الصناعة التقليدية بمراكش : الطرز المفقود بعد أن طغت " لا ناب "

الثلاثاء 28 يونيو 2016

شكلت مدينة مراكش عاصمة للصناعة التقليدية، حيث يضطر زائرها لترديد أسماء وحرف ترسخت عنوانا بارزا لأزقة وممرات كالسمارين، القصابين، الصباغين وغيرها من الأسواق و"الحنطات" تعرض سلعا متنوعة وتحفا قيمة لكنها بعضها اليوم يعاني تدهورا وكسادا نتج عنه انقراض مهن وتقلص حرف أخرى.

قد يندهش الزائر لأسواق الحمراء أمام المعروضات والتحف التي تزخر بها، إلاّ أن تلك الحرف تعيش وضعا عسيرا، فالصنعة التي كانت إلى عهد قريب"إلى ما غنات تستر" أصبحت اليوم عنوانا للفقر والحاجة.
وقد يتغنى البعض بتسجيل أعداد السياح الوافدين على مدينة مراكش كمؤشر على ازدهار السياحة وانعكاسها على الوضعية الاقتصادية للمدينة،إلا أن الصناعة التقليدية لا تستفيد من ذلك بفعل المضاربات أو ما يطلق عليه"معلم الشكارة".
يقول لمعلم المهدي (دراز):"أحيانا يواجه الصانع التقليدي بتهمة التقصير في إتقان منتجاته والإخلال بشروط الجودة الأمر الذي يضعه أمام خيارين: إماّ المغامرة في التمسك بالجودة والإتقان والحرص على استعمال مواد أولية ممتازة بأثمان باهظة قد تكون حظوظ الإقبال عليها قليلة أو منعدمة بحكم ارتفاع التكلفة مما يؤدي إلى الكساد والإفلاس،أو التفريط في الجودة نظرا لتهافت المضاربين لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب الصانع الذي يطلب منه منتوجات مناسبة الثمن قابلة للترويج،وهو ما يجعلها مشوبة بالعيوب "
وقد يتحول الصانع التقليدي أحيانا إلى مجرد أجير تحت رحمة صاحب الأموال، في غياب جسم/ ( تعاونيات ) سليم ومتماسك يحمي الصناع، ويساهم في حلق قطاع اقتصادي ذي جذور اجتماعية قوية لمواجهة التحديات الاقتصادية وحماية العديد الحرف من الانقراض، حيث بقيت بعض الأسواق لا تحمل من الحرفة سوى الاسم تصر بعض الجهات على إعادة كتابته عبر لوحات مزخرفة في غياب تام للحرف والحنطات.


عرفت حرفة الطرز ركودا مهولا بعد ظهور المنتوجات المستوردة من المدن الشمالية خصوصا الأثواب التي كانت تزين موائد الصالونات فقد طغت " لا ناب " على " السربيت المطروز " تقول إحدى الطرازات ، لكنها ـ يضيف نفس المصدر ـ تعيش حاليا ازدهارا ملحوظا بسبب إقبال المغاربة الدائم على منتوجاتها، وهو إقبال تعزز بزبناء جدد من الأوروبيين السائحين أو المقيمين منهم في مراكش، خصوصا أصحاب دور الضيافة. 

ويهتم الأوربيون خصوصا بمنتجات الطرز باليد و يفضلونها على ما ينتج باستعمال الآلة. يشهد العدد المرتفع للمعلمات الطرازات على انتعاش الحرفة وإن كان بعضهن يشتكي من الغبن بسبب عدم تناسب المجهود الذي يبذلن مع المدخول المادي الذي يصلهن. ويرجع السبب حسبهن إلى دور الوسيط، معلم الشكارة كما هو في التعبير الشائع،الذي يشتري المنتجات من الصانعات بأثمنة متواضعة و يعرضها في المتاجر حيث تتوفر إمكانية اللقاء المباشر مع الزبناء.

تثير المعلمتان المستجوبتان الانتباه إلى ظاهرة عزوف الفتيات الصغيرات عن تعلم المهنة بسبب عدم رضاهن عن الأجر الزهيد نسبيا الذي تتلقينه و تفضيلهن العمل في دور الضيافة، كعاملات نظافة أو طبيخ، أو في معامل الخياطة العصرية. و هو أمر يهدد بنضوب الخلف.


ومن بين النماذج إحدى " لمعلمات " التي يناهز عمرها السبعين سنة، بدأت التدرب على حرفة الطرز عندما كان عمرها 16 سنة. كانت والدتها تأتي آنذاك بمعلمات الصناعة التقليدية إلى منزل الأسرة لكي يعلمن بناتها اللاتي كن يساعدنها منذ سن مبكرة في خياطة ملابس النساء التقليدية بتكليف من تجار "القيصريات" بسوق"السمارين". و في سنة 1972، عندما أتقنت المعلمة ز صنعة الطرز، فتحت بيتها الخاص كمحترف و مدرسة تتعلم فيها الفتيات هذه الصنعة. و كانت، ولا زالت، تعلمهن الطرز باليد (الطرز الفاسي و الرباطي)، الطرز بالآلة، صناعة الأطواق، التخريق، .....إلخ.

تعتمد حرفة الطرز على مادتين أساسيتين :
الثوب المراد طرزه و هو من أنواع تختلف تماشيا مع طبيعة المنتوج و استعمالاته. و هكذا تستعمل أثواب la toile ، الجيم، الماية و حتى الأثواب الحريرية.
الخيط الذي يطرز به، وهو إما من الصابرة ،بالنسبة للطرز الرباطي مثلا، أو قطني من ماركة DMC بالنسبة للطرز الفاسي.

و يقتصر الطرز على أدوات قليلة هي :
 الإبرة التي تستعمل للطرز باليد.
آلة الطرز الميكانيكية. المرمى، و تتكون من إطارين خشبيين دائريين متماسين يستعملان لتثبيت الثوب و سحب أطرافه، لكي تبرز فراغات بين خيوط النسيج تولج فيها الإبرة لتمرير خيط التطريز.

تتعدد أنواع الطرز و تتنوع كثيرا، ونذكر منها ما شاع استعماله و تداوله بمراكش :
الطرز الفاسي و إسمه الشائع طرز الحساب، الطرز الرباطي باليد، طرز الظل، الطرز التونسي ، الطرز الرباطي باستعمال الآلة، طرز التخريق.
قبل انطلاق عملية الطرز تقوم المعلمة بتفصيل الثوب وفق مقاسات تناسب المنتوج المراد صنعه. بعد ذلك توضع رشومة الطرز على وجه الثوب و تخطط بقلم رصاص أو قطعة صلصال. يدخل الثوب بعدها بين قرصي المرمى الخشبية و تسحب أطرافه بواسطتها حتى تتوضح  فراغات بين خيوط النسيج يمرر منها خيط التطريز بواسطة إبرة الآلة أو إبرة تحركها يد المعلمة. بعد إتمام الطرز يصبن الثوب من الأوساخ التي تعلق به بسبب مناولته باليد، وبعد ذلك يكوى قبل أن يسلم إلى الزبون.

وتتنوع منتوجات الطرز  باختلاف استعمالاتها، نذكر منها :
الأغطية البيضاء التي تستعمل تحت الملاءات الصوفية، أغشية المخدات و أغطية موائد الأكل. و تهيأ هذه الأنماط الثلاثة من المنتوجات من أثواب من فصيلة la toileتزوق بالطرز الفاسي أو الرباطي أو طرز التخريق.
قمصان للرجال تهيأ من ثوب الماية أو ما يشبهه ويوضع عليها الطرز الفاسي.
الكندورة الرجالية و تهيأ من ثوب الجيم.
سراويل النساء و تهيأ في الغالب من ثوب الماية.
القفطان و الدفينة و تكون من أثواب حريرية أو غيرها تطرز بأي نمط من أنماط الطرز المتقدم ذكرها.
ثم غطاء الصينية،أغطية الأفرشة ( التلامط).
محمد السريدي


معرض صور