الدين يجمع والجهل يفرق

الجمعة 9 يونيو 2017

اختلفت طرق إكمال صلاة من أدرك مع الإمام آخر ركعة من المغرب ، واتفقت على صحة صلاته


المقام :
خرج الثلاثة من المسجد ، بعد أن صلوا المغرب ، يلغون في طريقة إتيان ما فاتهم من صلاة المغرب التي لم يدركو ا منها سوى الركعة الآخرة ، أي الثالثة التي صلى فيها الإمام بالفاتحة سرا .
 رجعوا حيث كانوا، إلى مجلسهم في مقهى بمحاذاة المسجد ، وكل واحد يدعي صحة صلاته وبطلان صلاة الآخرين ، ويحثهم على إعادتها ، وحجة كل واحد منهم عقلية ، إنهم أدركوا الثالثة وبقي في ذمتهم اثنتان ، وفي كيفية اتيانهما اختلفوا . حتى إذا أعياهم رفع صوت بعضهم على بعض ، ووجدوا أنفسهم يدورون في حلقة مفرغة ، وحتى لا يصلوا إلى حد التهارط ،اتفقوا على عرض نازلتهم على شخص من رواد المقهى ، شاموا من سمته ، من جلسته ، ولباسه الشبيه بلباس العلماء ، وتغطية رأسه ، وانصرافه عما فيه الزبناء من لهو ولغو ، وعكوفه على القراءة في جريدة أو كتاب ، فإذا حضرت الصلاة خرج لأدائها ، أوحت لهم جميع هذه المظاهر بأن للرجل مشاركة في العلوم الشرعية ، وتأكدوا من ذلك بسؤال النادل الذي طمأنهم بأنه فقيه وابن فقيه ، وأنه من خريجي جامعة ابن يوسف في الخمسينات .
تلطفوا في الدخول إلى عالمه ، وعرضوا عليه ما هم فيه مختلفون، تصور الرجل المسألة وبدل المبادرة إلى إجابتهم استمهلهم ، على طريقة العلماء ، إلى الغد. قادهم دافع شوق معرفة الجواب إلى المقهى قبل الموعد بساعة ، ولا أخفيكم سرا ، وأنا الجالس المتفرج إلى جانبهم ، هزني ما هزهم ، فكنت في الموعد. حضر الرجل الذي توسموا فيه سمة العلماء ، فحياهم ، واكتفى بتسليمهم ورقة قائلا :
- هذا جواب ما سألتم عنه محرر من خلال مصادر المذهب المالكي ، وانصرف إلى المكان الذي اعتاد الجلوس فيه ، ويظهر أن الرجل بتذرعه بالإجابة المكتوبة ، رغب عن الكلام في المقهى في موضوع شرعي محترم يليق بقداسة المسجد . عمد أحدهم إلى قراءة نص ما جاء في الورقة ، والآخران يستمعان ، وبين الفينة والأخرى يرجعان إلى الرجل لفهم ما استشكل عليهم . وفي الختام صاح أحدهم : الحمد لله ، اختلفت طرق إتياننا لما فاتنا ، وانتهينا إلى المقصد الأهم وهو الاتفاق على صحة الصلاة .
أثارني ما سمعت فطلبت منهم التفضل بالسماح بنسخ ما في الورقة بقصد الاستفادة ، فلم يترددوا في الاستجابة ، ولا أراهم يمتنعون عن كتمان ونشر ما علموا .                                            وهذا نص الجواب يقول كاتبه : راعينا في جوابنا البساطة ، ونحيل من أراد التعمق إلى الهوامش ، فسيجد ما يشفي غليله ، فنقول وعلى الله التكلان :                                                         إن المأموم إما أن يدرك الصلاة مع إمامه ، فيؤديها بالتمام والكمال وهو مستجمع لشروطها وأركانها وسننها ومستحباتها ، وإما أن يدخل محرما بالصلاة وقد فاته إمامه بركعة أو أكثر ، فهذا يعتبر مدركا للصلاة ولفضل الجماعة ويدعى مأموما مسبوقا ، وعليه أن يقوم لإتيان ما فاته بعد سلام الإمام  والأصل في إتيان المسبوق لما فاته قوله صلى الله عليه وسلم : (إذا أقيمت الصلاة وأنتم تسعون ، فأتوها وعليكم السكينة والوقار ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا (1)، وفي رواية فاقضوا(2)) . من العلماء من أخذ برواية فأتموا أي فابنوا (3) ، ومنهم من أخذ برواية فاقضوا (4) .وقد اختلف الحكم بسبب اختلاف الروايتين .
ويمكننا إجمال مقولتي البناء والقضاء في قاعدتين فقهيتين عامتين : للمسبوق الخيار في الأخذ بأيهما شاء فيما فاته مع إمامه من الصلوات ، وسنضرب المثال بمن أدرك الآخرة من صلاة المغرب ، لأن فيها تظهر ثمرة الخلاف .
أ- القاعدة الأولى محمولة على البناء :
(أن يجعل المسبوق ما أدركه مع الإمام أول صلاته فيكمل عليه) (5) . والحجة قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم ( فأتموا ) . مثال ذلك : من أدرك آخرة المغرب أي فاتته ركعتان ، يقوم بعد سلام الإمام ، فيصلي ركعة بأم القرآن والسورة جهرا ثم يجلس للتشهد لأنها ثانية ، ثم يأتي بركعة بأم القرآن وحدها سرا (6) .
ب- القاعدة الثانية محمولة على القضاء وهي :
(أن يجعل ما أدرك مع الإمام آخر صلاته ، فيفعل ما فاته كما فعل الإمام) (7) ، واحتج الآخذون بهذه القاعدة برواية (ما أدركتم فصلوا وما قاتكم فاقضوا ) .
وطبقا لهذه القاعدة : فمن أدرك آخرة المغرب فله أن يقضيها بطريقتين :
1 - المشهور في المذهب ، أن يأتي المسبوق بركعة بأم القرآن وسورة جهرا كما فاتته ويجلس للتشهد لأنها ثانية ، ثم يأتي بركعة أخرى بفاتحة و سورة جهرا أيضا ويجلس للتشهد وهي آخر صلاته (8) .    
2 - وله أن يصلي ركعة بأم القرآن وسورة جهرا ولا يجلس لأنها أول ، ثم بركعة أخرى كذلك بأم القرآن وسورة جهرا ويجلس للتشهد (9) .
ملاحظة هامة فيما إذا ترتب على الإمام سجود السهو : 
                   إذا ترتب على الإمام سجود سهو وسجده ، فإن مأمومه مطالب بذلك ، فالمأموم الذي أدرك الصلاة كلها لا إشكال فيه يسجد بسجود الإمام ويخرج من الصلاة بخروجه . أما بالنسبة للمأموم المسبوق فلا يخلو حاله  : إما أن يدرك ركعة فأكثر ، أو يدرك أقل من ركعة ، فإن كانت الحالة الأولى أي أدرك ركعة فأكثر ، فهو مطالب بذلك السجود ، ولو لم يدخل فيما سها فيه الإمام ، فإن كان السجود بعديا أخره إلى أن يأتي بما فاته ، وإن كان قبليا سجده مع إمامه قبل أن يقوم لقضاء ما فاته . أما الحالة الثانية ، إذا أدرك أقل من ركعة ، فليس هو بمأموم حقيقة فلا يسجد ، فإن سجد مع الإمام السجود القبلي أو البعدي بطلت صلاته (10) ، إذ لا يعذر أحد بجهله لباب العبادات .
 
الهوامش :
(1) رواه البخاري .
(2) رواه البخاري ومسلم .  (3) عرف الفقهاء البناء بالنسبة للمسبوق بقولهم (فعل ما فات بصفة تالي ما فعل ، بشرط أن الركعة المدركة تقدر أنها أول صلاته ) انظر الرصاع التونسي : شرع حدود ابن عرفة ، نشر وزارة الأوقاف المغربية – 1992 ، ص 90 .
 (4) أما القضاء فهو ( فعل ما فات بصفته ) ، الرصاع نفسه ، ص 90   (5) ابن جزي : القوانين الفقهية ، مطلع الباب الثامن عشر في إرقاع الصلاة . قال بذلك كل من الحسن البصري ، وعمر بن عبد العزيز ، وسعيد بن المسيب ، والأوزاعي ، وقد حكاه عنهم ابن المنذر ، وهو رأي الشافعية ، أنظر العمل السوسي في الميدان القضائي ، نظم أبي زيد عبد الرحمان الجشتمي شرح الرحماني عبد الله ، مطبعة المعارف  الرباط 1984 . ج1/112 ، وهذا أحد الأقوال عند المالكية ، أنظر شرح الرسالة للعلامة جسوس طبعة حجرية ، ص 108 .    

 (6) من الفقهاء من يعبر عن هذه الصورة بالمقولة الآتية : إن المسبوق بان في الأقوال والأفعال . (7) ابن جزي في مطلع نفس الباب . (8) فيكون بهذه الطريقة قاض في الأقوال من جهة وبان في الأفعال من جهة ثانية وهذا القائل بالفرق بين الأفعال والأقوال نراه قد جمع بين الروايتين  ، أنظر شرح الرسالة للعلامة جسوس  ص 108 .    (9) وبهذه الطريقة يعتبر المسبوق قاض في الأقوال والأفعال . (10) العلامة جسوس : شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني ،  ص 112
محمد الطوگي / كلية آداب مراكش


معرض صور