الفيلم الإسلامي ..الفتاوى المتعددة والهوية المفقودة 3/3

السبت 25 يناير 2014

يتميز الحديث عن علاقة المسلم بالصورة بشكل عام و بالسينما بشكل خاص بإشكالات تاريخية و ثقافية مركبة،بالرغم من ان تاريخ الفن الإسلامي يؤكد على إبداعية إسلامية متطورة في العديد من الفنون التي تتقاطع أو تقترب من فن التصوير كالنقش و الزخرفة و الخط و الرسم . إن القول بان الصورة بشكلها المجرد دخيلة على الفكر الإسلامي لا يستند إلى حقيقة مطلقة، بدليل أن الصور في المتخيل الشعري الإسلامي هي أقرب الى الملموس منها إلى المجرد لقد لامس (محمد نور الدين أفاية ) جوهر الإشكال حينما كتب قائلا ) ليست السينما نتيجة صيرورة للثقافة العربية، بل إن  هذه الثقافة همشت الصورة ومنعت إبداعها،لأن الإبداع في هذا المجال يمكن أن يشترك مع الخلق الرباني للكائنات لذلك انسحب المنع على كل أشكال الصور في سياق محاربة الإسلام لصناعة وعباد الأوثان وهذا ربما ما دفع البعض لاعتبار السينما آخر مجال يدخل في إطار الفن الإسلامي)
 
إن فهم المواقف المتعددة و المتناقضة لعلماء الدين و الفقهاء من تلقي الصورة، لا ينفصل عن فهم درجة قبولهم للحداثة و التقنيات الغربية الحديثة، وقدرتهم على تطويعها بما يخدم القضايا الإسلامية بما في ذلك صناعة الفرجة و الترفيه،حتى و إن كان بعض الفقهاء يعتبرون ان الثابت في الإسلام هو التوحد بين الدين والعلم كما اكد على ذلك القرضاوي بقوله ) الدين في الإسلام علم،و العلم دين كما تشهد بذلك أصول الإسلام وتاريخه ( .
 
إن الوعي السطحي بأهمية الصورة،وعدم الإدراك بفعلها و تأثيرها على الكائن هو ما دفع البعض إلى اعتبارها داءا نهى عنه الشرع، انطلاقا من كون الفن حرام والتصوير أشد منه بكثير وفي ذلك تجنى على بعض القواعد الفقهية التي ترى بأن )الفن مباح و ان حكمه هو حكم موضوعه( و ) الأصل في الأشياء هو الإباحة (، وهو ما يعتمد اليوم كمرجع عند البعض لمناهضة بعض الافلام على اعتبار ان السينما هي وعاء حكمها هو من حكم ما تحتويه.
 
لقد أثرت جملة هذه المواقف المتناقضة، المتنورة منها و المتشددة على تحديد هوية الفيلم الإسلامي ، و التي لم تعد مرتبطة بهوية المخرج أو البلد المنتج، ولتتجاذبها هي الأخرى اختلافات وتعارضات فالبعض من مثل -محمد فايع ألألمعي- يرى أن الذي يكسب الفيلم هويته الإسلامية  هي) رسالته  التي تتفق مع العقيدة الإسلامية أو جوهرها، سواء المقولات الخفية او المباشرة دون التعرض للمحاذير الدينية( في حين يرى -وليد محمد الجداع - بان ) السينما الإسلامية هي تلك التي تلتقي بتصورات الإسلام عن الله و الكون و الحياة والإنسان إلتقاءا  جزئيا أو كليا وهو ما يجعل المجال فسيحا و متسعا أمام السينما الإسلامية و يجعلها موجودة فعلا حتى و إن لم يصنعها إسلاميون (، في حين يذهب البعض إلى توسيع مجال الهوية و الانتماء بالقول ) بان الفيلم الإسلامي هو كل فيلم  بقيم نبيلة، و كل فيلم وثائقي يتحدث عن المقاومة في العراق و فلسطين والشيشان وغيرها (، بل نجد من يعطي للفن الإسلامي عموما ومن ضمنه السينما إطارا منفتحا على الوجود و الحياة كما هو الحال عند السيد محمد قطب الذي يرى بان )الفن الإسلامي هو الفن الذي يرسم صورة الوجود من زاوية التصور الإسلامي لهذا الوجود...... هو التعبير الجميل عن الكون والحياة والإنسان (.
 
إن الآراء و التصورات السابقة تختزل و رغم تنافراتها  هوية الفيلم الإسلامي  في ذات النص الفيلمي بكل تركيباته بعيدا عن الانتماء الشخصي أو الجغرافي،أي تكاد تتفق على ان الفيلم الإسلامي هو انتماء عقائدي قبل اي شيء، ربما هذا ما دفع الناقد المصري هاشم النحاس - للقول بان ) الثقافة الإسلامية تكاد تنعكس في كل الأفلام حتى أفلام الساقطات و المنحرفين وذلك من خلال ما تحمله من دعاوي اخلاقية و أقوال مأثورة (، وقسم تبعا لذلك طبيعة الأفلام الإسلامية حسب معالجاتها إلى أربعة أنواع
 
       -1 أفلام دينية مباشرة وهي الافلام التي تتحدث عن صدر الإسلام و الرسالة النبوية، وقد انتجت                  السينما المصرية ما بين1951   و1972  ما يناهز 12 شريطا سينمائيا منه ظهور الإسلام،  
 
   انتصار الإسلام، هجرة الرسول و غيرها
 
     - 2 أفلام عن الشخصيات الإسلامية من مثل بلال مؤذن الرسول، الشيماء،
 
    -3 أفلام تتناول التاريخ العربي الإسلامي أو شخصيات عربية إسلامية من قبيل شجرة الدر و صلاح               الدين الأيوبي.
 
     -4   أفلام تتناول قيما دينية.
 
لقد أكدت العديد من الدراسات أن مجمل هذه الأفلام تظهر الرؤية الخاصة للمسلم عن نفسه و عن تاريخه، سمتها الأساسية هي المبالغة في تقديس الماضى و أمثلته، و هو ما دفع -محمد العبادي- إلى اعتبارها أفلاما توثق لتاريخ العقليات أكثر مما توثق للتاريخ الإسلامي ويعني بذلك بان هذه الفصيلة من الأفلام هي نموذجا شاخصا لتصور المسلمين عن ذواتهم.
 
إننا لا نبالغ في القول بان إنتاج أي فيلم  يقترب من الدين في الرقعة العربية الإسلامية هو انتصار للسينما ضد المواجهة، مع الرقابة الدينية التي قد تصل حد منع الشريط من مثل شريط القادسية لصلاح أبو سيف سنة 1979، و الذي منعت الرقابة عرضه جماهيريا لأنه أظهر  سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة، و ضد الأفكار المتطرفة التي ترى في الصورة كفرا لأنها تعيد تشكيل الكون و الخلق، حتى وإن اضطر المخرج إلى تقديم بعض التنازلات، كما فعل مصفى العقاد حينما اضطر لتغيير عنوان الملصق من)محمد رسوا الله) إلى )الرسالة)، و الأمثلة متعددة.
 
لقد تعددت الإكراهات و المعيقات لتتجاوز الأفلام التي تحاور الدين إلى الافلام التي تعالج القضايا الاجتماعية و التي لا علاقة لها بالدين او التاريخ، و اصبح على المخرج الإسلامي أخد كافة الاحتياطات الموضوعاتية و الفنية حتى لا يوصف بالمارق، خصوصا أمام مد موجة التطرف التي تحرم الصورة جملة وتفصيلا, وترى في الثمتيل أشر البدع بل و من إبداع الكفار, وان الثمتيل ليس له هدف إسلامي ومحرم في الإسلام إلى غير ذلك من الفتاوي التي تحاول التأكيد على حرمة الثمتيل انطلاقا من مرجعية مسألة التشبيه كما صرح محمد بن الصديق قائلا ( ليس هناك باطلا على وجه الأرض أبطل من الثمتيل (،أو من قبيل جعل الثمتيل عند البعض مراقي ودرجات يحرم فيها )تصوير الحيوان عاقلا أوغير عاقل بصورة لها ظل( و لايباح )سوى تصوير ما لا روح فيه كالشجر و الفواكه (، و الحال ان العديد من الفقهاء المتنورين يجمعون على انه لا يجوز الخلط بين الواقع و الخيال الذي يعتمده فن الثمتيل، أي أنه لا يجوز معاملة المتناقضات على درجة حكم واحدة.
 
لقد وجد المخرج الإسلامي نفسه امام ترسانة من المحظورات التي تفرضها الرقابة باسم الدين و وجها لوجه مع الفتاوى الملتبسة، مما قلص عنده من هوامش التفكير الحر و الإبداع الصرف، ودفعه كما لاحظ محمد فارس إلى ترميز) وتشفير بعضا من آرائه ( ، إن محاكاة الواقع بالترميز مرتبط بفهم المبدع لشروط الاستعارة والمجاز في ثقافته حتى يثمتل الدلالات الإيحائية بشكل سليم ويستطيع نقل الأفكار و القيم التي لا يستطيع التعبير عنها بشكل محسوس ،و هي ليست بالمسألة البديهية،إد غالبا ما يؤدي هذا الانزياح نحو الترميز إلى توظيف تقنية تؤدي إلى أخطاء جسيمة في حق التاريخ الإسلامي و السيرة النبوية، وهو ما أكده عثمان المنصوري وهو  يتناول بعض المشاكل التقنية التي تؤدي بالمخرج الى الخروج عن الحقيقة التاريخية و لا تعكس السيرة النبوية بشكلها الصحيح ، وتعطي انطباعات خاطئة عند المتلقي.
 
إن الحديث اليوم عن الفيلم الإسلامي لا يجب أن يعتقل إلى الأزل في ثنائية القيم العقائدية و السيرة النبوية، إنه هوية حضارية في مواجهة الصورة النمطية عن المسلم في السينما العالمية، هوية بصرية جديدة عن المسلم الحداثي وعن انشغلاته الكونية،شريطة ان يقتنع المبدعون ان التاريخ الإسلامي ليس هو المدخل الوحيد، بل وتقتنع السلطات السياسية في البلدان الإسلامية بان محاباة التطرف ضد الصورة و إرهاب المبدعين هو اخطر من التطرف لذاته و رحم الله من قال (ان إنتاج فيلم يعادل بناء مسجد)ا
عبد الجليل البويري


معرض صور