المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

المخرجة إيزا جنيني تروي حكاية يهود مراكش

السبت 7 مارس 2015

إيزا جنيني (أو يزة باللهجة المحلية) مخرجة سينمائية من أصل يهودي مغربي· إحساسها بالانتماء إلى البلد الذي قضى فيه أجدادها وآباؤها حياتهم وقضت فيه طفولتها، جعلها تنجز ما يناهز 17 شريطا وثائقيا حول المغرب وثقافته· ازدادت سنة 1942 قرب البيضاء وانتقلت إلى فرنسا سنة 1960· وهناك درست الآداب واللغات الأجنبية بالسوربون ومدرسة اللغات الشرقية· وفي أواسط الثمانينات من القرن الماضي، انخرطت في الإخراج السينمائي، وخاصة الأفلام الوثائقية·
من أبرز أفلامها: "البحث عن أولاد مومن" الذي تحكي فيه تاريخ عائلتها التي كانت تقطن بمنطقة أولاد مومن قرب واد الحجر بنواحي مراكش، بعدما لجأت إليها من قصر الرحامنة "في زمن السيبة، لتنتقل بعد ذلك الى الكارة ثم الدار البيضاء، وتنتشر في مختلف أرجاء العالم من المكسيك الى كندا وأروبا···
في هذا الحوار، تتحدث إيزا عن اليهود المغاربة ومواسمهم الدينية وتقاليدهم وعلاقاتهم بالمسلمين المغاربة وأشياء أخرى···


المخرجة إيزا جنيني تروي حكاية يهود مراكش
 
س : لماذا البحث عن أولاد مومن من جديد؟
 
" في الحقيقة، هذا سؤال صعب· فأنا لم أستيقظ ذات صباح لأقرر إنجاز هذا العمل· فالأمر كان كما لو كانت الأشياء تشكل نفسها بتلقائية لأعرف فيما بعد لماذا قمت بذلك في سنة 1975، فكرت في تصوير حوار مع والدي· في تلك الفترة، لم أكن أعمل كمخرجة ولم أنجز أي فيلم بعد· ولأنني بدأت أسافر بكثرة في مختلف أنحاء المغرب منذ 1973 أردت أن أرى المكان الذي تعرف فيه والداي على بعضهما وتزوجا وعاشا· وبفضل شخص مراكشي اسمه نسيم دينويا الذي كان يملك ضيعة أولاد مومن، تمكنت من ذلك·
بعد سنوات، أخذت أتردد على المغرب كثيرا وأهتم بثقافته· وذات مرة، فكرت بالاحتفال بعيد ميلادي بأولاد مومن واستدعاء كل أفراد عائلتي المنتشرين بمناطق مختلفة من العالم، كأمريكا والمكسيك وكندا وفرنسا· فجمعتهم بأولاد مومن التي لا يعرفونها لأن والدي تركاها في العشرينات من القرن الماضي وأبناؤهما كانوا صغارا ولا يمكنهم تذكر هذا المكان· وبعد ذلك بسنوات طويلة، تنبهت الى أنني أملك عناصر مهمة لإنجاز هذا الفيلم· هناك أولا الحوار المصور الذي أجريته مع والدي وأمي وهناك اجتماع العائلة بأولاد مومن ولم يبق أمامي سوى إكمال القصة وروايتها، وهو ما تحقق في شريط "البحث عن أولاد مومن" سنة 1994·
وفي حقيقة الأمر، كان الفيلم عبارة عن رواية لقصة عائلتي انطلاقا من مكان خاص ثم سيرة هجرتهم من أولاد مومن الى الكارة ثم الدار البيضاء، ثم إلى أرجاء العالم بكامله· لكن المهم بالنسبة لي، هو أن هذا الفيلم لم يكن مجرد سرد لتاريخ عائلتي، بل كان عملية مزدوجة ترصد مسار هذه العائلة ومن خلالها التاريخ العام للمرحلة·
 
س: إذن ما هي قصة أولاد مومن؟
 
" في فترة "السيبة" كان والداي يقطنان بمكان قرب الطريق (بنواحي مراكش) يسمى بـ "ملاح باقة" وولدا بقصر يسمى "قصر الرحامنة" يبدو أنه اختفى نهائيا ولم يعد له أثر اليوم وبفعل الاضطرابات التي سادت هذه الفترة تشتت العائلات· وكان هناك فلاح غني هو الذي يملك أراضي شاسعة مغطاة بشجر الزيتون بأولاد مومن فاستقبلهم ومنحهم الأرض لبناء مساكنهم بها· هناك تزوج والدي بأمي وأنجبا ثلاثة أطفال ومكثوا فيها ما يناهز عشر سنوات·
وحسب ما يحكيه والدي في الفيلم، فقد تكاثر قطاع الطرق في هذه الفترة، مما اضطره الى هجر "أولاد مومن" والرحيل في اتجاه الكارة، حيث يوجد أقاربه وهناك أنجب ثلاثة أطفال آخرين·
 
س : ماذا كانت مهنة والدك حينها؟
" كان ، كما يقول المراكشيون ، "جنايني" يشتري غلة الحقول كالزيتون مثلا ويستخرج منه الزيت ويبيعها· بمعنى ان مجال عمله هو الفلاحة·
 
س: هل يمكن ان نقول ان فيلم "اولاد مومن" هو رواية لجزء من التاريخ الحديث لليهود المغاربة؟
 
" انها طريقة شخصية لكتابة هذا التاريخ طريقة معيشه طالما انني كنت محظوظة بجمع شهادة والدي مباشرة· وبفعل الأثر الذي احدثه هذا الشريط لدى اليهود المغاربة وحتى لدى اناس لا علاقة لهم باليهودية بتاتا بدا ان للفيلم قوة للتعرف على انتماءات مختلفة فكل واحد كان يجد فيه جزءا من تاريخه الخاص·
 
س: هل يمكن ان تصفي لنا العلاقة التي كانت بين المغاربة اليهود والمغاربة المسلمين في تلك الفترة؟
 
" في الفترة التي يتحدث عنها الشريط؟ حينها كنت مازلت صغيرة لأنني كنت الاصغر من ضمن كل اخوتي· وكنت أرافق والدي في تنقلاته واعماله لذلك كنت شاهد عيان عن العلاقة التي تربطه بالمغاربة المسلمين· فمنطقة الكارة هي منطقة قروية اغلب سكانها من المسلمين· وكان والدي محترما ومقبولا من طرفهم جميعا بل اضافة الى كونه صديق حميم للقايد بوشعيب، كان الرجل الوحيد المسموح له بالدخول الى جناح النساء بكل ثقة· ونحن - اطفاله - ربينا مع ابناء القايد ولم نكن نشعر بأي تمييز·
وكذلك الامر عندما انتقلنا الي الدار البيضاء· حيث كنا نقطن بعمارة سكانها من اليهود والمسلمين· فعشت بالقرب من المسلمين واليهود في احتكاك يومي محكوم بالاحترام المتبادل· فكنا نتقاسم ما هو مشترك بيننا ونحترم ما نختلف فيه· وكنا نتقاسم اشياء بسيطة وتفاصيل يومية ذات طابع حميمي كالحلوى والسخينة· كان كل واحد يعيش في خصوصيته التي يقرها ويحترمها الآخر·
 
 
س : كنتم تعيشون قبل رحيلكم الى الكارة بمنطقة اولاد مومن قرب مراكش· كيف كانت وضعية اليهود المغاربة بمدينة مراكش؟ وكيف كانوا يعيشون؟ وماهو طابع علاقاتهم بباقي سكان المدينة؟
 
" انا لم اعش في صغر سني بمراكش بل بالكارة ثم الدار البيضاء· لكنني سأحكي عن تجربتي الشخصية مع هذه المدينة وسكانها· فكلما جئت اليها الا وشعرت انني مراكشية· واعتقد ان والدي رحمه الله كان يعيش نفس الوضعية· فأنا لا أتموقف في علاقتي بالآخرين كيهودية· فأنا يزة وكل الناس يتعاملون معي على هذا الاساس· واذا سألني احد عن ديانتي اقول انني يهودية· وذلك لا يغير شيئا في علاقتي بهم ودائما احس بالقرب منهم انني وسط أهلي وبلدي· ولم يسبق لي ان كان لي اي مشكل على هذا الاساس·
وبالنسبة لوضعية اليهود بمراكش في الفترة التي تحدثت عنها في الشريط اي في بداية وأواسط القرن الماضي فمن خلال شهادة والدي وحتى بالنسبة لليهود الذين يعيشون الان بمراكش وخاصة بالنسبة لجيلي ليست هناك اية صعوبة او مشاكل تواجههم في هذا المدينة· واعتقد ان الذين يرون هذه الصعوبة هم الذين لم يعيشوا بهذا البلد ولهم كمرجع وحيد للحكم على الاشياء ما تتناقله الاخبار بخصوص الاحداث المؤسفة بالشرق الاوسط او ما يتعلق بالارهاب· اما ما شاهدته شخصيا وعشته وعاشه والدي فكله ايجابي .
 
س : لنتحدث الآن عن الثقافة اليهودية وخاصة فن الحياة بمراكش·
 
" توجد بمراكش اليوم شخصيات شاهدة على طريقة عيش اليهود بهذه المدينة وفنهم في الحياة وثقافتهم وأساسا على فن الاندماج الراقي بين مختلف الطوائف والمجموعات، وهو الاندماج الذي يتجاوز مستوى العلاقة البسيطة الى مستوى الفعل والتفاعل، فبالامس كنت عند أحد الاصدقاء وأخبرني ان الطائفة اليهودية ستقدم دعما ماليا لبناء مسجد· وكذلك المسلمون يساهمون في البيع· وهذا شيء طبيعي لأننا جميعا بشر لنا محاسننا ومساوئنا وما يوحدنا أهم مما يفرقنا· يكفي أن نتذكر هذا جيدا لنعيش بسلام·
 
س : هل هناك تأثير متبادل بين ثقافات سكان المدينة المسلمين واليهود؟
 
" اولا هناك نقط مشتركة، انظر مثلا "ليلة الحنة" في حفل الزواج لدى اليهود والمسلمين هناك نفس الشيء· فماعدا الخمر المحرَّم عند المسلمين فنفس التقاليد توجد لدى الطرفين· فكلاهما يأخذان العروس الى الحمام ويخيمان حفلا يهيجا يحضره النساء يلبسونها "الكسوة الكبيرة" يعدون الحلوى بشكلها التقليدي المعهود· وهذا جزء مشترك بين الثقافتين تضاف إليه تقاليد أخرى متقاسمة بين الطرفين كتقاليد حفل الختان او التربية وغيرها·· وبالطبع فالاختلاف مشروع ويجب على كل طرف ان يحافظ على اختلافه وخصوصيته· وبقدر ما نعترف بذلك يمكننا ان نعيش جميعا في عالم واحد·
 
س: اخترت في مشوارك السينمائي ان تخصصي أغلب افلامك الوثائقية للمغرب لماذا هذا الاختيار؟
 
" في الحقيقة هو الذي اختارني، فذات يوم عدت الى المغرب فحدثت بيننا صدمة عاشقة قادتين إليه بقوة فترجمت ذلك سينمائيا من خلال الاشرطة الوثائقية وكذلك عبر الكتب التي أصدرتها· الامر كان كنداء لبيته جماليا وفنيا·
 
س: ربما ان الامر ايضا يتعلق بإعلان الانتماء..
 
" بالطبع، وذلك يمر عبر عدة مراحل، أولها التعرف من جديد على هذه الثقافة· حين آتي في البداية كشخص نشأ بأوربا وله ثقافة غربية· وبعدها تأتي مرحلة إعادة الاندماج في هذه الثقافة واكتشاف هويتي فيها· ثم المرحلة الثالثة هي تقاسم هذه التجربة مع الآخرين من خلال السينما·
 
س: لكن عملك قد تكون له دلالة أخرى هي الكشف عن الجذور المختلفة المساهمة في تشكيل هوية متعددة!!
 
" نعم، فعندما أسأل عن التنوع الثقافي بالمغرب أجيب: أنا نفسي ثمرة هذا التنوع· مادام لي اسم أمازيغي "يزة" وأتكلم بالعربية لأن والدي لايعرفان سوى العربية وبها يتكلمان·
وفي نفس الوقت فأنا متشبعة باللغة والثقافة الفرنسيتين بحكم نشأتي بهذا البلد· وعلى مستوى الاحساس فأنا أتفاعل مع الايقاعات الموسيقية المغربية سواء كانت صحراوية او أندلسية او أمازيغية·· إذن فأنا نتيجة لهذا التنوع الغني· وهذا كنزي الثمين·
 
س : لديك فيلم بعنوان "متعة العين" خصصته "للنكافة"· هل يمكن أن توضحي قليلا دواعي اختيار هذا الموضوع؟
 
" ذات مرة كنت بنيويورك· وكما يحدث مع باقي النساء في مختلف أرجاء العالم ذهبت الى صالون للتجميل، كل العاملات فيه كوريات ولهن طريقة رائعة للتجميل· وأثناء ذلك تنبهت الى أن المغرب حضارة متكاملة في الجمال واللباس· ففكرت في إنجاز فيلم حولها . نجمة حظي قادتني الى الطريق السليم فالتقيت صدفة بالحاجة خديجة بالرباط وهي "معلمة" حقيقية في "تنكافت" فنظمت سهرة خاصة أظهرت فيها مواهبها في تجميل العرائس وكنوزها الثمينة في الألبسة الجميلة· ثم هناك "خالتي فنيدة" العارفة بفن الماكياج ..
 

 
س: ماذا عن كتابك: "المغرب مملكة ألف حفلة وحفلة"·
 
" لقد عملت مع أكبر المصورين وهم بالمناسبة الذين يصورون المغرب للمكتب الوطني للسياحة كجاك برافو كزافييه رونيا· وكانت لهم فكرة إنجاز كتاب· فاقترحوا علي إنجاز التعليقات·· وهذا الكتاب نفد من السوق ولا أتوفر على أية نسخة منه لذلك أنا جد حزينة· وأوجه هذا النداء لمن له نسخة فيمدني بها·
 
س : ماهي مواضيع أفلامك الأخرى الخاصة بالمغرب؟
 
" هناك فيلم يعجبني كثيرا بحكم موضوعه ورسالته المنادية للسلام· فلليهود تقليد يستعملون فيه فاكهة تسمى "الطرونج" في الصلاة· ولكي تصلح لهذا الغرض يجب أن تكون في وضع مثالي بدون أدنى لطخة أو أثر· لذلك يجب قطفها وفق معايير صارمة ودقيقة· وأمازيغيو "أسادس" و"دوندر" بالأطلس الصغير هم الذين مازالوا يحافظون على هذا النشاط وهم الذين يعرفون سر زراعتها بالشكل الذي تكون فيه ملائمة للصلاة· وكبار رجال الدين يتمنون الصلاة بطرونج هذه المناطق· ذهبت الى هناك وصورت فيلما حول أطوار زراعة هذه الفاكهة وجنيها·
 
س: هل يمكنك أن تحدثينا عن مواسم اليهود بالمغرب؟
 
" أنتم تقولون موسم، نحن اليهود نقول "هينوله"· وبالمغرب يوجد أزيد من مائة موسم يهودي حسب جدول زمني محدد·
وهذه الأيام يقام قرب تارودانت موسم "بيداويت بن باروخ"· عندما كنا في الدار البيضاء كنا نذهب الى موسم "ربي يحيا لخضر"·
ووالدي عندما كان يقطن قرب مراكش كان يقصد موسم "مولاي غي" قرب تدارت، وقرب وزان كان "ربي عمران بن ديوان"·
وهناك أيضا "ذوي الدروع" و"بيداويد أوموشي" وقد أنجزت عدة مؤلفات ودراسات حول مواسم الصلحاء اليهود بالمغرب·
 
س كلنختم حوارنا هذا بالتساؤل عن دور المغاربة اليهود في إرساء السلم بالشرق الأوسط؟
 
" المغاربة مناضلون من أجل السلام· وهذا وضع مشهود به ومعترف به منذ سنين· أنا هنا أتحدث عن المغاربة بشكل عام اليهود وغير اليهود·
 
س: طرحت عليك هذا السؤال وأنا أضع نصب عيني اليهود المنحدرين من أصل مغربي المقيمين بإسرائيل·
 
" هم كذلك من موقعهم يناضلون من أجل السلام وإطفاء نار الفتنة والتوتر بالمنطقة· المغاربة هكذا كما عرفتهم منذ صغرى، يهودا  ومسلمين ، مؤمنون بالسلام والعدل والمحبة ويناضلون من أجلها· وهذه حقيقة لا أقولها أنا فقط لأنني يهودية من أصل مغربي، بل يشهد بها كل من عرف المغاربة من مختلف شعوب العالم·
عبد الصمد الكباص
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

عبد الصمد الكباص

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل