المراكشية : بوابة مراكش

المدخل الطبوغرافي لمدينة مراكش الإسلامية الوسيطة/٤


العلامة محمد الطوگي / مراكش | حرر بتاريخ 10/05/2020




​ومن علماء الاستشراق الذين انتبهوا لهذا النسق وأخذوا به عمليا، أثناء زيارتهم العلمية لمدينة مراكش جوزيف شاخت (26) المختص في التشريع الإسلامي، صنف فيه ، وكتب عن مجموعة من مواده في الموسوعة الإسلامية ، زار شاخت مدينة  مراكش في غضون الخمسينات مرتين، فكان منطلق رحلته في التعرف على المدينة من خزانة ابن يوسف المرتبطة بمسجد علي بن يوسف بمدخلين داخلي و خارجي، والهدية التي قدمها بين يدي زيارته الأولى، عبارة  عن "كتاب الجهاد والجزية وأحكام المحاربين" من كتاب اختلاف الفقهاء للطبري، أصدره بعنايته وتحقيقه، وخط في الزاوية اليسرى من الصفحة الأولى للكتاب بالحرف والأسلوب العربيين : "هدية لمكتبة مدرسة ابن يوسف بمراكش المعمورة ، وتذكرة لزيارتي لها في شهر رجب 1369 هـ ، أدامها الله وأيد علماءها ، كتبه أفقر طلاب العلم، "يوسف شاخت". واكتفى في الكتاب الذهبي للخزانة في هذه الزيارة بكتابة اسمه ومقر عمله آنذاك وهو Collège  Oxford انجلترا.
وعندما عاود الزيارة ، وانطلاقا من نفس النواة، وعود على ما كان قد ابتدأ به من ذي قبل ، كتب في الدفتر الذهبي للخزانة لكن هذه المرة بالفرنسية .
« Pour la deuxième fois, je viens de passer des heures inoubliable et fructueuses dans la bibliothèque de la medrassa d’Ibn Youssef et avec mes amis les savants marocains «  11/10/1952
أزور خزانة مدرسة ابن يوسف للمرة الثانية، وقضيت فيها ساعات مفيدة، لا يمكن نسيانها، إلى جانب أصدقائي علماء المغرب .
إلى جانب هذا الاستشراق المنصف والمثبت لأصالة المدينة الإسلامية ، هناك استشراق مغرض نفي عن المدينة الإسلامية كل أصالة وتميز ونسق، واعتبرها عبارة عن بنى متناثرة عشوائية لا يجمعها جامع، ولا يربط بين مكوناتها رابط (27)، وفريق استشراقي ثالث نظروا إلى المدينة الإسلامية من خلال مخيال حضارتهم الغربية ، فاتخذوا مدخلها  الطبوغرافي من الساحة ساحة جامع الفناء، قياسا على ما وقر في أذهانهم عن الأجورا Agora اليوناينة أو الفوروم Forum الروماني .
من خلال ما تقدم نعلم أن نموذج المدينة الإسلامية الوسيطة هو المدينة المنورة، وأن مفتاحها الطبوغرافي هو المسجد الذي يتحكم في تأثيث ما يدور في فلكه من مؤسسات إدارية  وأسواق ومناطق سكنية وساحات ، دون أن ننسى فعل الزمان ودور التاريخ في تحوير تلك المنظومة المتوالية من مكونات المدنية من غيــــر مساس بروحها (28) .
نعم "فقد تجاور المسجد ودار الخلافة ابتداء اقتداء بالتنظيم الذي سنه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تحولت دار الإمارة ، في فترة لاحقة، إلى قبلة المسجد كي يستطيع الملك أو الأمير أن يخرج منها إلى الباب في جدار القبلة مباشرة، وينفذ إلى المقصورة دون أن يتخطى رقاب المصلين، كما حدث في الكوفة سنة 17 هجرية وفي البصرة سنة 44 هـ .
ثم دعت الحاجة الأمنية في بعض البلاد إلى تمهيد طريق يسمى ساباط، يربط القصر بمقصورة المسجد مباشرة ، كما حدث في قرطبة وإشبيلية .
ودعت نفس الدواعي إلى عزل المنطقة المركزية الجامعة للمسجد والقصر والدواوين (29) بواسطة سور يفصلها عن المدينة العامة أو ساحة - ولعل هذا هو شأن مراكش في عهد المرابطين حيث فصلت الساحة بين القصر والمدينة العامة ووظفت لأيام الزينة والمناسبات العامة -  وفي تنظيم تال، وفي عهد الفاطميين، انفصلت دار الإمارة نهائيا عن المسجد، ومهدت بينهما شوارع تتسع لموكب الحاكم أثناء خروجه إلى الصلاة ، مثلما حصل بسامراء والقطائع والقاهرة" (30). والتحوير التاريخي الذي حدث في علاقة المسجد ببقية البنى لا يعني أبدا انفصال الشأن الديني عن الشأن السياسي، كما هو حال انفصال الكنيسة البيزنطية والرومانية التي تتوسط المدينة، واستقلت عن قصر الحاكم، منبئة عن استقلال السلطة الدينية عن السياسية ، فما لله لله وما لقيصر لقيصر.
‎وما دمنا قد تحدثنا عن المدينة في علاقتها بالسيرورة التاريخية،  فإننا نضيف أن المدينة الإسلامية لم تنطو على نفسها انطواء تزمت، بل انفتحت على جميع الحضارات العظيمة، ثم إنها أسست مدينتها الذاتية النابعة من القانون السماوي. وقد أكدت خصوصيتها مختلف وظائف مؤسساتها الدينية والمدنية (31).
 
 
 

إحالات
 
26- جوزيف شاخت :1902-1969 .
ابتداء من 1927 أخذ في بناء  مجده العلمي بالتدريس  في معظم الجامعات الشهيرة الأوربية والعربية ، وانتخب عضوا في مجامع عدة منها على الصعيد العربي المجمع العلمي في دمشق، عني بدراسة التشريع الإسلامي ، وبيان شأنه وتطوره وتأثره  وأثره ،  كثرت أعماله وتراوحت بين مؤلفات انفرد بها  أو شارك فيها ، إلى جانب مقالاته الغنية في معظم المجلات المعتبرة في أوربا والعالم العربي. فمن أعماله تحقيق كتاب الحيل والمخارج للخصاف. وكتاب الجهاد والجزية وأحكام المحاربين من كتاب اختلاف الفقهاء للطبري ، ونشأة الفقه الإسلامي. وشارك إلى جانب شارل بلا وبرنالد لويس في الطبعة الجديدة من المعجم المفهرس لألفاظ الحديث .
‎ومن أعماله الخاصة  بالكتب والمكتبات : دراسات في خزائن استانبول في ثلاثة أجزاء ، حول بعض المخطوطات في مكتبة جامع القرويين بفاس . فهارس المخطوطات في مكتبات المغرب هسبريس – تمودا العدد 9/1965 ، أنظر المستشرقون – نجيب العقيقي ، ج2 ، ص 469 -471  دار المعارف القاهرة 2006.
27- ابراهيم القادري بوتشيس : ن.م.ص 37، وضرب مثلا بعمل Xavier de Planthol the worlf of Isalm, new york 1959. P.22-23
28- البصرة سنة 14 هـ (636م) ، الكوفة سنة 18 هـ (638 م) الفسطاط سنة 21 هـ (641م) القيراوان سنة 45 هـ (665م)، العسكر بمصر سنة 133 هـ (750م) ، بغداد سنة 145 هـ (762م) سُر من رأى سنة 221 هـ (835م)، قطائع أحمد بن طولون بمصر سنة 256 هـ (869م) القاهرة 358 هـ (968م) .
29- من الشروط البشرية التي راعاها السلطان في إنشاء المدينة تذكر بعض المصادر في علم الاجتماع كثرة الساكنة والتمييز بين مختلف الفئات السكانية ، والحرص على توزيعها بحسب انتماءاتها المختلفة ، ونقل أهل العلم إليها وأهل الصنائع بقدر حاجة سكانها لئلا يخرجوا إلى غيرها . إما إذا أراد الملك أن يسكن المدينة  فعليه أن يجعل خواصه محيطين به من جميع الجهات" ن.م.ص 34. وهو عن محمد عبد الستار عثمان : المدينة الإسلامية ، سلسلة عالم المعرفة الكويت عدد : 128 س 1988 ، ص 111.
30- نفسه، ص 40-41 .
31 - نفسه ، ص 39 .
 



أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة







Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة