المراكشية : بوابة مراكش

المدخل الطبوغرافي لمدينة مراكش الإسلامية الوسيطة/٢


العلامة محمد الطوگي / مراكش | حرر بتاريخ 08/05/2020



علاقة المسجد بتخطيط المدينة الإسلامية أو نشأة عمارة المدينة الإسلامية :


يراعى في اختيار فضاء مشروع المدينة ، مواصفات استراتيجية، كالأمن الغذائي القائم على وفرة المياه، واتساع الفدادين، وخصب التربة ، ونقاء الهواء (12)، والتحصن الطبيعي الدارئ من تهديد الأعداء.
وأول ما يبنى بعد استكمال هذه المواصفات المسجد، وبالقرب منه القصر للعلاقة بين الديني والسياسي ثم الأسواق، وعلى مبعدة رمية رمح تبنى المساكن، ويأتي السور بعد ذلك  ليحيط بكل ذلك إحاطة السوار بالمعصم، وخارجه تقام محترفات الصناعات الملوثة، كالدباغة، وأفران الجير والفخار الخ. والبدء بتأثيث الفضاء بالمسجد ومراكز القرار سنة متبعة لأول مسجد بني في الإسلام.
لقد " كان الإعلان عن مولد المدينة  الإسلامية بعد سبعة أشهر من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى يثرب (13) من أرض الحجاز، فإن أهل يثرب أقطعوا الرسول أرضا مواتا، وتولى بنفسه توزيعها على المهاجرين معه وعلى الأنصار، وأقام مسجده ومساكنه، وانتظمت الأحياء أو الخطط حول المسجد، وجعل مصلى العيد خارجها، وأنشأ السوق حولها، وتفرعت عن المسجد شوارع رئيسة تمتد شمالا وغربا وجنوبا، واستعمل دور بعض الأنصار للضيافة واستقبال الوفود، وحفر الخندق شمال المدينة وأقام سورا داخله حول المنازل القريبة منه، واهتم بالنظافة ومرافق السكان فأقام المنشآت الاجتماعية .
وقد أطلق على يثرب اسم المدينة لأنها مثلت تحولا في تاريخها، جاء ضمن التحول التاريخي الذي عرفته البشرية كلها، وهو يتمثل في تطوير جوهري لنفوس القبائل التي كانت تسودها العصبية والتشتت، وذلك بتوحيدها بفضل نظام سماوي جديد واضحة معالمه، بينة أهدافه .
وترجمت عن هذه الوحدة عمارة المدينة التي نظمت حياة المسلمين وفق الدستور الجديد المتمثل في القرآن، وأصبحت المدينة المنورة مثلا يحتذى في كل منشآتها الدينية والمدنية" (14) فالرؤية الإسلامية الجديدة اقتضت تخطيط مدينة منسجمة مع نسقها.
فالتخطيط جامع  بين التصور والبناء والتنظيم والتنسيق والخصوصية، فخروج المدينة الجديدة الإسلامية عن عمارة مدن الحضارات  السابقة ناجم عن تغيير رؤية العالم ، فهناك علاقة جدلية بين ممارسة تدبير الشأنين الروحي والعام وسلطة  البناء،  إن أناقة الرؤية الإسلامية  الجديدة وجماليتها وروعتها وهديها إلى خير الدنيا والآخرة، استدعت مدينة في مستوى ألَقِها ونبل مقاصدها  (15).
أكدنا على أن تخطيط المدينة المنورة كان هو الطابع العام الذي ستحتذيه المدن الإسلامية الوسيطة مشرقيها ومغربيها، ونموذجنا هو مراكش .
تخطيط  مدينة مراكش ونواتها مسجدها :
تؤكد المصادر التاريخية والجغرافية وكتب التصوف والمناقب والتراجم (16) والسير، ما ذهبنا إليه من مواصفات اختيار مشروع فضاء المدينة ، يقول ابن عذاري :
"في هذه السنة (461هـ) ضاق المجمع بمدينة اغمات أوريكة عن الخلق فيها،  فشكا أشياخ أوريكة وهيلانة بذلك إلى الأمير أبي بكر بن عمر مرة بعد أخرى، إلى أن قال لهم : عينوا لنا موضعا أبني فيه مدينة – إن شاء الله تعالى – وكان سكناه مع إخوانه في الأخبية حتى ابتنى بزوجه زينب النفزاوية هذا العام، فزاد الخلق باغمات ... فوقع تدبيرهم أن يكون موضع تلك المدينة بين بلاد هيلانة وبين بلاد هزميرة ، فعرفوا بذلك أميرهم، أبا بكر بن عمر، وقالوا له : قد نطرنا لك موضع صحراء لا أنيس به إلا الغزلان والنعام، ولا تنبت إلا  السدر والحنظل ... فنظروا له ذلك الموضع لكي يكون وادي نفيس جنانها، ودكالة فدانها، وزمام جبل درن بيد أميرها طول زمانها. فركب الأمير أبو بكر في عسكره مع أشياخ القبائل فمشوا معه إلى فحص مراكش وهو خلاء لا أنيس به ، فقالوا له : ابن هنا مدينة تكون متوسطة بين هيلانة وهزميرة " (17) .
فهذا النص يشير إلى مواصفات الموضع الذي اختير لتشييد المدينة. فمن حيث أمنه فهو بمبعدة عن أغمات بحوالي اثني عشر ميلا حسب الادريسي (18) وفي ذلك إشارة إلى مأمنه من هجمات مصامدة درن. فجبل درن – الأطلس الكبير – هبة ربانية  سُخر ليدرأ عن مراكش عواتي الصحراء وسَمومها وأنواءَها، ويغذق عليها من ذوب ثلوجه مياها سطحية متدفقة في مجاري وادي اوريكة ونفيس، وأخرى جوفية مدخرة، ناهيك عن المناخ الصحراوي الجاف.
أما المسجد الذي نعتبره نواة للمدينة وهي وليدته فهو جامع علي بن يوسف، فهو المسجد العام لا الخاص بقصر الحجر حيث "يستشف من رواية أبي علي صالح أن البدء في بناء ذلك  المسجد كان في عهد علي، بعد أن أمر بهدمه ؛ نظرا لضعف مادة بنائه القائمة على الطوب والطين فقط، وخلال هذا البناء الجديد أقيمت إلى جواره بعض المنازل، كما يستشف من نفس الرواية أن قبلته عرفت تصويبا ؛ حيث اجتمع أكثر من أربعين فقيها، ضمنهم ابن رشد الجد - أبو الوليد محمد بن أحمد كان  حظيا عند علي بن يوسف - وحولوا محرابه نحو الاتجاه الصحيح" (19).
ولعل مسجد ابن يوسف هذا هو نفسه الحامل لاسم مسجد السقاية " يذكر الادريسي أن أهل مراكش، فيما يتعلق بالماء الصالح للشرب، كانوا يعتمدون على مياه الآبار، إلى أن جلب إليهم  علي بن يوسف ماء من عين تبعد عن المدينة بأميال، ثم طورها بعد ذلك  الموحدون، خاصة  في عهد الخليفة الموحدي أبي يوسف، الذي أرسل في وسطها ساقية تشقها من القبلة إلى الجوف، ومنها استنبطت سقايات لشرب الناس، كما أقيم صهريج كبير لتجميع المياه" (20)،  ولهذا المسجد أهدى الخليفة الموحدي المرتضى المصحف الذي خطه بيمينه ؛ ولا تزال إلى اليوم تجزئة منه بخزانة ابن يوسف حاملة لإهدائه  لمسجد السقاية ، وقد كشفت الحفريات عن خزان للماء قبالة مسجد ابن يوسف بمقربة من ميضأة البعديين. وقد أعجب مارمول الذي كان متأخرا بهذا الصهريج الكبير الذي يغذي سائر مرافق المدينة بالمياه (21) . وبمجاورة المسجد لهذا الصهريج أو السقاية، يصبح مسجد ابن يوسف جامعا بين مفهوم الشريعة لغة واصطلاحا."فالشريعة في اللغة تعني الماء الغزير الذي يستسقى من غير احتياج إلى رشاء أو دلاء (22) ، ومنه المثل أهون السقي التشريع. أما التشريع الاصطلاحي فقد اعتبره الشاطبي في الموافقات شاملا للأحكام العملية والأحكام الأصلية العقدية، ويسمى حتى مكي القرآن بالتشريع مع أن جل ما فيه متصل بهذه الأحكام العقدية" (23) .

12- خلف الطبيب اليوناني ابقراط رسالة عنوانها : الأهوية والمياه والمساكنيعود تاريخها إلى القرن (5 ق.ميقول عنها جرج سارتون في كتابهتاريخ العلوم : وهي بلا ريب أول رسالة في علم المناخ الطبي تصف أثر طبيعة  الأرض والمناخ في الصحة والأخلاقوقد قام العالم جالينوس القرنالثاني الميلادي بشرح مجموعة من مؤلفات أبقراط ، منها الرسالة المذكورة ، وقد ترجمت إلى العربية في عصور مبكرة القرن التاسع الميلادي، ففيمنتصف القرن الثالث الهجري، ظهرت أول موسوعة طبية بالعربية  وهي كتاب فردوس الحكمة لعلي بن سهل ابن الطبري (869 موقد اقتبس فقراتمهمة من كتاب أبقراط "  انظر التراث العربي دمشق ع 5.6 ، السنة الثانية ، عدد خاص بألفيه ابن سينا.

13 - يثرب من بناء يثرب بن سملائل من العمالقة ، هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إليها ومعه أبو بكر وتبعه أصحابه يوم الاثنين 13 ربيع الأول،وأقام عند بني النجار وهم أخواله بدار أبي أيوب الأنصاري إلى أن بنى مسجده ومساكنهويرى هشام جعيط : أن المدينة قبل هجرة الرسول كانت عبارة عن واحة متنوعة المساكن منتثرتها لم يكن المظهر المدني فيها بارزاويبدو جيدا أن دور الرسول   كان حاسما، فحيثما استقر في أرض خلاء خواء إلا برز المركز وصار فيما بعد المدينة خصوصا بالمعنى الحديث . وكان اليعقوبي صريحا في هذه النقطة، حيث بين أن الرسول جمع حوله الناس الذين كانوا قبل ذلك متفرقين، فأصبحت المساكن متلاصقة بحيث أصبح ذلك مدينة أي مكانا يتسم بتلاصق الأبنية وبكثافة السكن ... وكانت النقطة لهذا المركز الجديد المسجد وداره الخاصة "الكوفة نشأة المدينة العربية الإسلامية، دار الطليعة لبنان ط II 1993 ، ص 209-210 .

14 - عبد الرزاق لمحبري ، ن.م.ص، 39 ، 40.

15 -  في نطاق تغيير المدينة لتغيير رؤية العالم  انظر  : Léon Batista Alberti (1404-1472) l’art de construire

16  - إبراهيم القادري بوتشيش : دور المصادر الدفينة في كشف الجوانب الحضارية المنسية للمدينة المغربية ، ضمن ندوة المدينة في تاريخ المغربالعربي، منشورات كلية آداب ابن مسيك، الدار البيضاء ، ط 1990 ، ص : 37 .

17 – ابن عذارى المراكشي : البيان المعرب في إخبار الأندلس والمغرب ، بعناية الدكتور إحسان عباس ، دار الثقافة بيروت 1967 ، ج 4 ، ص 19 .

18 - محمد حاج صادق : المغرب العربي من نزهة المشتاق للادريسي ، طبعة باريس 1983، ص 83.

19 - إبراهيم  عبد القادر بوتشيش ، ن.م ص 37.

20- نفسه : ص 42، وهو عن ياقوت الحموي معجم البلدان، ج، لبنان (د.تص 94، وعن الاستبصار ص 210، وعن ما مول افريقيا ص ، 56.

21 - نفسه، ص 42 ، وهو عن مارمول : أفريقيا ، طبعة الرباط (89-1988) ج2، ص 56.

22- ابن منظور مادة شرع .

23- محمد بن تاويت : محاضرات  في تاريخ التشريع الإسلامي ، دار كريما ديس للطباعة، تطوان 1961 .




أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة







Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة