هجرتين اثنتين الأولى هجرة الفقهاء المضطهدين في أوطانهم الذين هاجروا إلى المغرب، وهي هجرة الفقهاء الذين جاءوا من القيروان إلى المغرب، وعددهم كان ثلاثمائة أهل بيت، أي ثلاثمائة أسرة، وكانت في سنة 189 هـ تسع وثمانين ومائة هجرية.
والهجرة الثانية من الفقهاء المهاجرين إلى المغرب، كانت واقعة في الأندلس، ففي سنة 202 هـ اثنين ومائتين للهجرة، على إثر ثورة الرَّبَض في عهد الحكم بن هشام، هاجر عدد كبير من فقهاء الأندلس إلى المغرب..
وهكذا أصبحت أرض المغرب مؤهلة لقيام مذهب الإمام مالك، ويلاحظ أن المغرب عرف كثيرا من الفقهاء المالكيين الذين ألفوا كتبا، وصنفوا في مذهب الإمام مالك، عددا من المتون، والشروح، والهوامش، وغير ذلك، من المؤلفات المغربية في المذهب...
وهكذا فالمذهب المالكي في المغرب أصبح من المبادئ الأساسية للهوية المغربية؛ فالمغرب من مكوناته الدينية المذهب المالكي باعتباره رمزا سياسيا، وحد المغاربة سياسيا واجتماعيا ومذهبيا..
وأذكر هنا ما تعرفونه جميعا، فحينما كان موضوع الصحراء المغربية موضوعا أمام محكمة لاهاي الدولية في سنة 1975، وأراد القاضي الذي وضع أمامه ملف الصحراء أن يقضي في الأمر، ذهب القاضي في المحكمة إلى وضع السؤال:
هل هناك روابط مذهبية بين المغرب وبين الصحراء؟.
وحين تأكد القاضي من وجود هذه الروابط، عبر المذهب المالكي لكل من المغرب والصحراء، حكم القاضي لفائدة المغرب..
8) والملاحظ أن المغاربة في الوقت الراهن بدأوا مع الأسف يتخلون عن المذهب المالكي، مع أنه رمزُ ُ أساسي لوحدة المغاربة، ولهويتهم الدينية، والوطنية، والسياسية، فالمذهب المالكي أصبح بالنسبة لنا ليس مذهبا فقهيا فقط، بل هو مذهب سياسي، وحَّدَ جميع المغاربة، وضمن هويتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
والآن هل حافظنا على تمسكنا بالمذهب المالكي الذي يوحدنا.. فالناس اليوم مع الأسف بدأوا، يتخلون عن المذهب المالكي، ففي مختلف المساجد نجد بعض المغاربة المصلين يدفعونك بأرجلهم، وأيديهم أثناء قيامهم بالصلاة، وهذا ما يعرفه العامة والخاصة؛ وإن معنا السيد رئيس المجلس العلمي الذي يعرف هذه الحقيقة. فالناس يفرض عليهم أن يصلوا جماعة حسب المذهب المالكي، ولكن بعضهم يقوم بأعمال خارجة عن المذهب، مع الأسف..
وكذلك في المسجد الحرام، عندما يعود الناس من الحج إلى المغرب نجدهم  يعتقدون بأن الدين الحق هو الذي يوافق المذهب الوهابي، وبعضهم يقول بأنه عندما كان يصلي حسب المذهب المالكي جاءه بعضهم وقال له:
إن صلاتك باطلة ياحاج...وقد بدأ هذا الأمر يثير بعض البلبلة والاضطراب عند العامة على الخصوص؛ يضاف إلى ذلك أن بعض القنوات الفضائية العربية في المشرق بدأت تحاول وضع برامج دينية، يغلب عليها الغلو، والتشدد. والناس يعتقدون بأنها ذات توجيه ديني سليم، وهذه القنوات الفضائية لا تعرف شيئا غير أن تحلل أو تحرم.. وهذا يثير اضطرابا في المجتمع الإسلامي، وحتى بعض العلماء في المغرب، كبعض العلماء في طنجة، الذين كانوا أحيانا يفتون ببعض الفتاوى المخالفة لمذهب الإمام مالك، مع الأسف، اعتمادا على تلك القنوات العربية المتشددة في المشرق العربي.
ويلاحظ أن الناس عموما، وخصوصا منهم العامة يقتنعون بكل ما يوجد في المشرق.
فعلى سبيل المثال: ليلة القدر في الشرق بالأمس، وفي المغرب تؤخر ليلة القدر إلى الغد مثلا.. وكذلك يوم عرفة؛ فإذا كان يوم عرفة في يوم معين بالمشرق أو بالسعودية، فإن العامة يرون أن يوم عرفة في الشرق أو في الحجاز هو المعتبر شرعا، وليس يوم عرفة في المغرب، ولذلك ينبغي وضع النقط على الحروف بالنسبة لهذه المشاكل المذهبية.
ويجب أن يعمل الفقهاء والسياسيون العرب على وضع حد للعولمة الرأسمالية التي تحاول الزحف إلينا من خلال وسائل الإعلام، ولعل أهم دور لرجال الدين، والسياسة في المغرب، والدول العربية، يتجلى في أنهم يجب أن يعملوا على التنبيه على مشاكل العولمة، وهكذا ينبغي أن نعرف نحن جميعا، ويعرف غيرنا، ونعرف أنفسنا بمساوئ ومشاكل العولمة، ومعارضتها، والحلول التي يجب أن نتخذها للتوفيق بين العولمة وهويتنا الوطنية..
وينبغي كذلك أن نعرف الآخر معرفة جيدة كذلك بقصد أن يتم التعارف، والاحترام بيننا وبين الآخر. وهكذا يجب على العلماء أن يعملوا على التوفيق بيننا وبين ذلك الآخر الذي يجب أن يحترمنا ونحترمه، فيجب على الساسة، والمثقفين، أن يبذلوا جهدا كبيرا لإمكان تحقيق هذا التوفيق بيننا وبين هذه القوة التي تريد أن تفرض علينا هذه العولمة، والتي تريد أن تفرض هيمنتها على هويتنا.
ومن المعلوم أن كثيرا من المجتمعات وحتى في دول أوروبا قد رفضت هيمنة العولمة، الأمريكية، وقبل ذلك رفضت انجلترا عولمة الاتحاد الأوروبي عليها، كما رفضت هيمنته على لغتها، وثقافتها.. وهذه الحقائق تجعلنا نقتنع بأن هويتنا يجب أن نعتز بها، ونتأمل حاضرنا اللغوي، والسياسي، والثقافي والفكري. وأن نحافظ على لغتنا وهويتنا اللغوية والدينية والخلقية، والمذهبية التي نعتز بها. ونحن الآن بحكم حرية التعبير نرى مع الأسف كثيرا من وسائل الإعلام الأجنبية والعربية تسرف في تخويل حرية الرأي.. فمثلا يمكن لشخص ما أن يدعوك لمبدأ ما..أو فكرة ما كالعولمة أو الهوية أو غيرها، ويجب أن نتأمل حاضرنا اللغوي والثقافي والفكري لنعرف الخير من الشر، والحق من الباطل، ونرجو من الله تعالى أن يوفقنا لنتجاوز هذه المشكلات المختلفة، ويوفق علماءنا ورجال الفكر والسياسة عندنا، ليعملوا على توعية المواطنين بمشاكلهم، وبهويتهم، وبالمحافظة على مذهبهم، وعلى عقائدهم الدينية والوطنية، وهذه مشكلات كبرى سال مداد كثير حولها، ولكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث للوصول إلى الحقيقة. فالله يوفقنا لما فيه الخير..وأنا مستعد لمناقشة آرائكم في كثير من الاحترام، والله ولي التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله.
 
عباس الجراري / المراكشية ومجلة جامعة ابن يوسف
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

عباس الجراري / المراكشية ومجلة جامعة ابن يوسف

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل