المراكشية : بوابة مراكش

المدخل الطبوغرافي لمدينة مراكش الإسلامية الوسيطة/٣


المراكشية | حرر بتاريخ 09/05/2020




​وهكذا نرى خضوع البنيات العمرانية في المدينة المغربية الوسيطة، من خلال نموذج مدينة مراكش، للفكر والنظر العمراني الإسلامي والتقنيات المستمدة من تعاليمه، وقد تفطن المستشرقون المنصفون إلى خصوصية المدينة الإسلامية الوسيطة وتميزها عن بقية مدن الحضارات الآخرى.  فهذا ليفي بروفنسال (24) (1894-1956) عمدتهم،  بل عمدة الباحثين  في تاريخ  الغرب الإسلامي، ينص في محاضرة قيمة له على أن "المركز الحقيقي الذي يعد قلب المدينة الخفاق هو المسجد الجامع وما يلاصقه. والمسجد الجامع، في أي مدينة إسلامية لها شيء من الأهمية،  ذو منزلة تعلو على كل إطناب، ذلك بأنه ليس بيتا للعبادة فحسب، ولكنه المركز الذي تدور حوله الحياة الدينية والعقلية والسياسية في المدينة. وليس من المبالغة أن نقول إن مكانة المسجد الجامع  في المدينة الإسلامية شديدة الشبه بمكانة الأجورا Argora أو الفوروم Forum في المدينة اليونانية أو الرومانية. فكما أن السلطان الإسلامي يعتبر صاحب السلطتين الدينية والسياسية، كذلك يكون للمسجد دور مزدوج يقابل ذلك .
فقد كان المسجد في المدن الإسلامية الأولى ؛ كالمدينة والبصرة والكوفة والفسطاط يقام في وسط المدينة وبجانبه مقر الولاة ؛ لأن صاحب السلطان هو صاحب الصلاة وصاحب الخطبة ، وإنما يكون اتصاله برعاياه من فوق كرسي الخطبة الذي هو المنبر، فمن  فوقه تلقى الخطب الدينية، ومن فوقه تعلن للناس الأخبار الرسمية ؛ كنتائج الغزو وإبلاغ البيعة والإعلامات الخاصة بجباية الأموال. وقد كان المسجد أيضا مقر الإدارة الإسلامية الأولى، ونحن نعلم أنها لبساطتها كانت تحتمل ذلك،  ثم إن المسجد ظل وقتا طويلا  المقر الوحيد لمجلس القاضي، والمركز الوحيد للتعليم الديني .
فالمسجد الجامع على العموم، لا مقر الحاكم ، هو الذي يجب أن يتخذ مفتاحا لكل دراسة طبوغرافية أو تاريخية في أي مدينة إسلامية . والواقع أنه من النادر أن يصف جغرافي عربي مدينة إسلامية دون أن يبدأ بجملة من الأخبار عن المسجد الجامع فيها، بحيث إنه يذهب بالنصيب الأكبر من الوصف. فالإدريسي عندما يصف قرطبة يخص جامعها بالنصيب الأكبر من الوصف، وكتاب مثل زهرة الآس الذي يتناول فاس في عصر بني مرين يكاد يقتصر على وصف جامعيها ، جامع القرويين وجامع الأندلس.
ثم ملاحظة أخرى لا بد منها وهي أن جوهر الحياة الاقتصادية في المدينة إنما يرتكز في جوار المسجد الجامع، والأغلب أن يفصل شارع واحد بين بيت العبادة والأسواق التي تقام فيها  تجارة المنتجات الصناعية وسلع الترف وغير ذلك من تجارة القيسارية " (25).
سقنا هذا النص ، بالرغم من طوله، لوزنه العلمي ونفاسته ودلالته على أن المسجد هو مفتاح المدينة الإسلامية ؛  الديني والسياسي والإداري والاقتصادي والثقافي . وهذه نظرية عامة لا تستثنى منها أي مدينة إسلامية .

إحالات 
24- في سنة 1919 انتدبه المارشال ليوطي للعمل في معهد الدراسات العليا المغربية في الرباط، وعين أستاذا فيه 1920، ثم مديرا له 1926-1935 وفي تلك الأثناء قدم رسالة دكتوراه عنوانها مؤرخو الشرفاء ، وفي سنة 1935، استعفى من إدارة المعهد ليتفرغ للتدريس والتأليف وأنشأ مجلةArabica  سنة 1954. وقد عدت جهوده أساسية  لدى المستشرقين وعامه الباحثين وعد المرجع الأول في الغرب فيما يتعلق بتاريخ  الغرب الإسلامي، انظر ترجمته في كتاب "المستشرقونلنجيب العقيقي، ج 1 ، ص 293 ترحمة رجس بلاشير في مجلة Arabica العدد 3 /1956 .

25- ليفي بروفنسال : سلسلة محاضرات عامة في أدب الأندلس وتاريخها، ترجمة محمد عبد الهادي شعيرة ، المطبعة الأميرية بالقاهرة ، 1951 ، ص97-98 .




أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة







Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة