المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

العلامة عباس بن محمد بن لحسن الدباغ المراكشي طهطاوي المغرب

الاحد 13 يوليوز 2014

نفذ ورثة العلامة عباس بن محمد بن لحسن الدباغ المراكشي وصية والدهم المتعلقة بتحبيس خزانة والده وما أضافه إليها من مصنفات ، على الخزانة العامرة لكلية اللغة العربية ، التي يعتبرها مثقفو مراكش وعلماؤها امتدادا لجامعة ابن يوسف فهي الأم التي غذت المحبس ووالده بعلمها ، وأهلتهما لاعتلاء منابرها نفعا للطلبة و إنقاذا للعامة من ضلالة الجهالة الجهلاء.
وهذه مبرة متقبلة نصت السنة على أجرها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ، صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ) .
ويظهر لنا أن تحبيس الكتب يجمع بين هذه الأجور الثلاثة : فهو من جهة صدقة مؤبدة ، ومن جهة ثانية علم منتفع به ، ومن جهة ثالثة فإن طلبة العلم بمثابة الأبناء الذين تربطهم بالمحبس لحمة علمية وروحية .
 
فمن هو صاحب هذه المبرة الجارية ؟
هو مفخرة مراكش العلامة البركة شيخ الجماعة سيدي محمد بن لحسن المراكشي – من عيار رفاعة الطهطاوي – ازداد في سبعينيات القرن التاسع عشر ، وقد مثلت مسيرته العلمية المستوى الرفيع الذي انتهت إليه الدراسة العلمية في مراكش ، وبخصوص هذه المسيرة فإننا نجدها تتقاطع مع مسيرة مجايليه من العلماء في بعض النواحي ، وتفارقها في نواح أخرى إلى حد أنها تطبع شخصيته بميسم خاص لا يشاركه فيه غيره .
فمما اتفق فيه مع معظم العلماء حفظه لكتاب الله تعالى في سن مبكرة ، واستظهاره لجميع المتون الشرعي منها والعقدي والأدبي الذي يؤهل لمتابعة الدراسة في الجامعة اليوسفية التي استضمر مجموع معارفها و تحملها عن جهابذة علماء تلك الفترة بمراكش ، وفي هذه الفترة كان يراوح بين الدراسة وتعاطي حرفة والده عريف أو أمين الدباغين .
ومن مفارقاته مع مجموعة من علماء مراكش أنه ابتداء من سنة 1909 أن عين على رحلة علمية قادته إلى المشرق ، إلى الأزهر في مصر ، فاستفاد من الحلقات العلمية المنتظمة في الأزهر الشريف ، وقد تتلمذ بها لفطاحل العلم آنذاك ، ووقف على الإصلاحات العلمية والتربوية التي توالت على الأزهر ، وحضر المنتديات ، وشاهد ووعى النقد والخصومات الثقافية والسياسية الحارة المحتدمة بين التيارات السلفية والليبرالية والتكنوقراطية ، وبعد ثلاث سنوات من التحمل والحضور الواعي بتلك المجريات أضاف كما يقول ابن خلدون : إلى عقله عقلا جديدا ، وعاد إلى مراكش بعقلية وشخصية اصطلحت فيها المعرفة المغربية الأصيلة والطرق العلمية والتربوية المشرقية ، فأقبل عليه طلبة الجامعة اليوسفية إقبالا منقطع النظير لطرافة بحوثه وتنوع طرقه التربوية ، ينهلون من زخم معارفه وسلامة منهجه ، كما غصت حلقات دروسه فيما بين العشاءين بالحرفيين الذين كان يبسط لهم المعرفة ويقدمها إليهم سهلة متناسبة مع مستوى مداركهم ، وكثيرا ما كان يمزج هذه الدروس بالشعر الشعبي الملحون والأمثال المغربية العامية أو فذلكة من هذه القصة الشعبية أو تلك ، وبهذا الأسلوب كان ينتقل بالحضور من درك العامة الجهلة إلى مستوى المجالسين ، ونظرا لهذا الصيت الذي شاع عنه وذاع اختاره الباشا الكلاوي بعد أن عجم عوده ،ووجد فيه العالم الحقيقي الجامع بين العلم وصفة الصلاح والطيبوبة ، فاختاره لابنيه المهدي وإبراهيم ، فقام بهذه المهمة خير قيام من غير أن ينقطع عن نفعه للطلبة ومحاربة جهل عامة ساكنة مراكش .
وعندما قرر الباشا إرسال ابنيه المذكورين لمتابعة دراستهما في فرنسا سنة 1924 اختاره أستاذا مرافقا ومؤدبا ملازما يواصل تدريسهما ويعمق معلوماتهما في الدين واللغة العربية.
وبهذه الرحلة ستدخل شخصيته في منعطف جديد وخطير ، وستزداد رؤياه للعالم تفتحا واغتناء ، ففي فرنسا ستهب على صاحبنا العالم اليوسفي – الأزهري أفكار الحداثة والتنوير ، وسيتعرف على علماء المشرق الأوسط والأقصى ، وعلى المستشرقين وسيتخذ من فضاء مسجد باريس مركزا لدروسه ، يحضرها طلبة مشارقة ومغاربيون ، فمن طلبة المغرب الأقصى السادة : أحمد بلافريج ومحمد الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني دون أن ننسى من استؤمن على تربيتهما ، ومن توالي هذه الدروس وتتابعها انقدحت فكرة إنشاء رابطة للطلبة المغاربة برئاسة العلامة محمد بن لحسن ، وستكون هذه الرابطة فيما بعد نواة لمنظمة طلبة شمال افريقيا .
وبعد عودته من هذه الرحلة الأوربية إلى مراكش سنة 1933 ، سيعود بهذه الحمولة الثقافية والتجربة الغنية إلى منابر مساجد مراكش ، مدرسا وخطيبا وواعظا .
وعلى كل حال فرؤيته للعالم سيصطلح فيها الأصيل المتناغم مع ما تمثله للأفكار التنويرية، فقد عرف كيف يستفيد من الأساليب الأوربية في العمل من دون أن يفقد شيئا من صفاته وعاداته الإيجابية الأصيلة فمن طلبته في هذه الفترة ، أصول الحركة الوطنية في مراكش  ، وعلى رأسهم عبد الله إبراهيم إلى جانب عبد القادر حسن وأحمد الملاخ وعبد القادر المسفيوي وأحمد بن فضيل وابن عبد الرازق وآخرون .  
وفي سنة 1937 سيبتلى الشيخ وثلة من طلبته باستفزازات المستعمر وأعوانه ، فقد بيتوا مذكرة أو (( موجب تشنيع )) يتهمون فيه الوطنيين بالزندقة والكفر ، ولتزكيته ودعمه عرضوه على الشيخ ومجموعة من طلبته رموز الحركة الوطنية ، قصد المصادقة عليه بتوقيعاتهم ، فما كان منهم إلا أن استنكروه ، ورفضوا هذا المنكر جملة وتفصيلا وأذانوه ، فقدموا إلى القضاء ، وصدر الحكم بسجنهم لمدة ثلاثة أشهر نافذة ، ونفوا إلى معتقل في تاردانت ، حيث قضوها بالتمام والكمال في شغل شاق ، في كنس ما تكلس من قاذورات في قنوات صرف ترجع إلى العصر السعدي .
وبعد الإفراج عنهم عاد الأستاذ في اليوم الموالي من جمع شمله بأهله في مراكش ، عاد إلى استئناف ما كان عليه من توعية وتدريس بمعدل أربع عشرة ساعة في اليوم لاعتقاده  
بأن لا كرامة بدون تربية وتعليم ، فقد أعانه رحمه الله على تبليغ رسالته وتجاوب مرتادي حلقاته معه ، تلك الصفات التي غرست له المحبة في الصدور ، وهي كرم النفس وميزة العقل ، والعفة في الإفصاح عن العواطف والابتعاد عن التزلف ، والاستقامة التامة ، والميل إلى مساعدة الناس ميلا لا ينضب معينه ، وقد انعكس ذلك في ألم وأسى ساكنة مراكش يوم لقي ربه في يناير 1952 ، حيث شيعوا جنازته في موقف رهيب يذكر بجنائز أئمة المذاهب .
ذ. محمد الطوگي / كلية آداب مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
ذ. محمد الطوگي / كلية آداب مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل