المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الدين في السينما بين الرقابة و التطرف 3/2

الثلاثاء 21 يناير 2014

الدين في السينما بين الرقابة و التطرف 3/2
 
 
 
2- الدين في السينما بين الرقابة و التطرف
حينما أخرج المخرج )ميل جيبسون( شريطه المعنون ب -الآم المسيح و الذي يحكي عن الإثنتا عشرة ساعة الأخيرة من حياة المسيح، ارتفعت العديد من الأصوات الدينية في ارويا منددة به،معتبرة إياه بالشريط الذي من شانه إثارة النعرات، إضافة إلى وصفه بالشريط الأكثر دموية في التاريخ السينمائي واتهم مخرجه بالمعاداة للسامية، مما دفع بالعديد من الكنائس بمطالبة السلطات السياسية في بلدانها بمنع عرض الشريط تجاريا، بل تعدى الأمر إلى تهديد القاعات من طرف بعض المتطرفين بإحراقها إن هي تجرأت على عرض الشريط ومع ذلك حقق هذا الشريط مدا خيل تجارية هامة في بداية عرضه في السوق العالمية حيث حقق ما يفوق 310 مليون دولار في أٌقل من شهر، وما هي إلا سنتين بعد ذلك حتى أخرج المخرج )رون هوارد( فيلما لا يقل صخبا عن سابقه – شفرة دافنشي- المقتبس عن رواية بوليسية للمؤلف الأمريكي )دان براون(هذا الشريط الذي تم منعه بمصر بناءا على طلب تقدم به الأقباط لمجلس الشعب،ليتأكد واقعيا ذلك التخوف الذي أبداه الاتجاه المحافظ حينما طالب اُثناء إنجاز الشريط من شركة الإنتاج مراعاة الاعتبارات الدينية ومراجعة الفيلم احتراما للسيد المسيح و الكنيسة الكاثوليكية.
 
استندنا للنموذجين السابقين للقول بان كل فيلم بمرجعية دينية هو بؤرة لصدامات متعددة الأطراف،سواء مع تيارات دينية أو مع الرقابة، وذلك لاستحالة وجود توافق حول طرق المعالجة النصية منها و الفنية، تستمد هذه الصدامات حقيقتها من نجاعة السينما الدينية في بت المعتقدات، وقدرتها على تشكيل الوعي الفردي و الجماعي. لقد أنتجت السينما العالمية منذ بدايتها العديد من الأفلام التي حاولت الاستفادة من الدين سواء بطريقة مباشرة من خلال العودة للتاريخ الديني بالحديث عن سيرة الأنبياء،أو بشكل غير مباشر من خلال إظهار القيم الدينية و العلاقات القائمة على المحاكاة مع كل ما هو مقدس في حياة الكائن، ولعل من اهم الافلام المنتمية للصنف الأول نذكر على سبيل المثل شريط الوصايا العشر للمخرج ( سيسيل ب دي ميل(، سليمان ومملكة سبأ  (للمخرج كينج فيدور) و أجمل القصص المحكية ل (جورج ستيفنز) وغيرها من مثل المعجزة – أنشودة بيرناديت- الإغراء الأخير للسيد المسيح- الرسالة لمصطفى العقاد.........
لقد أثبتت تجربة الفيلم الديني على أنه أن لا يمكن ان ينتعش او يتحقق خارج السلطة السياسية للبلد المنتج ممثلة في رقابة ذلك البلد،لأن حساسية تناول المقدس الديني بصريا تعتبر محرجة حتى با النسبة للدول التي تحققت فيها درجات متقدمة من حماية حرية التعبير لقد أومأ يوما ما (تروتسكي) إلى ان السينما تنافس الكنيسة و هى كما صرح بذلك )منافسة قاضية إدا ما أكملنا  فصل الكنيسة عن الدولة( ، قيل هذا يوم كانت السينما تندرج في إطار الصراع الإيديولوجي الصرف ،أما اليوم فإن علاقة السينما بالدين دخلت عنوة منطق الصراعات الحضارية التي لبست في جزء منها ثوب التطرف العقائدي خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر، لقد كان من ضمن مؤشرات الوضع الجديد في علاقة السينما بالدين تعدد الفتاوى و التهديدات،وصدام علني بين الصورة و المقدس الديني خصوصا بعد بروز تيارات متطرفة من كل الديانات، والتي اصبحت تراقب كل الأنواع الفيلمية من موقع الاتهام العقائدي حتى تثبت تلك الأفلام صفاءها و براءتها من كل ما يحيل إلى أى مكنون ديني ، و إلا وصلت المسألة الى مثل ما حصل للمخرج الهولندي (نيو فان خوخ) باغتياله فى 23 نونبر من سنة 2004 على يد متطرف نتيجة إخراجه شريطا سينمائيا لا تتعدى مدته عشر دقائق يصور فيه سوء معاملة المرأة في الإسلام على حد اعتقاده و ربط ذلك بالنصوص القرآنية. مما أصبح يدعم الخوف من الاقتراب من الدين في السينما ، يضاف ذلك لإكراهات متعددة أخرى، منها ما تتطلبه الأفلام الدينية المستوحاة من التاريخ من إمكانيات إنتاجية ضخمة من جهة ، وتحاشيا لكل صدام مع الرقابة من جهة أخرى،إذ و كما هو معلوم ورغم اختلاف قوانين الرقابات العالمية يبقى الإجماع حاصلا بينها حول حدود حرية التعامل مع القضايا الدينية إذ نجدها تؤكد على )عدم الكتابة او الحديث العلني الذي يمكنه ان يؤدي إلى الحقد أو الكراهية لأسباب عرقية أو دينية (، وتتشدد الرقابة الإسلامية أكثر في تناول سيرة الأنبياء وإظهارهم،إد نجدها ) تمنع ظهور صورة الرسول صراحة او رمزا،أو صورة أحد الخلفاء الراشدين و أهل البيت و العشرة المبشرين بالحنة وكذلك إظهار صورة المسيح و صور الأنبياء بصفة عامة، و على ان يراعى الرجوع في كل ما سبق للجهات الدينية المختصة( .
 
لقد كانت مصر سباقة لمحاولة إنتاج أول فيلم ديني على المستوى العربي الإسلامي، وذلك سنة 1926  من خلال محاولة الممثل (يوسف وهبي ) تجسيد شخصية الرسول في السينما بالتعاون مع (وداد عرفي)، إلا ان هذه المحاولة أثارت حفيظة الأزهر و آخرين لدرجة وصلت معها التداعيات إلى تهديده بحرمانه من الجنسية المصرية، وكان ضروريا بعد هذا الحادث انتظار ربع قرن لينتج أول فيلم ديني إسلامي وهو )ظهور الإسلام ( للمخرج إبراهيم عزالدين، هذا الشريط الذي اعتبره محمد صلاح الدين ( قد حقق التوفيق بين المواقف المتناقضة لرجال الدين) حسب ما اصطلح عليه )التأليه المشروط  (أي )أن يخاطب الفيلم القلوب و العقول خطابا واضحا مستنيرا حتى يحس الجمهور بأن السينما ترتفع به إلى ربه ولا تنزل به إلى حماة الشهوات)
 
إننا و بالرغم من الاستعمال الشائع لمصطلح الفيلم الديني،إلا انه يصعب الإقرار بوجوده كنوع مستقل وذلك لتداخله و اندماجه غالبا بأنواع مهيمنة أخرى، على الأخص الفيلم التاريخي، فالفيلم الديني ارتبط أساسا بالعودة للتاريخ للحكي عن فترة ما أو سيرة نبوية، لكن هذا لا ينفي وجود انواع فيلمية أخرى تعمل في نصوصها على تمرير خطابات دينية كانت بشكل جلي أو مضمر،و هو ما انتبه اليه الناقد المصري (محمد منصور) حيث وضع فرق منهجيا بين الفيلم التاريخي الذي يتحدث عن حادثة تاريخية أو شخصية بغض النظر عن دورها الديني و عقيدتها، وبين الفيلم الديني الذي يتخصص في موضوع العقيدة ، وهو بذلك يثير الانتباه الى الأفلام التي تلتحف بنوع ما لتمرير خطابات دينية، كأفلام دراكولا حيث الصليب يحتل دورا أساسيا ضد قوى الشر،او بعض الأفلام التي تتضمن قيما دينية واضحة ،و تحاول تمرير خطابات عقائدية بالمرموز تبعا لقناعة الجهة المنتجة، بالمقابل يبدو ان دكاء بعض المخرجين في اختراق حصون الرقابة السياسية المنيعة لا يتم إلا من خلال غطاء الفيلم الديني، وشريط المهاجر ( ليوسف شاهين) نموذجا واضحا، فالشريط و بالرغم من الضجة التي اثارها حتى محاكمته لا يأخد قصة النبي يوسف عليه السلام سوى مبررا للحديث عن مصر الحديثة في زمن إنتاجه من زاوية سياسية، تضعنا هذه الفصيلة من الأفلام التي تتناول الدين بالمرموز وتدمجه في الأنواع الفيلمية المتعددة امام انفلات دكي يستعصى معه التحديد الدقيق لرسائلها ، في حين تضعنا الافلام الدينية التي تستند إلى التاريخ أمام منظومة من التعقيدات النظرية في التحليل خارج ربطها بفهم الذات المنتجة لها، ووعيها الديني و قناعتها العقائدية،وفهمها الخاص لمقدساتها الدينية، إن مشاهدة شريط من مثل الرسالة لمصطفى العقاد لا يمكن الأخذ به كحقائق تاريخية عن فترة ظهور الإسلام,هذا ما انتبه إليه (عثمان المنصوري) حينما أومأ الى ان التصرف في الأحداث التاريخية يؤدي إلى الخروج عن الحقيقة التاريخية، ومن ثمة فإن هذه الفصيلة من الأفلام التي تحكي عن التاريخ الديني  بكل ما تتضمنه من نظرة قدسية للماضي صالحة بالأساس لفهم وتوثيق العقليات و إدراك الكاتب أو المخرج لطبيعة الموضوع الديني الذي يشتغل عليه.
 
أخرج مصطفى الشال مسلسل عن شخصية (محمد متولي شعراوي) وهي شخصية دينية رحلت سنة 1998، وهو المسلسل الذي انتقده محمد منصور قائلا (لقد قدم المسلسل الشخصية في إطار ناصع البياض وبصورة ملائكية يصعب معها أن يكون بشرا، فهو لم يرتكب خطأ في حياته ولم يشعر بالغيرة حتى حينما كان فتى مراهقا).
عبد الجليل البويري
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
عبد الجليل البويري

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل