المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

المخرج السينمائي داود أولاد السيد يعرض فلمه –المسجد- في ثانوية الزهراء بمراكش.

الثلاثاء 7 يناير 2014

بادرة طيبة يدشن بها داود لما يمكن تسميته؛ بالقرب السينمائي التربوي القائم على تمتين الذائقة الفنية لدى التلاميذ، وجعلهم قادرين على المحاكمة والنقد بدل الاستهلاك والانبهار والاستهواء


 
 
 
 ​عمد المخرج المغربي داود أولاد السيد إلى هدم الجدار المضروب بين الفن السينمائي والمؤسسات التربوية وخاصة منها العمومية، وذلك بعرض فلمه- المسجد – في ثانوية تعتبر امتدادا لجامعة ابن يوسف الأصيلة. وبهذه المبادرة الرائدة يؤسس أولاد السيد لما يمكن تسميته بالقرب السينمائي التربوي. لقد استمتع بالعرض جمهور متنوع جمع بين التلاميذ، والمربين من أطر تربوية وإدارية، إلى جانب فاعلين جمعويين سينمائيين، وكانت مناسبة تعرف فيها التلاميذ على وجه من وجوه الإخراج السينمائي المغربي، فرأوه رأي العين وناقشوه، وبلغت درجة تقديرهم له إلى حد التماسهم منه التفضل بالتقاط صور تذكارية إلى جانبه.
قبل بداية العرض استثمر داود الجانب البيداغوجي والتعليمي الذي يمتلكه بصفته أستاذا جامعيا، فذكر التلاميذ بجيله في السبعينيات الذين اهتموا بدراستهم إلى جانب ممارستهم لهواية من الهوايات، وقدم شريحة من سيرته الذاتية؛ حيث كان في زمان مراهقته لاعبا متميزا بين شبيبة نادي الكوكب المراكشي. فالهم الذي سكن ذلك الجيل هو الدراسة وتبقى الهواية في حد ذاتها هواية، ممارسة أكثر منها فرجة، وأشار إلى أنه بعد حصوله على الدكتوراه في الرياضيات وممارسة التأطير والبحث العلمي في كلية العلوم بالرباط، وبعد اطمئنانه على مستقبله دخلت حياته في منعطف جديد حيث انصرف عن التعليم و غامر في هوايته المحببة؛ ألا وهي السينما، التي أتاها بعد ممارسته لفن التصوير الذي ذاعت شهرته ومعارضه فيه ،و كتب عنه مشاهير الكتاب على رأسهم المرحوم عبد الكبير الخطيبي.
انتقل بعد ذلك إلى تعريف الجمهور الحاضر بمجموعة من الشؤون السينمائية الفني منها والتقني، فالفن السابع كما قال هو خلاصة لمجموعة من الفنون، إنه عمل معقد ينبغي ألا تقتصر مناقشته على الفكرة الرئيسية بل على كيفية نقلها وتبليغها فنيا.
وفي معرض حديثه عن الإبداع ضرب أمثله حية من المظاهر الفنية القابلة للتصوير و قد اتنزعها من فضاء ثانويتهم، وتمنى أن لو سمح له بالتردد على معهدهم بآلة تصويره لمدة شهر لأخرج فلما تستولي عليهم الدهشة عندما يعرض أمامهم.
ثم تطرق إلى الحديث عن انقداح الفكرة التي كانت وراء فلمه –المسجد-، وهي فكرة بسيطة تتعلق بإشكالية التأويل l’interprétation، تأويل النص الديني، والصعوبة كامنة في كيفية التعبير عنها فنيا أو كيفية كتابتها بعدسة الكاميرا.
فالمسجد- موضوع الفلم، فضاؤه زاكورة، لم تبنه الجماعة، لكن ساقته الصدفة إليها، حيث اكترت شركة سينمائية أجنبية أرضا من مالكها قصد تصوير فلم، وبعد الانتهاء من التصوير، دمرت جميع الدكورات التي وظفت في إنجاز الفلم، وتنوسي ديكور المسجد الذي بقي قائما، فلم تترد الجماعة في اتخاذه مسجدا. وبين تمسك الجماعة في الحق في مسجد للعبادة، ومطالبة صاحب الأرض باستعادة أرضه التي اكتراها للشركة، تتضارب الفتاوى بين حق الجماعة في إقامة الصلوات في المسجد مؤازرة بمفتيها المخزني شيخ الزاوية، وحق صاحب الأرض في أرضه ومن ورائه الفقيه المنبوذ ساكن المقبرة، وحجته أن الأرض مغتصبة والأولى بها صاحبها وما بني عليها ينبغي هدمه.
لقد أحسن المخرج صنعا عندما أدخل أعلى المؤسسات الدينية أثناء كتابة سناريو فلمه، فجعل من موضوع الفلم نازلة أفتوه في شأنها؛ فتفرقوا بين مجيز ومانع للصلاة في ذلك المسجد الذي لا وجود له إلا في السرد وليس في خارجه. وتحسب لداود هذه، حيث وفق في إدخال المؤسسة الدينية في مجال التخييل، وأدرج فتواها في حوار الفقيهين.
وينتهي العرض وصاحب الأرض متمسك بحقه الذي قد يأتي وقد لا يأتي، متأسيا بإنشاد قصيد الدار الضائعة لسيدي قدور العلمي. والسبب تعدد التأويلات interprétation .
وهذه نهاية خيبت أفق انتظار المتفرجين؛ أي خالفت ما كان يتوقعه وينتظره المتفرجون حيث صاحت تلميذه: هل انتهى الفلم؟ وقد أعجب داود بهذا التعليق. أما فقيه تابع العرض من أوله إلى آخره فقد ظل متشبتا بحق صاحب الأرض وجاء في تدخله: إن الفلم لم ينصفه. ولاحظ أن إقناع الجماعة بتسليم الأرض لصاحبها اعتمد على حجة أو بينة فقهية وقانونية وحيدة مرجعها باب الغصب،ولو أن البطل ومن ورائه فقيهه المنبوذ عززها بحجة من باب العبادات؛ وهي أن صلاتهم في الأرض المغصوبة متأرحجة بين الصحة والكراهة، وفي المواظبة على المكروه تحد للحائم حول الحمى قد يؤدي إلى الحرام وبطلان الصلاة، وبئس ما فعلت الجماعة.
واستشهد على تدخله بل حكمه بفتوى كما قال وردت في المعيار الجديد لسيدي المهدي الوزاني ج1/258 ونصها:
- سئل أبو القاسم بن خجو عن مسجد بني في أرض أناس بغير إذنهم، أو بإذن بعضهم فقط، وفيهم محاجير. هل تجوز الصلاة فيه أم لا؟
- فأجاب بئس ما صنع القوم العادون على أرض غيرهم ببناء المسجد بغير إذن أربابها، ولأربابها هدم المسجد أو إبقاؤه، واليتامى والمحاجير لا تفوت عليهم أموالهم وأصولهم بغير موجبها والصلاة فيه مكروهة.
  وفي الختام هنيئا لداود أولاد السيد بهذه المبادرة التربوية والبداغوجية التي ستعمل، متى تواترت، على إخراج جيل لا يكتفي بالاستهلاك فقط، بل يحاور ويناقش ويقبل ويرد يستحسن ويستقبح، دون أن ننسى اللغة العربية الأنيقة التي تواصل بها مع الجمهور، وهو بهذه المسلكية التواصلية، قد رد ضمنيا على من ابتلينا بهم من دعاة التدريج ونبذ الفصحى.
ذ. محمد الطوگي / كلية اداب مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

الكلمات المفتاحية : مراكش
ذ. محمد الطوگي / كلية اداب مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل