المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

المفكر المغربي روائيا

الاربعاء 12 ديسمبر 2012

المفكر المغربي روائيا
 
من أبرز الظواهر اللافتة في المشهد الثقافي المغربي تحول غير قليل من المفكرين المغاربة من حقل الفكر والفلسفة إلى حقل الأدب؛ إذ ما فتئ العديد من أساطين الفكر المغربي يطالعون القراء والمهتمين بإنتاجاتهم الإبداعية التي تمتح من معين الخيال وتجوس في حنايا النفس البشرية تستظهر دواخلها وتستطلع خفاياها وتستجلي أسرارها المخبوءة وعوالمها الغامضة، كما أنها تعيد التأمل في واقعها عبر مصفاة الذات الإبداعية التي تعيد تركيب الواقع بطريقة تخييلية خلاقة. 
وقد تنوعت اهتمامات هؤلاء المفكرين بمجالات الأدب ما بين الشعر والقصة والرواية والسيرة الروائية فقد كتب الفيلسوف والمفكر محمد عزيز لحبابي روايتين أولاهما 'جيل الظمأ' (1967) وثانيهما 'إكسير الحياة'(1974) كما ترك ديوانين شعريين باللغة العربية أحدهما 'بؤس وضياء' والآخر 'يتيم تحت الصفر' أما المفكر عبد الله العروي فتفرد من بين المفكرين بكتابة رواية 'النهر' ضمن مشروع روائي بدأه برواية 'الغربة'(1971 ) ثم 'اليتيم' (1978) ثم 'الفريق' (1986) ثم 'أوراق' (1989) والروايات الأربع تشترك في كونها تتعرض لشخصيات بعينها وتدور في فضاءات مشتركة وتثير موضوعات متواترة، كما كتب روايتين أخريين هما 'غيلة'(1998) و'الآفة' ( 2006 ) .
أما بنسالم حميش فقد غلبت شهرته الروائية شهرته كمفكر ولاقت الكثير من رواياته حظا كبيرا من النجاح نذكر منها 'مجنون الحكم' (1990)، و'العلامة' (1997)، و'زهرة الجاهلية' (2003)، و'هذا الأندلسي' (2007)، هذا فضلا عن أعماله الشعرية المتعددة. ولعل السؤال الذي ينتصب أمام ذهن القارئ في هذا المقام هو لماذا اختار المفكر المغربي أن يتحول إلى حقل الأدب في بعض مراحل حياته الفكرية؟ ألأنه أراد أن ينفلت من جفاف الفكر ويتنصل من صرامة التحليل ويتحرر من أسر الواقع ليتنفس حرية الخيال الفسيح؟ أم أن الكتابة الإبداعية أوفى وأبلغ من الكتابة الفكرية في أداء المعنى خاصة عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن خلجات النفس ووصف ما تمور به من العواطف المشبوبة والمشاعر المتوقدة؟ وهل وفق هؤلاء المفكرون في إبداع أعمال أدبية ذات صياغة فنية مخصوصة تناسب مقتضيات السرد والخيال بعيدا عن نثرية الخطاب الفكري ذي الوظيفة النفعية لتكتسب صبغتها الجمالية ووظيفتها الأدبية؟ ثم هل يمكن اعتبار الكتابة الإبداعية لديهم رديفة لكتاباتهم الفكرية السابقة؟ 
في محاولتنا الإجابة على هذه الأسئلة سنقتصر على دراسة نموذجين اثنين من هؤلاء المفكرين لقيا كثيرا من الذيوع والمقروئية في أوساط القراء والمهتمين داخل المغرب وخارجه يتعلق النموذج الأول بالفيلسوف عبد الله العروي، بينما يتعلق النموذج الثاني بالمفكر بنسالم حميش عبد الله العروي الكتابة الروائية والبحث عن الذات يتمتع الفيلسوف عبد الله العروي بحضور متميز في المشهد الثقافي العربي، فهو من المفكرين المعروفين في الأوساط الثقافية العربية والغربية بتنوع اهتماماته، وتعدد إنتاجاته المعرفية من تاريخ وفلسفة وسياسة...إلخ، هذا فضلا عن اهتماماته الإبداعية. فالقارئ العربي يعرف عبد الله العروي من خلال كتاباته الفكرية الجريئة التي طرحت أسئلة دقيقة ومحرجة على الواقع العربي في جميع امتداداته الثقافية والسياسية والتاريخية في محاولة لتقويض البنى الثابتة وخلخلة القيم الماضوية التي تقف عائقا أمام التغيير وتحقيق النهوض المنشود، كما يعرف عبد الله العروي الروائي الذي أتحف الخزانة الروائية العربية بمنجزه الروائي الحافل والمتميز لكن الذي يمكن أن يعزب عن بال القارئ المهتم بإنتاجات عبد الله العروي أن أعماله التخييلية هي استمرار وامتداد لمسيرته الفكرية فهو يقول 'إني لا أميل إلى الرواية إلا بدافع تجاوز ما يظهر من صرامة تحليلاتي الأيديولوجية والتاريخية' (1) وكأني بالأستاذ العروي يستشعر أن التعبير الأدبي أوفى من الكتابات الفكرية في استيعاب نفثات صدره ودواخله وهواجسه. وما يقوي لدي هذا الاعتقاد هو قول العروي 'إذا سئلت ما هو الغرض من كتابتك للقصة فلا بد أن أجيب أن الغرض منها هو التعبير عن أشياء لا أعبر عنها بالتحليل العقلاني.لو كان التحليل العقلاني بالنسبة لي كافيا للتعبير عن كل ما أحس به لما كان داع لكتابة القصة '(2) . إن حديث العروي هنا لا يعني أن أعماله الإبداعية نسخ مكرورة لكتاباته الأكاديمية لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان ثمة داع لكتابة الرواية، وهذا ما يفهمه القارئ من قول العروي 'يخطئ من يظن أن المادة واحدة وأن ما يوجد في الأعمال الأدبية يوجد في الأعمال التحليلية'( 3) الأمر الذي يستوجب حذرا شديدا في التعامل مع الخطابين الفكري والأدبي من منطلق خصوصيات كل منهما. 'إلا أنها تظل في العمق مع ذلك متكاملة تعكس في مجملها صورة العروي في أبعادها المختلفة الأدبية والفكرية العقلانية والعاطفية الموضوعية والذاتية '(4 ) 
إن تجربة الكتابة الروائية عند عبد الله العروي رحلة في سبيل البحث عن الذات واستكناه مجاهلها وسبر أغوارها في ظل إخفاق الأحلام الجميلة التي ارتطمت بواقع آسن ينخره الفساد وتعشش فيه الأنانية والانتهازية والأمية (وهذا ما صورته، مثلا، رواية 'أوراق' من خلال شخصية المثقف إدريس الذي تجرع مرارة الخيبة والغربة بعدما اصطدم حلمه في مغرب مستقل وناهض بواقع مترع بالجهل والانتهازية ). يقول العروي: 'العبور من الحب إلى التاريخ هو الوصول إلى سن النضج، أما الانتكاس من التاريخ إلى الحب فهو الصد عن الإخفاق الاجتماعي، ينعزل المرء فيعود إلى حياته الشخصية.. وبالتالي إلى الحب'( 5) 
وعالم الذات هو عالم ملتبس يلفه الغبش ويكتنفه الغموض، لا يناسبه إلا عالم الأدب والفن الذي يتولج إلى مساربه المعتمة ويجوس في أنحائه القاتمة ؛ وفي ذلك يقول العروي 'فحتى ذلك الذي تخترعه أو تظن أنك تخترعه في الواقع لا يمكن أن تعرف عنه كل شيئ لأنه في مجتمعنا الحالي إذا أردت أن تكون واقعيا لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار، وهذا أمر واقع ملموس، أن كل شخص تراه إلا وفيه شيئ غامض باعتبار أنك أنت نفسك غامض ودليل الغموض أنك تكتب القصة. لو كنت تعرف نفسك جيدا لما كتبت الرواية'(6). بهذا المعنى تصبح الكتابة الروائية عند عبد الله العروي ارتيادا للعالم الباطني والحميمي للمبدع التي لا تخضع لقوانين العقل أو التفكير المنطقي الصارم.
وإذا رحنا نبحث عن الشواغل الإبداعية التي كانت تأخذ باهتمام عبد الله العروي عبر متنه الروائي المتعدد سنلفي أن المسألة الثقافية تأتي في صدارة القضايا التي كانت تلح على ذاته الإبداعية وذالك من خلال التبئير على البعد الذاتي في شخصية المثقف الوطني الضائع والمغترب الذي باء بالإخفاق في إصلاح الواقع المنخور فانكفأ يناجي الإخفاق والمرارة. وهذا ما يفسر لنا لماذا كانت الموضوعة المهيمنة على المتن الروائي هي موضوعة الإخفاق وما يلف لفها من قبيل الإحباط والخيبة والانعزال والسخط... وهي تيمات تنفتح على آفاق نفسية واجتماعية وتاريخية تضع الأصبع على أزمة الفرد في المجتمع. إن تسلل الكاتب إلى باطن شخصية المثقف والتقاطه لهواجسه الذاتية العميقة ما كان ليتأتى عبر أدوات التحليل المنطقي وأساليب المعالجة العقلانية وهي المهمة التي تكفل بها التعبير الروائي الذي كشف عن تركيبتها النفسية وطبيعتها الوجدانية وعوالمها الخاصة مقدما بذالك شطرا هاما غير معروف من أبعادها الشخصية. 
بنسالم حميش: كتابة الواقع بمداد التاريخ
يتبوأ بنسالم حميش مكانة متميزة في بؤرة المشهد الروائي العربي؛
فقد لاقت رواياته كثيرا من الذيوع والتقدير مغربيا وعربيا،خاصة أن إنتاجه الروائي يمثل تجربة متميزة في البحث عن كتابة روائية أصيلة تستمد طرائقها وتقنياتها ولغاتها وأزمنتها وفضاءاتها من التراث السردي العربي القديم، وتسعى لاستثمار معطياته الفكرية والجمالية لبناء عالمها التخييلي، وذالك في أفق البحث عن شكل روائي مغاير مستوحى من التراث العربي يسعى للانفلات من هيمنة الأنماط الفنية الغربية السائدة التي أسرت الرواية العربية ضمن قوالب تعاطى معها العديد من روائيينا بغير قليل من التقديس.
والمعروف أن بنسالم حميش قدم إلى عالم الإبداع الروائي من مجال فلسفة التاريخ ، فقد عكف على دراسة التاريخ العربي؛واشتغل محاضرا بجامعة محمد الخامس في تخصص فلسفة التاريخ، وأنجز عبر مشواره العلمي الطويل عدة أبحاث منشورة نذكر من بينها: 'التشكلات الايـديولوجية في الإسـلام: الاجتهاد والتاريخ'، و'الخلدونية في ضوء فلسفة التاريخ'. ولا شك أن القارئ سيتساءل عن سر هذا الارتحال من الفلسفة إلى عالم الرواية، وعن معناه ودلالته بالنسبة إلى روائينا .والحقيقة أن القارئ سرعان ما يعثر على الجواب في تضاعيف المتن الروائي لبنسالم حميش؛ فعند التطواف في العالم التخييلي لنصوصه الروائية التي تفاعلت مع التراث التاريخي يتضح أن بنسالم حميش لا يستعيد التاريخ بكيفية استنساخية ساذجة، أو من خلال نقل فوتوغرافي فج، وإنما يعيد صياغة النص التاريخي بطريقة إبداعية لا تتيحها الدراسة الأكاديمية ومناهجها العلمية الصارمة، وعلى نحو يمكن من التسلل إلى المناطق المنسية وسبر الأغوار المهمشة التي أغفلها المؤرخون للوصول إلى جوهر الحقيقة الغائبة أو المغيبة. إن حقيقة الفن ليست في أن ينقل الواقع بأمانة، فتلك مهمة المؤرخ، وإنما في 'أن ينقل الواقع بعمق' ولو استدعى ذلك من الروائي أن يقوم بضفر العناصر التاريخية الواقعية بأخرى متخيلة؛ فإذا أخدنا على سبيل التمثيل النصوص التي تركها المؤرخون عن شخصية الحاكم بأمر الله الفاطمي التي تتناولها رواية 'مجنون الحكم'، سنجدها تعطي صورة ما عن هذه الشخصية تكون كافية 'لتحرير رسالة جامعية أو مؤلف دراسي، [إلا أنها] تصير غير كافية إن سعينا إلى تمثل شخصية ذلك الطاغية في بعدها الفكري والنفسي أو الوجودي' (7). إن الرواية استقصاء وتحر في التفاصيل المنسية في مفردات الحياة الضرورية التي أهملها المؤرخون والتي لم تحظ باهتمامهم، وكي تنفخ الرواية الحياة في التفاصيل الضرورية فإنها تلجأ إلى الخيال الذي يشتغل على الظلال والمناطق التي لا يصلها التاريخ، وقلما يفكر فيها المؤرخون فتعمل على ملء الفراغات، وسبر أغوار المسكوت عنه، ونبش خباياه الداخلية. فعن طريق الخيال يتعمق الروائي باطن الشخصية ويحلل نفسيتها، ويصف عواطفها الحميمية، ومشاعرها الخاصة، على حين أن المؤرخ يضطر إلى الاقتصار على الربط بين المقدمات والنتائج ، والنقل الأمين لما وقعت مشاهدته أو سماعه؛ لأن حديثه عن باطن الشخصية، وكشفه عن عوالمها الداخلية الخاصة من دون إحالة إلى وثيقة أو شهادة يقود القراء إلى الطعن في مصداقيته العلمية ، والتشكيك فيما يقدمه من مرويات وأخبار. ثم إن إعادة كتابة التاريخ روائيا، عند حميش، توحي، بالاضافة إلى ما تقدم، بوجود' أزمنة متعالقة متـقاطعة وليس بزمن واحد محدد، زمن الرواية التاريخية التقليدية كما عند موروا أو جورجي زيدان وعلي باكثير'(8) أي أن الروائي يكتب الحاضر بلغة الماضي ؛حيث تتقلص المسافات ويتداخل الزمن؛فيصبح الحاضر ماضيا ، والماضي حاضرا. فالرواية وإن كانت ترصد ظاهريا أحداثا هي في طي الزمن الغابر، فإنها تتخذ من ذالك منفذا لمعالجة معضلات الواقع؛ فهي تعيش في قلب اللحظة التاريخية الراهنة بكل إشكالاتها وانشغالاتها، إذ لا يوجد واقع منفصم العرى ، منبت الأواصر عن أصوله التاريخية وجذوره الماضية.
إن انصهار التاريخ والتخييل في روايات بنسالم حميش لم يأت فقط استجابة لضرورة فنية، وإنما، هوكذالك، حاجة فكرية وإيديولوجية تتغيى الوقوف على اختلالات النظام السياسي العربي وإدانته حيث يتحول النقد المتضمن في العالم الروائي حافزا استفزازيا لتغيير هذا الوجود المختنق نحو واقع العدالة والحرية والديمقراطية. إن الغاية من تناول موضوعة السلطة في الكـتابة الروائية كما يصرح حميش 'هي الإسهام في تقريب الحكم من الوعي العام وإرجاعه إلى دوائر الشفافية والإدراك بعيدا عن هالات القداسة والتعالي وعن سيطرة الطلاسم والألغاز، وتلك مهمة اكتشفها منذ أواخر القرن الخامس قبل الميلاد بيريكليس ووضعها حجرا أساسا لنظام حكم أسماه: ديمقراطيا' (9).
هكذا نجد تيمة السلطة تمثل الشاغل المركزي في المتن الروائي عند بنسالم حميش وذالك في ظل واقع عربي مدجج بالقهر والقمع والكبت السياسي الضارب بجذوره في أعماق التربة السياسية العربية؛ لذالك فإن القارئ لايغيب عنه الإحساس بأنه في قلب اللحظة التاريخية المعاصرة رغم اتكاء المتن الروائي على التراث التاريخي واستحضار فضاءاته وأحداثه وأزمنته وأساليبه ولغته.
وقد يكون الباعث على التدثر برداء التاريخ هو التعبير الكنائي والرمزي عن القضايا السياسية الحساسة كمظلة أو قناع للإفلات من الرقيب خاصة أن بنسالم حميش تعرض للتضييق على حريته ونشاطه الفكري والثقافي في فترة اتسمت بغياب شبه تام للحريات السياسية ؛فقد تعرضت مجلة 'الزمان المغربي' التي كان يصدرها إلى المنع بأمر من وزارة الداخلية؛ وذالك خلال سنوات السبعينيات؛وفي سنوات الثمانينيات أسس مجلة 'البديل' التي طالها ، هي الأخرى ، قرار المنع إثر عدد خاص عن أدب الاعتقال.
وبالجملة نقول أن أحد أهم دواعي الكتابة الروائية المستندة إلى التراث التاريخي عند المفكر بنسالم حميش هو التعاطي بأسلوب استعاري مع القضايا الملحاحة للواقع العربي باستثمار ذخيرة التراث وتفجير طاقاته الفنية والفكرية الثرة التي أبانت في نصوصه عن قدرتها على ملامسة جوهر إشكالات واقعنا العربي المهيض.
 
* كاتب من المغرب
 
tarikrharmaoui@hotmail.fr 
 
1ـ عبد الله العروي، 'الأيديولوجية العربية المعاصرة'، ترجمة محمد عيتاني، دار الحقيقة، بيروت، لبنان ، الطبعة الأولى 1970 ، ص:174
2ـ 'الأفق الروائي'، حوار مع عبد الله العروي، مجلة الكرمل، العدد10 ، سنة 1984، ص:179
3 ـ 'التحديث والديمقراطية' حوار مع عبد الله العروي، مجلة الاداب ، العدد الأول والثاني، يناير فبراير 1995 ص:19
طارق غرماوي / القدس العربي
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
طارق غرماوي / القدس العربي

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل