المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الكـَراب : من خدماتي، إلى ديكور آدمي يؤثث ساحة جامع الفنا

الجمعة 6 سبتمبر 2013

الكـَراب : من خدماتي، إلى ديكور آدمي يؤثث  ساحة جامع الفنا
 كنا حين نتجول بساحة جامع الفنا، نقف مشدوهين أمام مؤثثات  ساحة جامع الفنا الفضاء الذي صار مدرجا ضمن  التراث   الشفهي  الإنساني ، معجبين بألاعيب الحواة واندماج القراد مع قردته وتواصله معها عن طريق لغة كان لعامل الاعتياد دور كبير في التمكن من فك شفرتها الموجهة إليها من قبله ، مكبرين تلك التلقائية في السرد والقدرة على استدراج وشد السامع لساعات لتتبع أحداث سيرة ذي اليزل أو علقمة او عنترة أو  أبي زيد الهلالي وغيرها من حكايات  الف ليلة وليلة، مستحضرين ذكريات زمان الآباء والأجداد بهذه الساحة منتشين بمواويل لأغنية  قديمة على لسان مطربيها  الذين لم يخلف الزمان منهم إلا فردين أو ثلاثة ممن يتفانون في إطراب الناس طمعا في أن تمتد الأيدي إلى الجيوب لتجود بما لا يمكن حاليا  من شراء قبضة نعناع، في الوقت الذي كان يضمن إناء حريرة على الأقل أو ربع خبز وبيضة، قبل أن  يستسلم  القتات للغلاء الفاحش.
وكنا ونحن نتنقل بين الحلقات التي تغالب الآن هجمة المطاعم التي هيمنت على أكثر من ثلثي الساحة والتي أصبح بعض من  أصحابها ومن وراءهم  من كبار أثرياء هذه المدينة العباسية التي تبتهج بما يفرض على أبنائها من زهد،و كنا ونحن نتجول بين تلك الحلقات في وقت الضحى أو عند الأصيل، أو لما يحمر الشفق، يطرق أسماعنا صدى هرج ومرج مستطاب من هنا وهناك، وسط هذه الساحة التي وقف العديد من المهتمين والدارسين  حائرين أمام سر سحرها وقوة جاذبيتها، والتي تعدد المتحدثون عنها وتباينت درجة تأثرهم بها، فكان منهم الراغب في استخدام لب العقل وإحكام المنطق، فتجده لا يجتني منها شيئا، فيبرحها بخفي حنين بموقف كله تحامل وعداء، لأنه  لا تقف عيناه سوى على ما ينال من شهرة الساحة من صور البؤس وتفاقم الهوة بين المترفين  والبسطاء، ومنهم الداخل إليها ينشد التواضع بعشق يرتشف رحيق الكلام المعسول المرصع الذي لا زال بعض من رواد الساحة محتفظين  بقواعده صائغين له في لكنة  مراكشية صرفة لم  يستطع  - في غمرة اللغو- ما جد في عالم لهجتنا مما مات  بسماعه فليفلة ، واستشاط له غيظا الشرقاوي ، أن ينال منه، كلام يزخر بالمعنى و رصانة الوزن ودقة التصوير التلقائي لواقع معيش  يجمع بين الدراما والتراجيديا في قالب كوميدي ساخر ، كلام زاده لا ينضب معينه نابع من  ثقافة اهل الماضي، مواكب لهموم آل الحاضر، قابل لاستشراف مستجدات الآتي . كلام لا يحتاج لخلق انطباع لدى سامعيه لمساحيق ولا أضواء ولا مخرجين ولا بروتوكولات ولا رقابة،  إنه أروع  فن  في زمان ضاق فيه مجال الفن على ذويه وانبطح  على كيفية المنبطحين أمام  غوغاء التبشير بغول العالم الجديد، أروع فن على  أرحب مسرح لا يتألق على ركحه  إلا من تتلمذ على مشاهير  شيوخ الساحة. من أمثال ملك جالوق وباقشيش وطبيب الحشرات والمخي والصاروخ وبن حمامة وفرقته.
 وكنا ونحن نسبح في غمرة هذه الأجواء الساحرة بأطيافها المتآلفة والمتنافرة يهز طبل أذاننا رنين ناقوس يحمل نداء لإطفاء غلتنا ، فإذا بالبصر يتجه إلى مصدر الرنين لتتركز حدقاتنا على صورة يزيدك منظر صاحبها اشتهاء لملامسة شفتيك لحاشية إحدى الطاسات المشعة ببريق لون الإبريز لارتشاف  كرعات ماء السلسبيل الرائق المنسم  بريح القطران يزداد عذوبة حينما تعلم بأنه مسبل ( متصدق به في سبيل الله).
 صورة وجه تدل تجاعيده على فعل كر السنين بجسد صاحبه النحيف المكسو بقشابة قشيبة يغلب عليها الاحمرار الرامز إلى الإسعاف وتقديم الخدمات الإنسانية، ويتلألأ بها ما يزركشها  من " موزونا " وعلى رأسه واقية شمس " ترازة " تتدلى منها اهداب مبرقشة زاهية تضفي على سحنة الوجه النحيف الذي ترتسم عليه بسمة منبعثة من ثغر لم يبق من جواهره إلا ما سلم  بعد مغالبة صروف الدهر وقلة العناية، رونقا تزيده السمرة الجنوبية التي لا تستطيع شموس الشواطئ أن تجود بها على جلود من يصرفون الساعات في الاضطجاع تحت أشعتها  بهاء وتميزا، ليغدو "ماركة " مراكشية مسجلة يستحيل تقليدها.
و بالرجلين اللذين يكسوهما سروال قصير كماه اللذان لا يتجاوزان  الساقين يعلنان  طلاقا بائنا مع كاحل القدمين   ، يشدك لون  " بلغة صفراء فاقع لونها حلت محل  بومنتل " (حذاء من الإطار المطاطي لعجلة السيارات ) كان سواده الحالك يترجم  بؤس صاحبه واستعداده الدائنم للبلل. وعلى الكتف تتدلى القربة المصنوعة من أدم الماعز يضفي سوادها على مهرجان الألوان التي تلف بدن " الكراب " لمسة لوحة فنية، تنافست ريشات كبار الفنانين  وعدسات  المصورين الفتوعرافيين في ترجمتها على لوحات، وعلى الصدر علقت طاسات مصقولة بمادة الصقل والحامض بعناية فائقة وكأنها نياشين على صدر بطل خرج فائزا من كل حروب الدنيا لا تسمع من مبسمه سوى كلمات محسوبة وموزونة ينضح منها طيب العفاف وعزة النفس "مويها باردة،  برررد  ياعطشان " وبالجنب الأيسر جراب من جلد مدبوغ  مزين بقطع نقدية قديمة تدل كثرتها على ما تحلم به نفس  الكراب من أمال واماني. هذه الصورة الخرافية تدعوك  في إلى السقاية في سبيل الله ، ويبقى جودك رهين بمدى لبك،وحسن فطنتك، فتتحرك فيك نخوة الجود لتهم أنت أيضا  "بتسبيل " ما تحويه القربة من ماء في سبيل الله

الكـَراب : من خدماتي، إلى ديكور آدمي يؤثث  ساحة جامع الفنا
عبد الله أونين / أرشيف
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

الكلمات المفتاحية : مراكش
عبد الله أونين / أرشيف

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل