المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الكسكس والبسطيلة .. في المطبخ والسياسة

السبت 3 يناير 2015

الكسكس والبسطيلة .. في المطبخ والسياسة
يقال‭ ‬إن‭ ‬الطعام‭ ‬هو‭ ‬تعبير‭ ‬صادق‭ ‬عن‭ ‬ثقافات‭ ‬الشعوب‭ ‬وانعكاس‭ ‬واضح‭ ‬للمزاح‭ ‬العام؛‭ ‬ففي‭ ‬اليابان،‭ ‬مثلا،‭ ‬هناك‭ ‬أكلة‭ ‬شهيرة‭ ‬يتم‭ ‬فيها‭ ‬تقديم‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬سمكة‭ ‬حية‭ ‬في‭ ‬مطاعم‭ ‬راقية‭.. ‬يدخل‭ ‬الزبون‭ ‬إلى‭ ‬مطعم‭ ‬فيقدمون‭ ‬إليه‭ ‬سمكة‭ ‬جميلة‭ ‬في‭ ‬حوض‭ ‬زجاجي‭ ‬صغير،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تأملها،‭ ‬بل‭ ‬لأكلها‭.‬

يقطع‭ ‬النادل‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬السمكة‭ ‬ويقدمها‭ ‬إلى‭ ‬الزبون‭ ‬ثم‭ ‬يعيد‭ ‬السمكة‭ ‬الحية‭ ‬إلى‭ ‬الحوض‭ ‬فـ‮»‬يستمتع‮»‬‭ ‬الزبون‭ ‬بأكل‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬السمكة‭ ‬التي‭ ‬تسبح‭ ‬أمامه‭.. ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬ربما‭ ‬يبدو‭ ‬عاديا‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬كانت‭ ‬رائدة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬القرابين،‭ ‬وهي‭ ‬أول‭ ‬بلاد‭ ‬صدرت‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬النموذج‭ ‬الانتحاري‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬حين‭ ‬صار‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الكاميكاز‮»‬‭ ‬منتشرا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬العالم،‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬يعتبر‭ ‬أكلة‭ ‬السمكة‭ ‬الحية‭ ‬عملية‭ ‬وحشية‭.‬

في‭ ‬إسبانيا،‭ ‬يستمتع‭ ‬الناس‭ ‬بمصارعة‭ ‬الثيران‭ ‬بطريقة‭ ‬وحشية‭ ‬ثم‭ ‬يصفقون‭ ‬للقاتل،‭ ‬وأيضا‭ ‬لشهامة‭ ‬الثور‭ ‬القتيل‭ ‬الذي‭ ‬يتحول‭ ‬لحمه‭ ‬إلى‭ ‬أكلة‭ ‬لذيذة‭ ‬على‭ ‬الموائد‭ ‬الراقية‭. ‬هذا‭ ‬يذكرنا‭ ‬بماضي‭ ‬محاكم‭ ‬التفتيش‭ ‬والدماء‭ ‬الغزيرة‭ ‬التي‭ ‬أهرقها‭ ‬القساوسة‭ ‬والرهبان‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الأندلسيين،‭ ‬حيث‭ ‬كانوا‭ ‬يقتلونهم‭ ‬أو‭ ‬يحرقونهم‭ ‬ثم‭ ‬يستمتعون‭ ‬بما‭ ‬تركوه‭ ‬من‭ ‬غذاء‭ ‬وثروات‭.‬

في‭ ‬الصين،‭ ‬يأكلون‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يتحرك‭ ‬لأن‭ ‬شعبا‭ ‬يصل‭ ‬تعداده‭ ‬إلى‭ ‬قرابة‭ ‬ملياري‭ ‬نسمة،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يأكل‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يختار‭. ‬وفي‭ ‬أمريكا‭ ‬يأكل‭ ‬الناس‭ ‬وقوفا‭ ‬وجبات‭ ‬سريعة‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬اللحم،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬وقت‭ ‬لدى‭ ‬أقوى‭ ‬شعب‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬كي‭ ‬يجلس‭.. ‬إنه‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬دائمة‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬القوت‭ ‬والثروة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬أمريكا‭ ‬تقتل‭ ‬لتأكل،‭ ‬وتأكل‭ ‬لتقتل‭.‬

في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬الطبخ‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬الشعوب‭ ‬وثقافتها‭ ‬وطبيعتها‭ ‬ورؤيتها‭ ‬للعالم‭. ‬وفي‭ ‬مناسبات‭ ‬كثيرة،‭ ‬صدرت‭ ‬كتب‭ ‬راقية‭ ‬عن‭ ‬الطبخ‭ ‬كفن‭ ‬رفيع،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬البرامج‭ ‬التلفزيونية‭ ‬الأكثر‭ ‬نجاحا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬حاليا‭ ‬توجد‭ ‬برامج‭ ‬ومسابقات‭ ‬طبخ‭.‬

عندنا‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬يعتبر‭ ‬الكسكس‭ ‬هو‭ ‬الأكلة‭ ‬الأكثر‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬هويتنا‭ ‬المطبخية‭ ‬والمزاجية،‭ ‬ولو‭ ‬أن‭ ‬المسؤولين‭ ‬المغاربة‭ ‬أنصفوه‭ ‬لأفردوا‭ ‬له‭ ‬فقرة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الدستور‭ ‬أو‭ ‬وضعوا‭ ‬له‭ ‬جملة‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬النشيد‭ ‬الوطني‭.‬

لدينا‭ ‬أيضا‭ ‬البسطيلة،‭ ‬وهي‭ ‬أكلة‭ ‬إضافية‭ ‬يشتهر‭ ‬بها‭ ‬المغاربة،‭ ‬لكنها‭ ‬أكلة‭ ‬راقية‭ ‬وطبقية،‭ ‬وعادة‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬تقديمها‭ ‬في‭ ‬الأعراس‭ ‬والمناسبات،‭ ‬عكس‭ ‬الكسكس‭ ‬الذي‭ ‬يتحول‭ ‬أحيانا‭ ‬إلى‭ ‬أكلة‭ ‬شعبية‭ ‬جدا‭ ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬صيْكوك‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يُمزج‭ ‬باللبن‭ ‬ويباع‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الشعبية‭ ‬وحواف‭ ‬الطرقات‭ ‬بسعر‭ ‬التراب‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬كلتا‭ ‬الأكلتين،‭ ‬الكسكس‭ ‬والبسطيلة،‭ ‬هو‭ ‬احتواؤهما‭ ‬لجميع‭ ‬المتناقضات،‭ ‬أو‭ ‬جمعهما‭ ‬لما‭ ‬لا‭ ‬يجتمع،‭ ‬لأنهما‭ ‬الأكلتان‭ ‬الوحيدتان‭ ‬اللتان‭ ‬يجتمع‭ ‬فيهما‭ ‬ما‭ ‬يتفرق‭ ‬في‭ ‬غيرهما‭.‬

الكسكس‭ ‬والبسطيلة‭ ‬مرآة‭ ‬لثقافتنا‭ ‬ومزاجنا‭.. ‬في‭ ‬الكسكس‭ ‬نخلط‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يختلط،‭ ‬المرق‭ ‬المالح‭ ‬والزبيب‭ ‬الحلو‭ ‬واللوز‭ ‬المحايد‭ ‬والبصل‭ ‬الذي‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬مادة‭ ‬مقرفة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬السائل‭ ‬الحلو‭ ‬اللذيذ‭..‬

نصنع‭ ‬الكسكس‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬شكل،‭ ‬فنجعل‭ ‬منه‭ ‬كسكسا‭ ‬بـ»سبع‭ ‬خضاري‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نجمع‭ ‬فيه‭ ‬لحم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حيوان،‭ ‬البقر‭ ‬والغنم‭ ‬والماعز‭ ‬والجمل،‭ ‬أو‭ ‬نضع‭ ‬في‭ ‬وسطه‭ ‬لحم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬طير،‭ ‬الدجاج‭ ‬والحجل‭ ‬والحمام‭ ‬والديك‭ ‬الرومي،‭ ‬وهناك‭ ‬مناطق‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬سكانها‭ ‬بكل‭ ‬ذلك،‭ ‬فيضيفون‭ ‬السمك‭ ‬أيضا‭.‬

أكلتنا‭ ‬الوطنية‭ ‬الأخرى‭ ‬هي‭ ‬البسطيلة؛‭ ‬وهي‭ ‬أكلة‭ ‬نخبوية،‭ ‬لذلك‭ ‬يتذوقها‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الأعراس‭ ‬والحفلات،‭ ‬فحين‭ ‬يريد‭ ‬مغربي‭ ‬أن‭ ‬يحتفي‭ ‬بضيوفه‭ ‬يقدم‭ ‬إليهم‭ ‬الكسكس،‭ ‬وحين‭ ‬يريد‭ ‬رفع‭ ‬سقف‭ ‬الترحاب‭ ‬يقدم‭ ‬غليهم‭ ‬البسطيلة‭.‬

في‭ ‬البسطيلة‭ ‬تجتمع‭ ‬كل‭ ‬المتناقضات،‭ ‬وتحت‭ ‬قشرتها‭ ‬السميكة‭ ‬تتآلف‭ ‬اللحوم‭ ‬على‭ ‬أشكالها،‭ ‬الدجاج‭ ‬والسمك‭ ‬ولحم‭ ‬الغنم‭ ‬وما‭ ‬شاكله،‭ ‬ويمكن‭ ‬للسان‭ ‬أن‭ ‬يتذوق‭ ‬في‭ ‬اللقمة‭ ‬الواحدة‭ ‬الحلاوة‭ ‬والملوحة،‭ ‬وأن‭ ‬تجمع‭ ‬اليد‭ ‬الواحدة‭ ‬في‭ ‬اللقمة‭ ‬الواحدة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الحلاوة‭ ‬والملوحة‭ ‬ولحم‭ ‬الطير‭ ‬والبقر‭ ‬والسمك‭ ‬وأشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬أخرى‭.‬

الأجانب‭ ‬الذين‭ ‬يتذوقون‭ ‬البسطيلة‭ ‬المغربية‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يتساءلون‭: ‬كيف‭ ‬نجمع‭ ‬في‭ ‬الأكلة‭ ‬الواحدة‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المتناقضات؟‭ ‬وهي‭ ‬متناقضات‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬ما‭ ‬طوّعناها‭ ‬فإنها‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أشياء‭ ‬أليفة،‭ ‬بل‭ ‬ولذيذة،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬فإنها‭ ‬متناقضات‭ ‬ترسم‭ ‬معالم‭ ‬طبيعتنا‭ ‬وهويتنا‭ ‬وثقافتنا‭ ‬ومزاجنا‭.‬

تناقضاتنا‭ ‬العجيبة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬المطبخ‭ ‬فقط،‭ ‬فانظروا‭ ‬إلى‭ ‬الحكومة‭ ‬كيف‭ ‬جمعنا‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يجتمع‭.. ‬الإسلاميين‭ ‬والشيوعيين‭ ‬واليساريين‭ ‬واليمينيين‭ ‬والصادقين‭ ‬والكذابين‭ ‬والأفاقين‭..!‬

نحن‭ ‬وحدنا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الذين‭ ‬نصف‭ ‬زعيم‭ ‬حزب‭ ‬بكونه‭ ‬لصا‭ ‬ثم‭ ‬نتحالف‭ ‬معه‭ ‬ونجعل‭ ‬منه‭ ‬عمودا‭ ‬فقريا‭ ‬في‭ ‬‮«‬الأكلة‮»‬‭ ‬الحكومية،‭ ‬ونجمع‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬واحدة‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجتمع‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حكومات‭ ‬العالم‭!‬

‮«‬الكسكس‭ ‬والبسطيلة‮»‬‭ ‬شعارنا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭.. ‬اُنظروا‭ ‬إلى‭ ‬انتخاباتنا‭ ‬كيف‭ ‬تجتمع‭ ‬تحت‭ ‬قشرتها‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الحيوانات‭ ‬والقشريات،‭ ‬فتبدو‭ ‬شيئا‭ ‬طبيعيا‭ ‬جدا‭! ‬اُنظروا‭ ‬إلى‭ ‬برلماننا‭ ‬كيف‭ ‬يبدو‭ ‬مطبوخا‭ ‬بـ»سبع‭ ‬خضاري‮»‬‭ ‬مثل‭ ‬قصعة‭ ‬كسكس‭ ‬متجانسة‭! ‬اُنظروا‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬فينا‭ ‬وستجدوننا‭ ‬شعب‭ ‬التناقضات‭ ‬بامتياز‭! ‬
عبد الله الدامون
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
عبد الله الدامون

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل