المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الملائكة لا تحلق فوق المركز السينمائي المغربي

الخميس 29 ماي 2014

أثارت قضية الإعلان عن الترشح لمنصب مدير المركز السينمائي المغربي من طرف وزارة الاتصال خلفا للسيد نور الدين الصايل، لغطا كلاميا غريبا، و صخبا إعلاميا مثيرا، غريبا لأنه يعطي الانطباع كما لو أن حتمية التداول  على المسؤوليات تشد عن المنطق و تغتصب قواعد الحياة بما فيها بعضا من مبادئ الديمقراطية، ومثيرا لأنه تجاوز حدود الدفع و الجدب، ليطفو ما بينهما الطابور السري الخامس المجهول الملامح ، هويته الوحيدة عريضة افتراضية للمطالبة ببقاء السيد نور الدين الصايل في موقعه، و الغريب في مرجعية هذه المطالبة، ليس المنجز الذي حققه الرجل للسينما المغربية في مجالات مختلفة ، وهي المنجزات التي لا يمكن حتى للخصوم المفترضون أو الافتراضيون نكرانها، بل لأنها تظهر بنية الحداثة، و نعني هنا تجاوزا الحداثة في السينما المغربية كما يروج البعض لذلك، كما لو أنها بنية قاصرة وهشة حياتها و استمرارها مرهون بشخصية هرقل المقدس للدفاع عنها و حمايتها، وهو ما يفسر التأويلات التي تصل إلى القول بالقصدية المتعمدة لإزاحة السيد نور الدين الصايل في هذه الفترة بالضبط، و هي القصدية التي يرى البعض  أنها طبخت على نار هادئة، لأن فلسفة الرجل و قناعاته لا تندمج مع تصورات المهيمن السياسي لوظيفة الصورة عموما، ولطبيعة وشكل الصورة في السينما على الخصوص، يبين هذا التخوف  - الذي قد يكون مشروعا لكن مبالغا فيه – هشاشة قناعة من يدمجون  أنفسهم ضمن التجديد السينمائي الحداثى في السينما المغربية، و أخص منهم المخرجون المتنطعون بإنتاجاتهم بكل ما تحتويه من زلات ارتجالية فيلمية إن على مستوى الطرح أو على مستوى أنساقها البلاغية البصرية، لأن التخوف على الحداثة في السينما المغربية من احتمال التغيير و احتياجها للحماية ( الأب )، يؤكد على أنها ليست فعلا أو خيارا استراتيجيا محكوم عليه بالصراع في نسق جدلي لا مجال فيه للوثنية و التقديس إلا للفكرة، لكن مجرد محاولات لا تمتلك الأساس المرجعي الذي يدمج مجموعة إنتاجاتها ضمن تيار أو اتجاه معين، بل و يجعل الوجل من الانقلاب عليها من طرف المختبئين وراء ها أكبر من الخوف عليها، إن لم اقل أنه في ظل هذا الهوس النفسي من التغيير يصعب الائتمان على ما يصطلح عليه البعض ظلما و بهتانا أفلاما للحداثة و التغيير ، خصوصا حينما يقو د المين المصلحة،  كعملة رائجة عند الكثيرين.
 
   لقد كان من الأجدر و الموضوعي تحميل صك المرافعة كل قرائن المنجز الذي أخرج السينما المغربية من (الكومة ) التي عاشتها لفترة طويلة، بفضل كاريزما شخصية ظلت مؤثرة في فضاء السينما المغربية، سواء من حيث التنظير لها و تبئير مواطن العجز و الخلل فيها، أو من حيث تجربة البحث عن تنزيل النظرية الى محك التطبيق من خلال إدارة شؤونها، ولأن ما بين النظرية  والتطبيق من خلال الممارسة على بساط الواقع – خصوصا في واقع معقد من مثل واقع السينما المغربية – توجد متاريس منفلتة صعبة العبور أو الترويض، يمتزج فيها القانوني بالتنظيمي بالعلائقي، يصبح لامناص من تبني اختيارات إستراتيجية تقوم على أساس الأوليات في تحريك عجلة السينما المغربية، حتى و إن كان على حساب اختلال  المعادلة التي غالبا ما اعتبر السيد نور الدين الصايل تكامل أطرافها حاسما في تحديد ملامح صناعة سينمائية مغربية، ونعني هنا تكامل قطاعات الإنتاج و التوزيع و الاستغلال دون إلغاء و في إطار المصالح المتبادلة و المشتركة بينها، يبدو هذا الخلل في الوجهين المتناقضين لما سمي بالطفرة ، فمن جهة تطور الكم الإنتاجي بشكل غير مسبوق سواء بالنسبة للأفلام الطويلة والقصيرة، وما استتبع ذلك من تجديد مستمر للائحة الملتحقين بالإخراج السينمائي، وتطور مضطرد لفيلموغرافيا السينما المغربية أصبح معها المهرجان الوطني يعيش أزمتي الضغط و الانتقاء، لكن من جهة أخرى تدهور قطاع الاستغلال بشكل خطير و غير مسبوق، بل وصل إلى وضع مرعب ، في حين ظل قطاع الإنتاج بعيدا عن أن يكون منتجا باستقلالية عن دعم الدولة، مستثمرا في الآن ذاته بعض الثغرات القانونية للدعم، و أخص بالذكر آليات تقديم السيناريوهات للجان الدعم.
 
يفسر كل هذا الفتور النظري في تبني مفهوم الطفرة في السينما المغربية من طرف العديد من النقاد، وضدا على أبواق الترويج التي كانت ترى في تطور الكم المؤشر الأسمى لعافية السينما المغربية، لكن و بالرغم من هذه الحقيقة، ومن باب ثقافة الاعتراف لا يمكن الجحود إزاء القدرة على ترويض ما يمكن التحكم فيه تنظيميا و قانونيا ، مما أفضى إلى تلك الدينامية التي أنعشت سوق الشغل السينمائي، وأخرجت فئات مهمة من ممثلين وتقنيين من حالة العطالة المزمنة التي كانوا يعانون منها، بل و أشعلت حماسا غير مسبوق في تعدد الملتقيات و المهرجانات السينمائية التي تناسلت لتصل حتى بعض المناطق النائية، خصوصا بعد سياسة الدعم المحمودة التي أصبحت تستفيد منها، لكن حركية هذه القدرة التي رسمت نصاعة الفيلم المغربي في العديد من المهرجانات الدولية، لوثت فورتها القطاعات  المستعصية على التحكم من قبيل قطاع الاستغلال، لدرجة أن جرأة قرار حماية أموال الدعم من خلال اعتبارها تسبيقا على المداخيل ظلت موضوعيا غير قابلة للتنزيل، ليبقى الدعم مجرد هبة مستباحة لأفلام كثيرة لم تضف أية قيمة إبداعية او فكرية للفيلم المغربي، و السبب يكمن في بدعة استدعاء الشعبوية البصرية في أحط مستوياتها، ولا أجد حرجا في نعتها بالتشرميل البصري، من خلال أفلام تقدم نفسها على أنها أفلاما للجرأة  و الحداثة من اجل التغيير ومناوشة الفكر التقليدي، دون أن يكون لهدا الصدام مع عين المتلقي المغربي في مختلف انتماءاته أي ضرورة  ثقافية أو اجتماعية ملحة فعليا، بقدر ما استفادت منه القوى التقليدية لتعزيز أطروحاتها حول تحصين القيم و الأخلاق، لقد أدت هذه النوعية من الأفلام إلى ارتجال و فوضى في الخطابات المنجزة حولها مابين مؤيد دون ضمانات، ومعارض حد العنف اللفظي و استقطاب مفاهيم نقدية جديدة من قاموس بعض الدول العربية التي عرفت دخول التيارات الإسلامية على خط السجال حول المنتوج البصري، كان من الممكن أن ندمج هذا التعارض قي سياق طبيعي ونجد له كل المصوغات التبريرية، لو أن رواد هذه النوعية من الأفلام اندمجوا في تيار سينمائي جديد و ببيان توضيحي– حالة ظهور العديد من التيارات السينمائية العالمية – يحدد أسس و أهداف التوجه الجديد، إلا أن قصة فيلم ( ماروك) بإحدى دورات المهرجان الوطني، و الحماية  التنفيذية التي يشاع أنها أثرت على قرار لجنة التحكيم الرسمية لبزوغه كظاهرة، التقطت بمكر دكي من طرف العديد من المخرجين الذين رأوا في تتويجه تلميحا جليا ورسميا لما يجب أن يكون عليه الفيلم القابل للدعم، بانتقائية لأعضاء لجنة القراءة – مع احترامي و تقديري لمجالات اختصاصهم -  في غياب التمكن من أدوت قراءة النصوص الأصلية على الورق باعتبار كتابتها هي كتابة أدبية مستقلة تستدعى من القارئ القدرة على نقل الكلمة إلى شاشة وهمية بما يسمح بتحويلها إلى صور.
 
إننا حينما نطرح هذه الأفكار المتناثرة، فلأنها تشكل أساس الحكم النسبي الذي ينوء بنفسه عن القياس و المقاربة الجبرية التي تحتمل الإيجابي كما تحتمل السلبي، وهي حقيقة محسوم في أمرها أثناء تدبير أي مرفق عمومي له حساسيته الخاصة من مثل المركز السينمائي المغربي، ولعل المثير بين ثنايا منهجية التدبير تلك، هي ما يشبه الردة على النقد، وسقوط العديد من رهانات العديد من الأطراف النقدية، التي كانت ترى في المرحلة مرحلة شرعنة الخطاب النقدي السينمائي المغربي، و الاعتراف به كمكون ضروري من مكونات تطور السينما المغربية، لتنتكس الطموحات بعد بزوغ بعض التوترات الغير المفهومة، احد أبرز سماتها سابقة إلغاء لجنة النقد من القانون المنظم للمهرجان الوطني، وتنقيط وتصنيف الأطراف النقدية وفق مزاجية قد تكون لها تقويماتها الخاصة لدرايتها بالمجال، لكنها تبقى بعيدة عن الحياد المفترض، لدرجة الإخلال حتى ببعض التعهدات من طرف واحد، لأن الطرف الآخر و بالرغم من قبوله على مضض النطق باسم أنشطة المركز و التسويق لها والتزامه بكل بنود الشراكة، وجد نفسه أمام كابوس قطع اللسان، لأنه سمح بمساحة للكلام لمخرج معين، قد تكون هذه الاستنتاجات غير مؤسسة ، بناءا على احتمال عدم وجود نية الإلغاء بالشكل الذي يمكن أن نتصوره، لكن ما هو مؤكد هو أن هذا الفعل خلق شيعا نقدية احتمت بالترويج لأسطورة الطفرة في السينما المغربية، حفاظا على مكاسب طفيفة من قبيل حضور المهرجانات التي يشرف عليها المركز السينمائي المغربي، لذلك يمكن أن نفهم غياب النقد  المرتبط بمناوشة كل القضايا الإستراتيجية للسينما المغربية ، وتعويضه بالتهليل للكم.
 
إن سقوط النبوءة المبشر بها بالنسبة للنقد السينمائي المغربي، وسقوط رهانات بعض القطاعات السينمائية و الغرف المهنية التي كانت تصوغ مسودات أفكارها ضمن كواليس النميمة المغلقة، يبين عسر و صعوبة إسقاط البدائل النظرية على أرض الواقع، ليس فقط بسبب وجود ترسانة قانونية معدة سلفا، ولا مجال لمراوغتها إلا في رقعة جد ضيقة، بل لأن تفسير الأنا الذاتي لمجال التحرك ،قد يفرض عليه أثناء اتخاذ القرارات و المواقف اعتبار ديكتاتورية التسيير شرا مباحا، و هو ما يفسر كل الذرائع التي يمكن للمسؤول الاحتماء بها، خصوصا حينما يتم الاشتغال ضمن فسيفساء غير قابلة للتوليف و التآلف، لتضارب المصالح و الطموحات في مجال من مثل مجال السينما، لكن لابد من التأكيد على أن نجاح الأنا بكل ما يمكن أن تتضمنه من مزاجية في التسيير، تحتاج إلى كاريزما خاصة ليست في متناول أي كان، وهنا وللمرة الثانية و من باب ثقافة الاعتراف لابد من التأكيد على امتلاك السيد نور الدين الصايل لتلك الكاريزما، التي تملكها وطورها من خلال معايشته  و إلمامه بتاريخ السينما المغربية و إكراهاتها، ومن معرفته الدقيقة بخريطة المشتغلين بها و حولها، ومن خلال امتداد علاقاته التي عاشها و عايشها من خلال تجارب متعددة وطنيا ودوليا، الشيء الذي تم استثماره من موقع  شخصيته الرمزية لتسويق رأس مال سمعة السينما المغربية خارج حدودها الجغرافية، بدليل الإقبال عليها من عديد من المهرجانات الدولية،  وعدد الجوائز التي انتزعتها، بل الأكثر من هذا نجاح الدبلوماسية السينمائية  قبل الدبلوماسية السياسية في إعطاء دفعة محترمة لعلاقات جنوب جنوب.
 
إنني حينما أحاول إدارك وفهم هذه المعطيات  بنوع من التجرد، وخارج ما اصطلحت عليه ضغط نتائج العملية الجبرية ، كنتائج غير قابلة للتطبيق على الممارسة الإنسانية، فلأنني مقتنع بضرورة الفصل المنهجي بين فعل الذات كفعل إنساني مرهون بالتفرد و الخصوصية التي  لا يمكن أن نفصلها عن الذاتية  وتوابعها من مثل النرجسية في بعض الأحيان، و بين وعي الذات  كفعل نظري يؤطره الوعي بمجال الاشتغال، والجرأة على الإبداع وفق قناعات و تصورات بمرجعيات نظرية، قد تصيب في شروط معينة، وتفشل في شروط أخرى.وهو ما كان حريا  على المنادين بالعريضة المجهولة الهوية ، الذين التجأوا  إلى السرية خوفا من عواقب كل تغيير وارد، الإفصاح العلني  و بكل وضوح عن الحيثيات المنطقية التي تؤكد على حاجيات المرحلة السينمائية المغربية لاستمرار الرجل بما يفيد استمرار الحاجة لنجاعة تدبيره و اختياراته، وفي ذلك حفاظا على تاريخ الرجل، بدل الإساءة إليه– من وجهة نظري الخاصة – بالتسول إلى الجهات العليا فقط.
 
إن أي حديث عن منجزات نور الدين الصايل على هرم المركز السينمائي المغربي، أو عن إخفاقاته، لن يكون سوى حديثا نسبيا لا يمكن أن يحصل عليه الإجماع، لكن لن يختلف اثنان بعد اليوم على أنه أصبحنا نمتلك مرجعية يمكن اعتمادها في كل مقاربة للتقويم، تعتبر مرحلة نور الدين الصايل مرحلة فارقة للقياس على سلمها، وهو مكسب جديد لمنتجي الخطاب حول السينما بالمغرب، إدا صبح على الأقل بالإمكان توظيف مفهومي الأزمة أو النكوص بشكل يبتعد عن العبثية و المزايدة كما ألفنا ذلك، وأعتقد أن هذه المقاربة بدأت فعلا منذ الإعلان عن لائحة المرشحين السبعة لتحمل المسؤولية، وهي مقاربة ذهنية أولية تحاول استنطاق بروفايلاتهم لمعرفة  مدى قدرتهم على تدبير الشأن السينمائي المغربي المنتفض على ذاته، و الحفاظ على هذه الانتفاضة بمنظور استراتيجي لا يخفي كسل التفكير و الاجتهاد و المبادرات، في جلباب الإداري التقنوقراطي الذي تتحدد وظيفته في لعب دور الوسيط بين القوانين و المشتغلين بالمجال السينمائي، حتى و إن خرج بعض المسافات عن انتظارات الوزارة الوصية، إدا افتراضنا أن هناك انتظارات جديدة  لم تستطع النظرة المستحدثة لوظيفة السينما من زاوية المبشر السياسي بنظافتها   إلى تحقيقها، مما يعتقد معه البعض أنه كان سببا مباشرا في التغيير.
 
لم أكن أروم  من خلال كل هذا الكلام  لا إلى نفي مشروعية العريضة لأنني أجد نفسي نظريا داخلها، ولا إلى نقد بعض ما تبدى لي هنات خصوصا في دوافع ومسببات نكوص النقد السينمائي المغربي في هذه المرحلة، وذلك لسبب بسيط و قناعة راسخة، مفادها أن حتى حضور جدلية التوتر و الصراع يمكن أن يلعب نفس الدور للفعل و رد الفعل داخل اي شريط سينمائي، لأن كلاهما يدفعان بالواقع إلى الأمام، و بالواضح أثير تكميم الألسن في إطار تلك الجدلية قصد البحث عن تحريرها بالبرهان و الدليل، على إطلاقها على عواهنها مقابل استمالتها و استعطاف لغتها تجنبا لكل خدش محتمل ، لأن من شان ذلك أن يؤدي إلى الشلل في الاجتهاد إن لم يؤدي إلى السكون و الجمود، ومن خلال هذا أحدس انه بعد تعيين المدير الجديد للمركز السينمائي المغربي، ستتشكل طوائف و شيعا جديدة، ولا غرابة إن وجدنا بعضا من رواد العريضة يبدلون الحلة، لينقلب معتزلة الكلام حول السينما إلى خوارجها، وخوارجه إلى معتزلتها، لكن لن يستطيع أحدا تغيير منطق الحقيقة و التاريخ.
 
 
عبد الجليل لبويري
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
عبد الجليل لبويري

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل