المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

المقاربة القانونية لإنهيار البيوت المهددة بالسقوط

الجمعة 2 نونبر 2012

المقاربة القانونية لإنهيار البيوت المهددة بالسقوط
عاشت المدينة القديمة بالدار البيضاء مرة أخرى في الأسبوع الماضي إنهيار بعض المنازل في درب لوبيلا وحي تزارين بمقاطعة سيدي بليوط  فوق رؤوس أصحابها مخلفة وفاة العديد من الأشخاص. فهذا الموضوع يعيد مرة موضوع السكن غير اللائق إلى الواجهة خصوصا وأن بعض المدن المغربية مثل الدار البيضاء ومراكش وفاس لا تزال مهددة من حين لآخر بسقوط العديد من الدور السكنية مما قد يزيد في إرتفاع عدد الوفيات وضحايا السكن غير اللائق ببلادنا.
إن المدخل الأساسي  للمقاربة القانونية لإعمال الحق في السكن اللائق تتجلى في كون الحقوق الإجتماعية تشكل جسدا  واحدا  لايقبل  التراتبية بين مكوناته ، فالحق  في الكرامة الإنسانية  هو الاصل في التمتع بالحقوق الاجتماعية كالحق  في السكن اللائق و الرعاية الصحية والبيئة السليمة.
فالقرار 181/3 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والمتعلق بالإستراتيجية العالمية للسكن اللائق يتضمن مقتضيات تشكل معايير دولية أساسية لتدمير  البيوت المهددة بالسقوط وإخلاء المساكن الذي يتكامل مع المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي  تفرض على سلطات الدولة احترامها في سياق عمليات الهدم والإخلاء للمساكن غير اللائقة على اعتبارها ضمانات أساسية لحقوق الإنسان أهمها:
إعلام السكان بعمليات الإخلاء المقترحة وعند الاقتضاء إتاحة فرصة التشاور مع المتضررين لتحديد تاريخ الهدم
- عدم الهدم والإخلاء  دون موافقة السكان
- عدم  الهدم والإخلاء أثناء الليل وفي  وقت سوء الأحوال الجوية
- عدم تشريد السكان بعدم عمليات الهدم  والإخلاء 
 ضمان  توفر السكان بعد عمليات الهدم والإخلاء على  الحماية اللازمة والتعويضات المناسبة؛  
توفر السكان على السبل القانونية بواسطة القضاء في حالة عدم احترام  مؤسسات الدولة للتعويض وإعادة الإسكان.
إن الفقرة الأولى من المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 تعد  مرجعية لتأصيل مسؤولية الدولة في ضمان حق المواطن في السكن اللائق، إذ تنص على "حق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرتهم والحق في تحسين متواصل لظروف معيشته".
وقد حددت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان مجموعة من المعايير تشكل مرجعية لالتزامات الدول الأطراف في مجال الضمانات الدولية للحق في السكن اللائق.
إن اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في دورتها السادسة عام  1991 حددت المعايير الدولية للسكن اللائق في إطار الاستراتيجية العالمية للسكن، وعرفت السكن اللائق في كونه يعني التمتع بالدرجة الملائمة من الخصوصية، والمساحة الكافية، والإنارة والتهوية الضروريتين ، والموقع الملائم بالنسبة إلى أمكنة العمل والمرافق الأساسية وكل ذلك بتكاليف معقولة. و ترى لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أنه يجب تفسير الحق في المسكن المناسب تفسيرا واسعا يتجاوز مفهوم الجدران الأربعة الذي تحيط بالإنسان لصالح مفهوم أكثر شمولا وهو العيش في مكان ما بأمن وسلام وكرامة، لقد تجاوزت اللجنة المذكورة في تعليقها العام رقم 4 (6) بشأن الحق في المسكن المناسب الفكرة المادية للمسكن لصالح فكرة تجمع بين الطابع المعنوي والمادي للسكن اللائق.
وتلتزم الدولة المغربية بموجب المعايير الدولية للسكن اللائق بتقديم إعانات سكن للفئات الاجتماعية التي لا تستطيع الحصول على مساكن يمكن أن تتحمل كلفتها، فضلا عن تحديد أشكال ومستويات تمويل الإسكان ووفقا لمبدأ مراعاة القدرة على  تحمل لتكاليف السكن. كما إن المسكن الملائم  يجب أن يكون صالحا للسكن  من حيث توفير المساحة الكافية لساكنيه وحمايتهم من البرد والرطوبة والحر والمطر والريح، كما يجب أن  يحترم ضمانات السلامة الجسدية والأمن والحماية من العوامل التي تهدد الصحة.
وفي هذا الصدد تلزم اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الدول الأطراف بالامتثال بصورة شاملة للمبادئ الصحية للسكن التي أعدتها منظمة الصحة العالمية والتي تعتبر أن السكن يشكل العامل البيئي المرتبط على نحو أكثر  تواترا بالحالات المسببة للأمراض في تحليلات الوبائيات، أي أن السكن وظروف المعيشة غير الملائمة وتكون بصورة دائمة مرتبطة بارتفاع معدلات الوفيات والإصابة بالأمراض.
إن إمكانية الحصول على سكن ملائم يجب أن تكون متاحة للفئات التي يحق  لهم الاستفادة منها، ويجب أن تتاح للجماعات المحرومة إمكانية الاستفادة بصورة كاملة ومستمرة من  السكن الملائم. والهدف من ذلك هو خلق نوع من الترابط بين سياسة الإسكان والاحتياجات الخاصة لهذه الجماعات أو الفئات المعنية.  وترى اللجنة أنه  ينبغي تحديد سياسة حكومية واضحة ترمي إلى إرساء المساواة بين جميع الناس في الحصول على سكن آمن ولائق تتوفر فيه ابسط مستلزمات العيش الكريم.
وتجب الإشارة على أن مقتضيات المادة (11-1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وقبلها المادة (25-1) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ألزمت الدول الأطراف باحترام مجموعة من المبادئ المعلقة بضمان الحق في السكن:
- إتخاذ  التدابير المناسبة لضمان إتاحة الحصول على مسكن ملائم بثمن معقول.
- حماية هذا الحق وضمان عدم الاعتداء عليه سواء من جانب الدولة أو من جانب الغير.
- توفير الحماية للمنازل وعدم الإضرار بها.
- ضمان الحق في المسكن الملائم للجميع ودون تمييز لأي سبب كان بين الأفراد في تمتعهم به، وممارستهم له.
إلا أن أهم ملاحظة أساسية يمكن تقديمها بشان السكن الاقتصادي في استراتيجية الدولة المغربية هي أنها تفتقر إلى مقاربة المعايير الدولية، حيث أن الشقق المنجزة في إطار السكن الاجتماعي هي عبارة عن صناديق إسمنتية تفتقر إلى المرافق الضرورية التي تم التنصيص عليها في المعايير الدولية لإعمال الحق في السكن اللائق مثل إحترام مبدأ الخصوصية والمساحة الكافية والتهوية والقدر الكافي من الراحة والإضاءة وتوفر عمليات السكن الاجتماعي أو الاقتصادي على المساحات المخصصة للتجهيزات الجماعية والمنشآت ذات المصلحة العامة من مستوصفات ومساحات معدة للأنشطة الرياضية ومساحات خضراء وطرق والمرافق اللازمة للصحة والابتعاد عن التلوث.
 
فالمعايير الدولية للسكن اللائق غائبة عن السكن الاجتماعي أو الاقتصادي في المقاربة المغربية، فما نلاحظه في هذه العمليات السكنية هو تثبيت  عمارات متداخلة ومتشابكة ككثل إسمنتية متلاصقة ومكدسة، تقوم على ترشيد المساحة،  ولم تترك مكانا  للمرافق الاجتماعية مما يشكل كارثة حقيقية، إن لم تتدخل الدولة بثقلها لإرغام كل الشركات والمقاولات على احترام كناش التحملات والتقيد بشروطه، فوجود تجمعات سكنية وعمارات متلاصقة بدون مناطق خضراء ومرافق ضرورية يتنافى مع المعايير الدولية للسكن اللائق.
إن المؤشرات الحقيقية لمحاربة معضلة البناء غير اللائق يتعين أن ترتبط بالتوفر على برنامج متكامل لمحاربة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تؤدي  إلى التهميش والحرمان وهو  مايستدعي تطبيق  برامج إعادة توزيع مجالات النفقات العامة قصد دعم الفئات الأكثر فقرا والتوفر على برنامج متكامل لحماية الأسرة.
فنجاح البرنامج الوطني للقضاء على السكن العشوائي رهين بوجود إرادة سياسية للقضاء على صور الفساد السياسي خصوصا في فترة الاستحقاقات الانتخابية، حيث يتنافس المترشحون المنتمون للمجالس البلدية والجماعية على تشجيع خلق دور  الصفيح والبناء العشوائي مقابل الحصول على أصوات البؤس والمعاناة في الأحياء الهامشية ودور الصفيح وأيضا القضاء على صور الفساد الإداري بتفشي الرشوة والأنشطة الريعية حيث يتبين أن بعض ممثلي السلطات المختصة يتاجرون في دور الصفيح ويتلقون إتاوات ورشاوي مقابل "حماية" البناء العشوائي على نحو يتنافى مع ضوابط البناء المنصوص عليها في الفصل الرابع من مدونة التعمير.
إن الدولة مدعوة في إطار تخليق الحياة العامة، إلى محاربة شبكات مافيا العقار ببلادنا خصوصا بالمدن التي تعرف نهضة عمرانية وسياحية والتي تتشكل  أحيانا من المنتخبين في المجالس الجماعية والبلدية والمسؤولين عن الشأن المحلي الذين يعيقون مسار التحول الديمقراطي الذي تعرفه بلادنا وتعطيل حركية التنمية الاقتصادية من خلال الاستيلاء على الأراضي لإشعال فتيل حمى حقيقة في مجال العقار.
 
يوسف البحيري / كلية الحقوق مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
يوسف البحيري / كلية الحقوق مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل