المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

النيابة العامة تلقن درسا لابن كيران

الاثنين 22 يونيو 2015

النيابة العامة تلقن درسا لابن كيران
النيابة العامة في المحكمة الابتدائية في تمارة لقنت رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، درسا في احترام استقلالية القضاء لن ينساه، وقال نائب وكيل الملك داخل قاعة المحكمة، التي كانت تنظر أول أمس في ملف مدرب التيكواندو محمد العمراني: «لا حق لرئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، في التدخل في القضاء. موقف وزير العدل مصطفى الرميد كان موفقا في عدم التدخل في الموضوع». نائب وكيل الملك كان يقصد بكلامه هذا تصريحا نسب إلى بنكيران، قال فيه: «لا يعقل أن يبقى العمراني معتقلا بعد أن اتضح أن لا يد له في غرق الأطفال في البحر».
في حدود علمي، هذه أول مرة تنتقد النيابة العامة رئيس الحكومة علنا في جلسة بقاعة المحكمة، والسبب هو الدفاع عن استقلالية قرار النيابة العامة متابعة العمراني بتهمة الإهمال المفضي إلى الموت وفي حالة اعتقال وأملي أن تفعل النيابة العامة نفس الشئ مع كل الجهات التي تتدخل في القضاء سرا وعلنا.
لنعد إلى الحكاية من البداية.. يوم الأحد7 يونيو ابتلع البحر 11 طفلا وطفلة كانوا يلعبون على شاطئ بحر غير محروس في الصخيرات، فأصيب الرأي العام بصدمة قوية، خصوصا أن فاجعة احتراق 34 طفلا وبالغا في طانطان مازالت طرية، ومازال جرحها لم يندمل. هنا أقدمت النيابة العامة على اعتقال مدرب التيكواندو الذي حمل 34 طفلا من بنسليمان، وتوجه بهم إلى شاطئ البحر للاحتفاء بالتتويج الذي حصل عليه الصغار في رياضة التيكواندو. كان قرار المتابعة صائبا إلى حد ما في حينه والصورة لم تتضح بعد، حيث خشيت النيابة العامة غضب الأسر المكلومة التي فقدت صغارها، وكإجراء احترازي قررت النيابة العامة متابعة العمراني واعتقاله، لكن هذه القصة الدرامية ستعرف تطورا لافتا، تمثل في موجة تعاطف كبيرة انفجرت وسط عائلات الضحايا وأصدقاء العمراني وعموم الرأي العام بعد اعتقاله، خاصة عندما علم الجميع أن العمراني كان مدربا خلوقا وصاحب حس إنساني وتطوعي، وأن عائلات الضحايا تنازلت له، باستثناء عائلة واحدة كانت في حالة ذهول تنتظر معرفة مصير طفلتها التي مازالت في أعماق البحر، زد على هذا كله تعاطف الناس مع العمراني لأنه فقد ابنته هو الآخر، ثم شيئا فشيئا أصبح قرار النيابة العامة محل جدل قانوني وسياسي، وبدأ الناس يسألون: من المسؤول عن غرق الأطفال؟ هل البحر أم السلطات العمومية التي لم تخصص حراسة دائمة لشاطئ خطر غير صالح للسباحة، حتى إن هذه السلطات لم تكلف نفسها وضع لوحة بـ100 درهم يكتب عليها: «شاطئ ممنوع السباحة فيه»؟
تحول المزاج العام من إدانة العمراني إلى إدانة السلطات العمومية، وقرار النيابة العامة، التي لم تمتلك الشجاعة والجرأة لتوسيع البحث بشأن المسؤولين العموميين عن الحادث، واقتصرت على الطرف الضعيف في الحلقة، وعلقت فشل الجميع فوق رقبته… اشتعل الفايسبوك والمواقع الإخبارية والصحف والإذاعات؛ الجميع يدلي برأيه في النازلة والقضية صارت قضية رأي عام، وكان على النيابة العامة أن تمتلك الشجاعة لتراجع نفسها، وتقرر متابعة العمراني في حالة سراح، على الأقل بعد أن تنازلت عائلات الضحايا، وبعد أن اتضح أن الرأي العام متعاطف مع مدرب التيكواندو، الذي تطوع لسنوات لرعاية الأطفال رياضيا، بعد أن تخلت الدولة عن مسؤوليتها في الرياضة وغير الرياضة. هنا وجد رئيس الحكومة، كما باقي المواطنين، نفسه محاصرا بأسئلة المواطنين، واعتراضهم على قرار النيابة العامة التابعة، إلى الآن لوزارة العدل، التي تعتبر جزءا من الحكومة، وهنا أدلى بنكيران برأيه الذي يتعارض مع رأي النيابة العامة.
نعم، ما كان على رئيس الحكومة أن يعلن رأيه في الموضوع، وقد أصبح الملف في يد القضاء الجالس، المستقل نظريا عن كل سلطة أخرى، لكن في الوقت نفسه لا يجب أن يغطي خطأ بنكيران وعفويته في الحديث خطأ النيابة العامة التي تنوب عن «المجتمع»، والتي كان من المفروض أن تلتقط حبل اتجاهات الرأي العام، وهو ما يسمى بسلطة الملاءمة، عوض ذلك فضلت النيابة العامة العناد على مراجعة نفسها. إلى يوم الخميس الماضي ظلت هذه الأخيرة ضد طلب الدفاع متابعة العمراني في حالة سراح، ولولا أن القاضي كان أكثر رحمة وفهما واستيعابا للملف الذي أمامه لقضى المتهم رمضان وراء القضبان.
قرار النيابة العامة متابعة العمراني في حالة اعتقال ليس قرارا قانونيا صرفا، هو قرار قانوني وسياسي أيضا، وهو ما يُعرف بالسياسة الجنائية.. هذه السياسة يطبقها اليوم قضاة النيابة العامة تحت سلطة وزير العدل (وغدا تحت سلطة الوكيل العام للملك في محكمة النقض)، أي أن قضاة النيابة العامة يمثلون القانون، والوزير يمثل الشق السياسي في قرار المتابعة من عدمها، ولهذا يفرق الفقه الفرنسي بين le juge و le parquet، بين القاضي الجالس وهو مستقل لا يتلقى أوامر من أحد، والوكيل أو الوكيل العام، وهو قاض من نوع آخر ينفذ القانون والسياسة والتعليمات التي تأتيه من رؤسائه، ولهذا يجب مناقشته في قراراته والتعليق عليها وانتقادها حتى.
طيب، اليوم سنحمل بشكل أو آخر وزارة العدل المسؤولية عن قرار النيابة العامة، وسنعاقب الوزير أو حزبه في صناديق الاقتراع إذا أحسسنا بأن قرارات النيابة العامة مخدومة أو غير عادلة، أو لأي سبب من الأسباب. غداً من سنحاسب عن قرار النيابة العامة؟ وكيف؟ وبأي وسائل؟ أسئلة للتأمل بعد أن قررت الحكومة خروج النيابة العامة من يد وزير العدل إلى جهة أخرى غير منتخبة
توفيق بوعشرين
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
توفيق بوعشرين

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل