المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الفنان عبد الجبار لوزير : 60 طفلا صرخوا في وجهي "أٓقَاتْلْ بنتو"ا

الاربعاء 9 يوليوز 2014

يقول عبد الجبار :


الفنان عبد الجبار لوزير : 60 طفلا صرخوا في وجهي "أٓقَاتْلْ بنتو"ا
من مجموع المسرحيات التي أديت طيلة حياتي تبقى سيدي قدور العلمي والحراز الأحب الى قلبي والانصع في ذاكرتي. طبعا أنا مرتاح لباقي الاعمال التي شاركت فيها، لكن هذين العملين لهما طعم خاص ومتعة استثنائية. هي متعة المشاركة في صنع حدث فني بقيمة عالية، ومتعة الفتوة النابضة بشرارة لا تنطفئ تشتعل فوق الخشبة باتقاد غير مسبوق..
سنة 1990 أنجزنا مسلسلا تلفزيونيا بعنوان «إنسان في الميزان». أديت فيه دور الاب التهامي الذي يعامل ابنته بقساوة لا تضاهى. أب بشخصية لها حظها كباقي البشر من الشر ومن المعاملة الماكرة مع الآخرين والذات معا، ومن المراوغة المؤذية، والاحتيال الذي يقود الى ربح سريع مؤقت وخسران حتمي في نهاية المطاف. لتنتهي به مغامرة الشر والتعنت بالتسبب في وفاة ابنته والتيه مجنونا بغابة النخيل بمراكش.
انتهى بث المسلسل على شاشة التلفزة، وصادف ذلك أن أسرتي كانت تقضي عطلتها بالجديدة، وأنا لوحدي بالبيت بمراكش. وذات صباح فكرت أن أغيرالروتين قليلا وأذهب لتناول فطوري خارج المنزل. قصدت مقهى محاذيا لمكتبة عليلي (اختفت اليوم) بشارع علال الفاسي، كنت أنتشي بنكهة الشاي الموضوع على مائدتي برصيف المقهى، عندما توقف أمامي طفلان حملقا فيَّ جيدا وانسحبا راكضين. بعد دقائق قليلة عادوا وأصبح عددهم ثمانية أطفال. حاصروني بنظراتهم ثم غادروا متحمسين، وما هو إلا وقت قصير حتى وجدت نفسي مطوقا بحشد كبير يتجاوز ستين طفلا. وأخذوا يصرخون في وجهي: «آمسخوط الوالدين.. آالتهامي. آقتال بنتو، آ المسرهط أو قاسح القلب.. آعدو الله...»
لم أستطع الإفلات من هيجانهم إلا بعد تدخل صاحب المقهى الذي سربني الى الداخل، حيث بقيت مختبئا الى أن تفرقوا. فركبت سيارتي وتوجهت الى مدينة الجديدة مباشرة، وكلما رأيت طفلا ينظر إلي أخشى من ردة فعله، كل ذلك من تأثير المسلسل.
الممثل الحقيقي هو الذي يؤدي دوره بقلبه، بمحبة وبانتماء صادق. الحوار بالنسبة إليه ليس كلمات ينطق بها لسانه وإنما إحساس عميق وانفعال حي. عرفت ممثلين يؤدون أدوارا لا يعرفون أبعادها، هي في أقصى ما يمكن أن تكون جمل تحفظ وتستظهر وانتهى الامر. لذلك حضورهم في العمل بارد ومخيب.. ما عرفته خلال مساري الذي يناهز ستين سنة، عن مهنة التمثيل، أنها تحترم من يحترمها، وترفع من يرفع شأنها. التواضع والحاجة الدائمة للمزيد من التعلم زادها. والغرور والاستخفاف طاعونها المدمر.
في التداريب، كان لعبد السلام الشرايبي أسلوب خاص. لم يكن يصرخ كبعض المخرجين الذين لا يعرفون من الاخراج سوى النرفزة الدائمة، فلا تسمع منهم سوى كلمة «ميرد... اللا..». بل كان هادئا رزينا. عندما يرغب في تقديم ملاحظة لأحد الممثلين، يسحبه بعيدا عن المجموعة وينفرد به..
تعارفنا امتد من أيام الحماية الفرنسية، وتعاملنا انطلق من ميادين الكرة ومر عبر «النزايه والنشاط» واستمر في عالم الفن، وطيلة هذه المدة الى أن توفي رحمه الله لم يحدث قط أن سمعت منه أو سمع مني كلمة تسوؤنا أو تخدش احترامنا لبعضنا البعض. ظل يناديني«سي عبد الجبار» وأنا أناديه «سي عبد السلام» بكامل اللطف حتى في النقاشات التي تهم العمل. مثل هذه الصداقة التي جمعتني به أصبحت نادرة اليوم إن لم أقل مستحيلة.
كان عبد السلام الشرايبي يحترف القراءة. يلتهم الجرائد التهاما. ويقرأ المجلات القادمة من الخارج بنهم كبير ويواظب على سلسلة «المسرح العالمي» بلا انقطاع، هواية الصبا كانت بالنسبة له هي كرة القدم ومنها انتقل الى فتنة الفن، التي توحدت بها حياته فصارت هما ورهانا.
شغفه كان أيضا كبيرا بالفنان محمد عبد الوهاب. يحفظ أغانيه ويرددها. عندما كنا نخرج للنزاهة ونحن شبابا كان منا من يغني أم كلثوم ومن يغني فريد الاطرش ومن ينتصر لمحمد عبد الوهاب. كان منا كل شيء: الكورال والمغنون والموسيقيون..
وكما هو شأن باقي المراكشيين، تشبع الشرايبي بالملحون واستلهمه في أعماله المسرحية وأدمجه ضمن الفرجة التي يقترحها بتنسيق هائل. وكتب أعمال أصلها من قصائد الملحون كالديجور والحراز وسيدي قدور العلمي ومكسور الجناح وحمان الخربيطي. وكان يفكر في إنجاز أعمال أخرى لو أمهله الموت قليلا. ميزته في ذلك كونه يعي جيدا الفارق الدقيق بين الصياغة المسرحية ومجرد الغناء. لذلك كان عبقريا في التنسيق بين التأليف والقطع المؤداة في العرض.
إذا ما استثقلنا كممثلين كلمة أو جملة نقترح عليه تغييرها فيتقبل ذلك بتفهم كبير. كان يعرف جيدا ان ذلك في صالح جودة العمل.
بعد إغلاق مقهى المصرف التي كنت أرتادها كثيرا هي ومقهى مولاي عبد السلام بدرب ضبشي، طلبا لمتعة المغنى ونشوة الإنصات، أخذت في التردد على مقهى «الآيس بورغ» قرب عرصة البيلك. هناك كنت ألتقي أصدقائي القاطنين بحي «القصور» و«المواسين» كان ذلك في الستينات. حينها مراكش أخرى، كانت تتهيأ للظهور، أحياء جديدة وعادات مبتكرة. فيما بعد انتقل اختيارنا لمقهى السندباد قبالة البريد المركزي بجليز. تغير اسمها في السنوات الاخيرة بعد تغير مالكها، ثم أخذت ألتقي بعض معارفي بكافي أو كافي بشارع الحسن الثاني.. أما اليوم فأحسن مكان أجلس فيه هي ظلال هذه الشجرة التي أتحدث الآن وأنا مشمول بعطف أغصانها ورقة أوراقها ورائحة زهورها. شجرة النرنج دائمة الخضرة بالحديقة الصغيرة لبيتي. النسيم الذي يتسلل من بين عروشها يمنحني صفاء أعمق، أجلس في حضرتها. أنصت للراديو الصغير، أقرأ وأتأمل..
عبد الصمد الكباص
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

الكلمات المفتاحية : مراكش
عبد الصمد الكباص

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل