المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الزين اللي فيك .. جرأة إبداعية أم عطب في الفهم

الثلاثاء 26 ماي 2015

الزين اللي فيك .. جرأة إبداعية أم عطب في الفهم


فجر المخرج "نبيل عيوش" من خلال شريطه الأخير أو بالأحرى من خلال تسريب بعض المشاهد التي ظهرت من فيلم "الزين اللي فيك"، لغما جديدا في بركة النقاش الذي دأبنا على استنهاضه بنفس الصياغات و نفس الاختلافات و التناقضات حول ما سمي بأفلام الجرأة،  تلك الأفلام التي  تجاوزت المحظور الديني أو الأخلاقي أو المقدس الاجتماعي، سواء في شق بصري لصور ومشاهد تنتفض على مسلمة قدسية الجسد ووظائفه،أو في شق اللغة الموظفة في الحوارات التي تنسخ جزءا من نسق اللغة اليومية في الشارع على اعتبار أنها اللغة الوظيفية المنسجمة مع واقع الحكايات المعروضة، ويمكن القول أنه نجح في استنفار مجتمعي كامل سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو في متاهات الخطابات النقدية الموازية له، وينتظر أن يتأجج الجدل أكثر خصوصا بعد دخول إحدى الجمعيات على الخط برفع دعوى قضائية ضد الفيلم وطاقمه، وهي ليست بالقضية الجديدة في تاريخ  السينما المغربية التي عرفت مجابهات للعديد من الأفلام التي تخترق المحظور و تعري المسكوت عنه في واقع مهووس بتكسير مرآة الحقيقة كلما ظهرت الصورة بدون مساحيق، وكلما تمت محاولة الغوص في قضايا تعيش بيننا و على هامش تفكيرنا، بتفضيل الصمت، كنوع من التواطؤ على حقيقة أو حقائق لظاهرة واقعية من قبيل ظاهرة الدعارة، التي لا يمكن مقاربتها   فقط من زاوية الكشف عن ما يروج في دهاليز الليل كأحداث منفصلة عن استحضار الاقتصاد الأسود الداعم لإستمراريتها و بقائها، لأن هذا القصور في ربط الأسباب بمسببتها سيجعل من الشريط شريطا جبانا يتاجر بالقضية، بدل المغامرة للغوص في تلابيب عش زنابير المستثمرين فيها لهشاشة الوضع الاقتصادي و الاجتماعي، وسيسقط كل تركيب أو بناء للنص في عبث اللهو بالجسد بدل توظيفه كمحور و أساس للترويج، وتنفي مرجعية صدمة اللغة الموظفة في الحوارات لأنها تفتقد الشحنة التي ولدتها كلغة وظيفية في شروطها فقط، لنجد أنفسنا في النهاية أمام اكليشيهات متداولة وهي مجرد تصورات لما هو كائن لا غير.

وهو ما نستبطنه دون اجتهاد من المشاهد المسربة، مشهد الطاكسي و الحوار المستفز الذي ينوء بنفسه عن توظيف عبقرية اللغة المتداولة واقعيا في عوالم الليل و التي تمتلك بنية رمزية خاصة، ومشهد الرقص و استحضار شخصية الخليجي بصفته شخصية نمطية لا تمثل نفسها بل هي تعبيرعن الجماعة التي تمثلها، مما قد ينقل النقاش فيما بعد خارج جغرافية الفيلم، ومشهد المثلي المبالغ في تصويره كما لو انه ينتمي إلى مجال ثم فيه قطع الشك باليقين بقبول الظاهرة، وليس في مدينة محافظة كمدينة مراكش.

لا أميل بكل هذا إلى تأويل انطباعي للمشاهد الثلاثة باقتطاعها من سياقها، لأن ذلك قد يؤدي إلى قراءة قاصرة، كما لا أميل إلى احتمال تبريرها في سياقها بدعوى الدفاع عن الحداثة أو الالتحاف بمبرر الواقعية، لأن الحداثة ليست مجرد العصرنة والإنقلاب عن الثوابت، وليست مجرد تمرد اجتماعي ، بل هي منهج فكري لمناوشة أنماط الحياة من خلال العقل، لكنها أيضا هي ثورة في تقنية السينما ( الدوغما كنموذج ) كما أن الواقعية لا تعني نسخ الواقع ، بل هي تفنين للواقع من خلال واقعية الصورة و الشخصيات و ليست بالضرورة واقعية الموضوع، فالسينما لا يمكن أن تكون أكثر واقعية من الواقع، لذلك تجدها تجتهد في مقابلته رمزيا من خلال المحاكاة لا غير، وهو ما ينضح به تاريخ العديد من الاتجاهات السينمائية من الموجة الجديدة حتى ما اصحب يصطلح عليه منذ منتصف الثمانينات سينما ما بعد الحداثة، كتوجه شكل القطيعة مع القطيعة بالعودة للانقلاب على الحداثة من خلال التوجه لمراجعة أشكال الماضي و الموروث، وإعلاء من قيمة الملفوظ الشعبي و الإنسان البسيط، لكن في كل مراحل التحولات و الأبحاث على أنساق و توجهات سينمائية، كان السينمائيون يؤججون ثوراتهم على السينما من داخل السينما، ليس اعتمادا على المواضيع‘، بل على سياقات و أساليب تناولها، دون فصل – وهذا مهم – السينما عن سياق تداولها الاجتماعي، الذي يعطي لمفهوم التجديد شرعيته ( البراق لمحمد مفتكر كنموذج)، ويسمح بالمحافظة على كتلة التلقي الجمعي الضامن لاستمرارية السينما، و بمراوغة ذكية للصدمة المحتملة من خلال المجاز والاستعارة اعتمادا على ذكاء المتلقي في ملأ الفراغات، خصوصا حينما يتعلق الأمر بطرح قضايا ذات حساسية في الوسط الذي يتم فيه تداول الشريط مثل قضية الدعارة في المغرب، وهنا لا بد للنقد السينمائي المغربي بدرجة أولى تجاوز صيغة المزايدات النقدية التي ترى في كل عمل يبحث عن المغايرة بضرب القيمة السمعية والبصرية للعمل السينمائي وحقنهما معا بالمباشر الذي يسئ لذكاء التلقي على انه إبداعا، لأنه ينحاز عن وظيفة زعزعة وثوقية الإبداع  ونسيبته من خلال خطاب هو أيضا نسبي في قياسات أحكامه و مواقفه، ويتورط في التبني الذي لا يقيم أيضا وزنا لمساحات توزيعه في مجال محدد محكوم بوضع ثقافي له خصوصياته النافدة، لا يجب أن يفهم  من هذا الكلام أنني أقفز عن مسؤولية النقد  في   الدفاع عن حرية الإبداع باعتبار إدراكه قبل غيره أن الخلق أساسه الحرية،لكن شريطة الحفاظ على منهج التشكيك في أدوات وأطروحات الإبداع السينمائي، بعيدا عن كل المؤثرات التي تورطه في الهزيمة أمام الفيلم قبل هزيمته في تسويق نظرته له،لأنه يبدو و كأنه لا يعي طبيعة التشكيلات الاجتماعية و الثقافية المتعددة لوسطه،ويبدو بذلك منفصلا عنها،فما بين الحرية و فوضى الحرية خيط رفيع، المستفيد الأول من عدم تحديده دون لبس هم المستثمرون لوضعيات استثنائية من أجل تلميع النظافة في كل شئ، ليس كإستراتيجية، بل كتكتيك يرى أبعد مما هو ثقافي أو إبداعي . ومع كل هذا لا يملك احد الحق في مصادرة حق السينمائي في تناول أي موضوع و التعبير عنه بأي أسلوب، لأن لا أحد من حقه أن يلعب دور الغستابو الروحي باسم الجمهور، خصوصا و أن العملية الإبداعية هي انتماء ذاتي بالغ الخصوصية، قد نقبلها أو نرفضها ، وفي كل الحالات لن يقع عليها إجماع، ليبقى المجتمع وشباك التذاكر الفيصل الحقيقي، وهو ما وقع لفيلم (فيلم) لمحمد أشاور الذي لم تسعفه جوائز العمل الأول و  أول دور رجالي في تحريك طوابير المشاهدين و عرف نكوصا تجاريا مروعا،دون أن يضطر احد رفع عصا الحجز او المنع، وهو نموذج قد نقيس عليه العديد من التجارب العالمية من قبيل تحفة الراحل ' ستانلي كوبريك' " عيون مغلقة باتساع" حيث أن المشهد الافتتاحي الأيروتيكي رغم قيمته الفنية العالية،ووضعيته في الترتيب السرد بحيث بدونه يسقط البناء العام للشريط،لكونه مدخلا لتفسير باقي المتواليات حول بشاعة أمريكا ليلا ، عصف فيما بعد بعلاقة الزوجين البطلين ' طوم كروز و نيكول كيدمان'، أستنذ لهذه النماذج للقول بأن الجرأة و إن كانت مطلوبة في بعض الأحيان باعتبارها في العديد من المواضيع تنزل منها كالصراع الدرامي منزلة الروح من الجسد على حد تعبير أرسطو، إلا أن حسابها بدقة  وفق مقومات المجتمع الذي توزع فيه  ، قد لا يظهرها كاتجار يهدف للربح فقط، ولكن كقيمة ثقافية وفنية لامناص من إظهارها و بذلك الشكل الذي تبدو عليه، وتصبح مقبولة دون تصدي أو مقاومة، و من الخطأ أن يحول أي مخرج في شروط مجتمعية ما كاميراته إلى ما يشبه الكتابة على الرمل،قد تمحيها حساسية  التوزيع وشروط الاستغلال الذي لا يقيم وزنا سوى لأرقام الشباك،حتى و إن كنا قد  نتفق على وجود نفاق اجتماعي ازاء الجرأة و الجسد في السينما، مما لا يعطي تقويما حقيقيا، لكنه نفاق أخطر ما يؤشر عليه هوإعطاء الشرعية لبعض الفصيلة من النماذج من الأفلام التي لا تنتمي إلى السينما، وتقديمها على أساس أنها النموذج الذي يجمع حوله الأسر، إن هذا الجواب الاجتماعي الذي يهزم السينما من داخل السينما،و يدعم بعض الأفلام المتسخة تقنيا و جماليا، ويعرض عن أفلام جريئة قد تكون راقية فنيا،و لا أقول يعترض عليها،هو مؤشر على وجود خلل في مكمن ما من وعينا بوظيفة السينما، خصوصا سينما من قبيل سينما نبيل عيوش ، وتجربته مع صدمة العين و الأذن المغربية باقتناصه لتيمات حاضرة و مدونة ضمن الواقع، بدءا من شريط مكتوب فلحظة ظلام، علي زاوا و ياخيل الله، أفلام تلعب على وظيفة الصدمة من خلال الغوص في القضايا الراهنة في شقيها الاجتماعي و الفكري، وهو التفات ذكي كان بالإمكان استثماره أسلوبيا و لا أقول نوعيا من حيث تجنيس سينماه، ليغدو مجهرا اجتماعيا يغوص في الحقيقة المنفلتة لتبيان مثالبها، بدل أن يلبس نظاراته الخاصة ويصعد لبرج ما فوق الواقع الذي يشتغل عليه،من خلال شخصياته الغير المحترفة و قاموسه اللغوي الذي يعتبر أن الحوار هو انعكاس للشخصية، و أن واقعية الحوار هي من صميم واقعية الموضوع،وهو ما لا تتحمله حتى الواقعية التي تنطلق من مبدأ ' كلما شرحنا أقل كلما كان ذلك أفضل'، بالتركيز على التجريد و ليس النسخ.

لقد خلق نبيل عيوش إذن  بشريطه الجديد أفقا جديا  وجديدا للنقاش حول السينما التي نريدها، وقد نضطر لمراجعات نظرية مستفيضة  و تنويرية ( ليس بالمفهوم السلفي الفج) للموقف من العلاقة بين السينما و المجتمع، لكن قبل هذا و بعده، لا يمكن إلا أن نقف ضد المنع ليس لأننا نحتضن فيلم ( الزين اللي فيك)، بل لأنه لا مجال للتراجع عن بعض المكتسبات التي تحققت و منها الحفاظ على حرية التعبير) ،وهي ورطة انفصام حقيقية.

 

 

 
عبد الجليل لبويري
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
عبد الجليل لبويري

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل