المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الخلاف الفقهي بين علماء جامعة ابن يوسف بمراكش / ج3

الاثنين 26 يناير 2015

موضوع الفتوى: هو بيان ما استشكل من ذلك الحديث الجامع بين بركة الاستفتاح وبراعة الاستهلال الذي يقدمه علماء المغرب بين يدي دروسهم الحديثية والتفسيرية خاصة، وهو سردهم لقوله صلى الله عليه وسلم " إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". فموضوع الخلاف قائم على تصور مفهوم البدعة. فالحديث عام، فإن لم يقيد ويخصص فسيدخل تحته كل ما استحدث مما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح، ومن بين هذه المحدثات؛ الذكر عند تشييع الجنائز جهرا وجماعة، والدعاء إثر الصلوات في المساجد جماعة، ولبس الثوب الضيق والسراويل الطويلة، فبهذا التوجه أخذ منكرو هذه الأمور على المشيعين، وعلى المصلين الذاكرين جهرا، والمرتدين لألبسة لا عهد لعصر النبي صلى الله عليه وسلم بها، وقد نصت الفتوى على " شيخ معمم ينادي بأعلى صوته ألا إن النبي، صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح لم يذكروا الله وقت تشييع الجنائز ولم يدعوه بعد الفراغ من الصلوات".


الخلاف الفقهي بين علماء جامعة ابن يوسف بمراكش / ج3

- فمن هو هذا الشيخ أو من هم رموز هذا التيار الذين تبنوا هذه الدعوى، ونافحوا عن هذه المقالة وتعصبوا لها؛ بالتدريس والتثبيت ومخاصمة المخالف في مساجد مراكش وفي مختلف المحافل والمناسبات.
تحدث المعاصرون لهذه الفترة من العلماء وطلبة جامعة ابن يوسف عن رمزين أخذا بعموم نص الحديث السابق في البدعة ولم يروا أي مبرر لتقييده. ومعذرة إن أسهبنا في الحديث عنهما؛ فهما من جهة عالمان يوسفيان، ومن جهة ثانية نعتقد أنهما ساهما، على كل حال، بمواقفهما الخلافية في تفعيل الحركة الثقافية في مراكش، ولاشك أنهما أثرا في المخالف، كما انه أثر فيهما، ولعل التيارين معا قد أديا إلى بوادر خلق تيار ثالث جديد يجمع بين الرواية والدراية.

وأول الرمزين الضمنيين المحال عليهما سابقا:
1- سيدي عمر الجراري: 1305هـ- 1887/1364هـ- 1944.
ترجمه المختار السوسي في المعسول وأشار إلى أن له فهرسة. حذق كتاب الله بالمدارس العتيقة بالبادية، في تامزت والساعدات بقبيلة أبي السباع، ثم ارتحل إلى مراكش فتحمل عن مشايخ الجامعة اليوسفية، وقد استهوته دروس أبي شعيب الدكالي خريج الأزهر، الذي حفزه إلى الرحلة إلى المشرق، إلى الأزهر، فمكث هناك سنوات طويلة رغم قلة ذات اليد، وفي سنة 1339هـ- 1920م آب من رحلته بما تحمله عن مشايخه في الأزهر، وذهب به الإعجاب بهم إلى حد التزيي بزي علماء الأزهر، والتواصل بلهجة لا هي مصرية ولا مغربية بل مزيج بينهما. درس، رحمه الله،  في مجموعة من مساجد مراكش؛ فبالاضافة إلى المسجد الرئيس اليوسفي، درس في مسجد سيدي عبد العزيز، ثم انتقل منه إلى زاوية الشيخ النظيفي باستدعاء منه ليكون ذلك أدعى إلى عمارة الزاوية خاصة وجمهور سيدي عمر غفير، " ولكن الأستاذ السني كانت تصدر منه كلمات لا تتلاءم مع ما أسست له الزاوية فأخرج منها". ولما قدر عليه رزقه وضاقت عليه حالته المادية انتقل إلى عالم التجارة، فقايض في السكر في فندق من فنادق ثلاثة فحول، واتخذ سيارة نقل بها البضائع  والركاب، وارتحل إلى السنغال ونواح أخرى. وهكذا كان الرجل عمليا يلبس لكل حالة لبوسها، وعندما خوطب بالقضاء استجاب وعين بأمزميز، ثم التحق بالتدريس في جامعة ابن يوسف عندما شملها النظام، اما عن رؤياه السنية والدعوة إليها فكانت ترافقه أينما حل وارتحل.
يقول عنه طالبه المختار السوسي:" كان صلبا في إرادته، لا يرتد عما يعرفه حقا، ولحريته في التفكير وصراحته، وقعت له مع علماء مراكش الجامدين محاورات أراهم فيها الحق واضحا لو كانوا يبصرون، وكان يستحضر من الحديث والتفسير بعض أقوال المذاهب، ويشارك في العلوم الأخرى.فلا يعرف في مذاكرته إلا قال الله وقال الرسول؛ شأن المحدثين الذين أشربوا في قلوبهم السنة، وله مؤلف، أظنه في القبض في الصلاة شحنه بذلك".
وكانت له مع العلامة محمد بن لحسن مشاكسات ومناوشات علمية غير مباشرة لا داعي إلى استعراضها.
2- ثاني الشخصيتين الآخذتين بعموم حديث البدعة، سيدي أحمد أكرام 1302هـ- 1884/ 1376هـ- 1956. ولعل نسبه يرجع إلى أسرة الكراميين بسوس، ومساكنهم بتازمورت من سملالة بالأطلس الكبير. من مجايلي المختار السوسي، اعتبره مفخرة العصر وحلاه بالعلامة النفاعة الكبير السني المحدث والمدرس. حذق كتاب الله بمسجد الزاوية بأوريكة، وبعد ذلك ارتحل إلى مراكش وقطن بالمدرسة اليوسفية، وتحمل العلم عن كبار علماء جامعة ابن يوسف آنذاك، وتأثر بالمنهج الحديثي للشيخ أبي شيعب الدكالي الذي كان يجلس إلى الدرس كلما زار مراكش. تخرج من الجامعة المذكورة بإجازات من شيوخه سنة 1338هـ - 1919. ثم ابتدأ تدريسه مشارطة في مدرسة مولاي الجلالي الجعيدي التي مكث بها قرابة خمس سنوات، ونفع الله به مجموعة من الطلبة الذين ستكون لهم كلمتهم فيما بعد. وبعد هذه التجربة العلمية والتربوية انتقل إلى مراكش، فأقبل عليه الطلبة إقبالا؛ نتيجة لمواظبته وحسن تقريره، فكان أحد الأفذاذ الذين نفع الله بهم قبل النظام. وفي سنة 1355هـ- 1936فتح مدرسة كانت تاسع مدرسة حرة بمراكش. وأخيرا مال إلى تدريس العوام، وكأنه رأى أن تدريس الطلبة قد حظي بما فيه الكفاية، وأن الخصاص كامن في تعليم العوام، حتى كان جمهوره الغفير يشبه تدريس الطلبة، وكانت حلقاته مزحمة في حارة الصورة ومسجد ابن يوسف. يقول المختار السوسي:" لقد رفع راية الإصلاح ضد البدع حتى وقع بينه وبين العلامة محمد بن الحسن قرينه مشادة في بعض أمور؛ كالذكر جهرا حول الجنازة... وقد حج مرارا واتخذ رجالا من الوهابين أصحابه، وقد عرض عليه القضاء فعزف عنه، وجاء نظام الكلية فامتنع عن الدخول فيه. ولم يزل حاله في شفوف إلى أن جاءت الحركة الوطنية فلزم الحياد، فصار شأنه يتناقص، ولما جاءت القضية الكبرى 1370هـ- 1950م. ازداد تناقضا حتى كاد لا يعرف له مقام، ثم لم يجئ الإستقلال حتى أراحه الله في جمادى الثانية 1376هـ-1956م" .
نصت الفتوى على أن الجمهور الذي يناصر أصحاب هذا التيار غفير، وقد عكست الفتوى حركته وتداخل أصواته " يقوم جماعة من أنصارهم يطبلون ويزمرون ويصفقون على تلك النغمة الفتانة، ويرمون كل من سواهم بالجهل وينسبونه إلى الابتداع" ومن مرجعيات وأخلاقيات هذا التيار حسب محمد أركون:
1- أن فقهاء الحنابلة كانوا يتقيدون بأداء الفرائض الدينية، واحترام التقاليد والطقوس القريبة من عقلية المؤمنين البسطاء.
2- قبل الحنابلة بكلام الله كما هو، أي بلا كيف، المقصود بدون تعليق أو تفسير، كلام الله يقبل بحرفيته اللفظية دون نقاش أو محاولة تفسير أو تأويل نظري أو كلامي...
ومن المعلوم أن مثل هذه المقولات الكلامية والفلسفية لا يمكن أن تصل إلى الجماهير الشعبية.
3- يعبرون عن آرائهم ومشاريعهم باللغة الدينية التي هي اللغة الوحيدة التي يحسنونها".
د- الجواب: المقام مقام خلاف وجدل وحجاج، ولهذا فإن المفتي سيستفرغ جهده في الرد على المدعي، ومن خلال ذلك سيعمل على إعطاء آليات إقناعية للطالب أو الطلبة الذين همهم الخروج من الحيرة أو البلبلة المضرة بالمجتمع، وإقناع المخالف ودفع إنكاره.
  
ابتدأ المفتي في حجاجه بتوثيق الحديث فأشار إلى روايه ومخرجيه. فالحديث برواية العرباض بن ساريه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه أبو داود، والترمذي، وتوقف عند هذا الحد ولم يمد القول في الصناعة الحديثية. لينتقل إلى إشكالية البدعة الواردة في الحديث ليعالجها أصوليا و ليرتب على ذلك الحكم الفقهي المناسب. فمن الناحية الأصولية تطرق إلى الأحكام الشرعية التي يمكن أن تختلف على البدعة، فبالإمكان أن تكون واجبة أو مندوبة أو مباحة أو محرمة أو مكروهة، وتساءل عن مناط وكيفية تنزيل هذه الأحكام المختلفة على مقولة البدعة، كما تطرق أصوليا أيضا إلى قاعدة الترك ودلالته عند الأصوليين.
وقبل مباشرة المدافعة و المحاججة صنف المفتي مناظريه أو من يحاججه إلى صنفين، صنف قابل للدخول في النقاش، وصنف ثان سماه متزمتا رافضا لكل نقاش ومصرا على رأيه لا يبغي به بديلا.
أما المسائل المختلف فيها فهي داخلة تحت عمومات حديث كل بدعة ضلالة، وفي نظره أنه لا يوجد لها مخصص من الشارع ولا مقيد بقول أو فعل أو تقرير فالمسائل المختلف فيها لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعلها، وكذا الأمر بالنسبة للسلف الصالح فالترك فيه محمول على الجواز. وقسم المفتي النازلة المعروضة عليه إلى قسمين:
القسم الأول يتعلق بمسـألة الذكر أثناء تشييع الجنائز جهرا وكذا الدعاء جماعة بعد الصلوات. وسلم بأن ذلك لم يحدث في عهد رسول الله صلى الله عليه ولا السلف الصالح، لكن من جهة أخرى نجد نصوصا متواترة وأحاديث صحيحة ترشد بل تأمر بالذكر والدعاء بصفة مطلقة. وحيث إن السلف الصالح تركوا ذلك عند تشيع الجنائز وعقب الصلوات ولم يفعلوه، فليس معنى ذلك أن ما تركوه جوازا يحكم على فاعله بأنه مقترف لبدعة مقرونة بالضلالة . قال شيخ الشيوخ ابن لب :("غاية ما يستند منكر الدعاء إدبار الصلوات، أن إلتزامه على ذلك الوجه لم يكن من عمل السلف. قال: وعلى تقدير صحة هذا النقل إن صح. فالترك ليس بموجب الحكم في ذلك المتروك، إلا جواز الترك وانتفاء الحرج فيه خاصة، وأما تحريم أو لصوق كراهية فلا، ولاسيما فيما أصله جملي متقرر من الشرع كالدعاء). فدلالة الترك غاية ما تدل عليه عدم وجوب الفعل لا تحريمه أو النهي عنه. ومن القواعد الأصولية " جائز الترك ليس بواجب الفعل -جمع الجوامع للسبكي ص:16- وفي مفتاح الأصول للعلامة التلمساني: " ويلحق بالفعل في الدلالة الترك، فإنه كما يستدل بفعله صلى الله عليه وسلم على عدم التحريم، يستدل بتركه على عدم الوجوب").
وإذا اعترض المدعي وقال:" إن التروك لا تقوم دلائل، فكيف تكون مخصصات أو مقيدات، قلنا أنا قد احتججنا على ما ذهبنا إليه بالقرآن الكريم والسنة الآمرين بالذكر والدعاء، وإذا رددتم ذلك ورفضتموه، فأنتم متناقضون مع أنفسكم، أو لم تعترضوا على الإمام مالك تقديمه لعمل أهل المدينة على خبر الآحاد؟ فها أنتم أولاء وفي هذه الحالة يختل منطقكم وتذهبون بعيدا حيث قدمتم عمل السلف على النص المتواتر والأحاديث الصحيحة".
وحينئذ وبحسب ما برهنا عليه فإن" كل بدعة ضلالة" آئلة إلى تفسير مفهوم البدعة، فإذا كانت البدعة هادمة للسنة ومناوئة لها فهي ضلالة وصاحبها في النار، وإذا لم تكن كذلك فإنها لا تكون ضلالة وإن كانت محدثة، وعليه يحمل قول عمر، رضي الله عنه، " نعمت
 
البدعة" عندما جمع الناس في التراويح على قارئ واحد، علما بأنهم جمعوا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، وتركوا ثم جمعوا. 
قال ابن عبد البر:" البدعة في لسان العرب؛ اختراع ما لم يكن وابتداؤه، فما كان من ذلك في الدين خلافا للسنة التي مضى عليها العمل، فتلك بدعة لا خير فيها وواجب ذمها والنهي عنها؛ إذا تبين له سوء مذهبه. وما كان من بدعة لا تخالف أصل الشريعة والسنة فتلك نعمت البدعة كما قال عمر لأن أصل ما فعله سنة".
وإلى نفس المنحى ذهب ابن حزم، رحمه الله، حيث قال في تعريف البدعة وأحكامها:" البدعة في الدين كل ما  لم يأت في القرآن ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلا أن منها ما يؤجر عليه صاحبه ويعذر بما قصد إليه من الخير، ومنها ما يؤجر عليه صاحبه ويكون حسنا وهو ما كان أصله الإباحة، كما روي عن عمر رضي الله عنه" نعمت البدعة هذه" وهو ما كان فعل الخير، جاء النص بعموم استحبابه وأن لم يقرر عمله في النص. ومنها ما يكون مذموما ولا يعذر صاحبه وهو ما قامت به الحجة على فساده فتمادى عليه القائل به ".
ومن ثم فإن الذكر وقت تشيع الجنائز، والدعاء إثر الصلوات جماعة من قبيل البدعة بالتفسير الثاني،  فلا تكون ضلالة لاستنادها إلى أصول متواتر، وإنكارها إنكار للقرآن"؛ لأنه أرشد إلى الذكر والدعاء مطلقا ولا نسخ بقول ولا فعل ولا تقرير.
وهكذا نجد العلامة محمد بن لحسن يحيل، إلى جانب حديث كل بدعة ضلالة، على آيات وأحاديث صحيحة تأمر بالذكر والدعاء ويحاول أن يجمع بين النصوص على إطلاقها لينتهي إلى تحريم البدعة المنافية للسنة، وإباحة ما كان غير هادم وحامل لمصلحة كما في الدعاء إثر الصلوات ، والذكر عند تشييع الجنائز، وهكذا نجده قد أنشأ حيزا جامعا بينه وبين المدعي وهو حيز الإباحة؛ فالفاعل مأجور والممتنع لا شيء عليه. فمن حجج منكر الدعاء عقب الصلوات؛ اعتقاد العامة كون المستحب فرضا . يقول ابن لب مبطلا حجته:" فما فزع فيه هذا المنكر وقع في أعظم منه، خاف أن تعتقد العامة كون المستحب فرضا، فأورث الناس وحشة، وصاروا يحسبون المباح فاحشة ونكرا، فأوقع هذا المنكر الناس في منكر أعظم، يوشك أن تكون جريمة الخمر والكذب من ذلك أهون، قال سبحانه " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر" (المائدة /9). فدل على أن العداوة والبغضاء  أعظم من الخمر... فمن شأن الأئمة أن يتركوا الورع وما هو الشأن خوف الوحشة ما لم يكن مأثما، كما تقدم عن أبي عمر أن من شأن العالم أن يذهب مع الناس في الرخصة والسعة ما لم يخف المأثم. والوحشة حرام والورع أفضل" .
القسم الثاني من السؤال يتعلق باللباس، لباس الرجال للثوب الضيق المحدد والسراويل الطويلة. "فالجواب عن هذه المسألة أننا نجد الشارع قد قيد كما في الصلاة والحج،و أطلق ولم ينكر على أحد لباسه، ولا ألزم أحدا بلباس معين، ولا ألزمنا بأن نلبس كما كان النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بلباس السلف الصالح، إذ اللباس مسألة طبيعية فالفطرة تقضي بستر العورة؛ مع التمييز بين عورة المرأة والرجل، وما علمنا أن السلف الصالح عندما فتحوا أرض العجم أو الروم أو البربر تعرضوا لمسألة اللباس، فذلك ينحرف بهم عن الأمور الرئيسة الهامة ويزج بهم في جزئيات ضرر إثارتها أكبر من نفعها، فإنكار اللباس تشريع من غير شارع. إن حكمة الشارع في اللباس هو ترك الناس فيه على عوائدهم مادامت لا تتعارض مع مبادئ الشرع، لأن التعرض لعوائد الناس في نمط اللباس الساتر لعوراتهم مما ينفرهم ويضايقهم ويحرجهم فلم ينكر على المغاربة الحايك البزيوي، والجلابة والبلغة  الفاسية، وعلى الجبليين أخنيف وبومنتل، وعلى الأتراك الطربوش والمعطف والكبوط والسراويل الطويلة "البنطلون" قال تعالى:" يا بني أدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير، ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون"الأعراف/26. هذه أدلة العلامة محمد بلحسن في موضوع اللباس المستشكل في الفتوى. ويقول الطاهر بن عاشور:"لما كان إلهام الله آدم أن يستر نفسه بورق الجنة منة عليه، وقد تقلدها بنوه من بعده، ولهذا خوطب الناس في هذه الآية بشمول هذه المنة لهم بعنوان – بني آدم – الدال على أنها منة موروثة، وبما انها كذلك فالخطاب بهذا الأسلوب الإنشائي أوقع في النفس وأدعى للشكر، ولذلك سمي تيسير اللباس لهم وإلهامهم إياه إنزالا، لقصد تشريف هذا المظهر، وهو أول مظاهر الحضارة بانه منزل على الناس من عند الله. وهذا تنبيه على أن اللباس من أصل الفطرة الإنسانية، والفطرة أول أصول الإسلام، وأنه مما كرم الله به النوع منذ ظهوره في الأرض.
واللباس اسم- مطلق - لما يلبسه الإنسان أي يستر به جزءا من جسده، فالقميص لباس، والإزار لباس، والعمامة لباس... وجملة يواري سوءاتكم صفة اللباس، وهذه الصفة مدح اللباس وفي الآية إشارة إلى وجوب ستر العورة.
والريش لباس الزينة الزائد على ما يستر العورة، وهو مستعار من ريش الطير؛ لأنه زينته، ويقال للباس الزينة رياش. وعطف ريشا على "لباس يواري سوآتكم" عطف صنف على صنف، والمعنى يسرنا لكم لباسا يستركم ولباسا تتزينون به" . ومن ثم فلا داعي لتضيق وتنميط ما توسع فيه، ما دام مستجيبا لما اتفق على ستره من عورة الرجل والمرأة. طبقا لما نص عليه القرآن والسنة وغطت مسائله وتفاصيله المصادر الفقهية.
ب- الصنف الثاني سماهم المفتي متزمتين وهم الآخذون بحديث كل بدعة ضلالة، فهؤلاء أصموا آذانهم ورفضوا الدخول في المدافعة، " وتمسكوا بالقول إن النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح كانوا لا يذكرون عند التشييع ولا يدعون عقب الصلوات، وهنا نجد العلامة محمد بن لحسن يقدم النقاش اعتمادا على طريقة المتكلمين في المناظرة بتمحيص أفكارهم بعبارة؛ فإن قال قلنا. "فإننا نقول لهم كانوا لا يفعلون ليس بدليل ناسخ ولا مخصص ولا مقيد، نعم قد يغلط المدعي ويقول إن السكوت فعل أو إقرار فعل، فإننا نقول له، نعم السكوت فعل وحينئذ فإما أيظهر لنا هذا الفعل كما يظهر الذكر والدعاء أو يعرض عنا فنعرض عنه".
لقد تخللت صرامة الحجاج الخلافي في هذه الفتوى نزوعات ومشاعر عبرت تارة عن حالات تتعلق بذاتية المفتي، وأخرى عن نزوعاته نحو السائل، وثالثة نحو المدعي أو المعارض.
1- فمن باب الوظيفة التعبيرية المتعلقة بالمفتي في حد ذاته قوله:" لقد ألجأتني أن أعرض بضاعتي أمام أهل العلم المنصفين وإن كانت مزجاة، وأسفر عن خبيئتي للنقد والاختبار".
وقوله :" أرجو أن تعرض جوابي هذا على الجهابذة المنصفين مثل سعادة رئيس الجامعة وأضرابه". ولعل الرئيس المقصود هو ابن عثمان. وهنا يظهر تواضع العلامة محمد بن لحسن فمن ابتهالاته بعد ختم كل درس اللهم عرفنا بأقدارنا ولقائل أن يقول إن المفتي أراد تعزيز فتواه بسلطة علمية أعلى.
2- مشاعر المفتي نحو السائل: تجلت في صيغ النداء الإنشائية كما في: يا عزيزي، يا أخي، وفي عبارات تقديرية من مثل: نجباء الطلبة العاكفون على تعاطي العلم الشريف، يرجون مستقبلا زاهرا، ويتخلصون من الإرتباك الذي يضر بالمجتمع والتشاجر الذي لا طائل تحته" .
3- الموقف من المعارض وأتباعه: لم يصرح باسم المدعي بل اكتفى بنعته بشيخ معمم فالنعت هاهنا لم يعرف المنعوت تعريفا مانعا ولم يحدده على طريقة المناطقة كل ما هنالك أنه أخرجه من عامة الناس وزج به في جملة المعممين، و رماه بالجهل- ينادي بأعلى صوته- وفي القرآن الكريم " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون"، ورماه بالمتزمت، ونسبه ونسب مشايعيه إلى الغلط والتعصب وإثارة الفتن" تقوم جماعة يطبلون ويزمرون ويرقصون ويصفقون على تلك النغمة الفتانة، ويتعصبون ويرمون كل من سواهم بالجهل". " يا عزيزي لا يفتنك أولئك الذين يطبلون وراء الرأي". "وهو يحمل نفسه ما لا يطيق، فدعه يجر تلك الخشبة". ولا غرابة في هذا النوع من الخصام المزري فهو مظهر من مظاهر ترسبات الخلاف المتعصب في حقبة تقهقر الدراسة الشرعية. نعتقد أن هذا النوع من الخلاف ضارب في القدم أثير في القرن الهجري الخامس، وحسم فيه في إطار علمي الخلاف والجدل، ومع ذلك بقي يتردد في شكل دائري مكرور مشوب بالتعصب واستمر لدى الخلافيين لغاية وقتنا الراهن، ولعل جذوره ضاربة في المحاججة التي سادت في عصر التدوين بين أهل الحديث واهل الراي، كانت في بدايتها ملتزمة بالاحترام والتقدير، لكنها لم تلبث أن احتدت مع المتعصبين فيما بعد. إن الخلاف الموضوعي محمود في حد ذاته لا شية فيه، فهو في مصلحة الطرفين، إذ لا نشك  في أن أهل الحديث أثروا في أهل الرأي والعكس صحيح، ولو أن الحجاج انتقل إلى مستوى الحوار لأدى ذلك في نظرنا إلى خلق تيار يوفق ويجمع بين الرواية والدراية.
لقد تفطن الحكماء من الفقهاء القدامى إلى البحث في قضايا الخلاف عما يجمع لا ما يفرق، واستنكروا ركوب المسائل الخلافية قصد إثارة الشقاق  والفتن، فهذا العلامة يوسف بن عبد البر المالكي (ت463هـ) يقول: ( والذي أقول به – وبالله التوفيق- أن الاختلاف في التشهد، وفي الأذان، وفي الإقامة، وعدد التكبير على الجنائز وما يقرأ ويدعى فيها، وعدد التكبير في العيدين، ورفع الأيدي في ركوع الصلاة وفي التكبير على الجنائز، وفي السلام من الصلاة واحدة أو اثنين، وفي وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وسدل اليدين، وفي القنوت وتركه، وما كان مثل هذا كله اختلاف في مباح... وذلك مباح كله وسعة ورحمة وتخيير والحمد لله".
لقد كان العلامة محمد بن لحسن الدباغ المراكشي مقتنعا بأن التربية والتعليم هما المدخل الرئيس للكرامة والمواطنة الحقة والتحرر والتحديث، وقد كرس لهذا المبدأ حياته، ولعل مرجعية هذا التوجه كامنة في فكر محمد عبده الذي تحمله عن جلة الشيوخ المتفتحين أيام كان طالبا في الأزهر، وازداد اقتناعه والتزامه به من خلال ما قرأه وتمثله من أعماله التي وقفنا عليها في خزانته، وقد استنتجنا ذلك من خلال مسلكيته العملية، فقد نذر نفسه للتربية ولبث مربيا ومعلما إلى آخر لحظة من حياته، فقد تعددت حلقاته العلمية وتلونت معارفها، وتنوع روادها ما بين طلاب وحرفيين وعامة، وتراوحت أزمنتها، كما اخبرنا من نثق به من طلابه، ما بين اثنتي عشرة ساعة وأربع عشرة يوميا.
ولم يتردد الرجل في تأديب وتعليم أبناء ذوي النفوذ- كما هو شأنه مع باشا مراكش- وإن كانت منطلقاته الوطنية مناقضة لهوى الكلاوي ، فالمهم لدى العلامة أن للفعالية التربوية دورها في التأثير على الفروع وتوعيتهم بالأخذ بمصالح الوطن وقيم المواطنة، ولعله قد استفاد هذا المنحى الاجتماعي والخلقي من نظريات التربية الإسلامية بصفة عامة، ومن الأدب الإنساني كقصة " دبشليم" مع الفيلسوف الحكيم " بيدبا" التي هي محور كتاب " كليلة ودمنة"، فإنه حاول بالرمز الوقوف عند هذه الظاهرة. وقصة ابن المقفع هذه موجودة في خزانة محمد بن لحسن العامرة الموقوفة على كلية اللغة العربية بمراكش، وقد وقفنا على تلك القصة في طبعة ضاربة في القدم، وتدل صفحاتها المترهلة على كثرة تداوله إياها واستفادته منها.
وفتواه التي حللناها انقدحت من تلك الأوساط التربوية اليوسفية، ورغم أنه قلل من شأن موضوعها؛لأنه مسكون بهم أكبر إلا أنه لما عمت البلوى بتلك القضية، وكادت تشوش على الناس؛ علما بأن الظرفية السياسية التي عاشها المغرب آنذاك واقعة في عز نضال الحركة الوطنية بزعامة المغفور له الملك محمد الخامس،  فنظرا لذلك وغيره اضطر المفتي إلى التصدي لتلك الأسئلة وحسم في أمرها، حتى يتسنى لمن فتنوا بها الانصراف لما هو أولى وأجدى. فمن جملة ما تميزت به فترة الأربعينيات ، التي تنزلت فيها تلك الفتوى يمكن الإشارة إلى الحرب الكونية الثانية التي كانت لها انعكاساتها على الحياة السياسية في المغرب:"إذ يبدو أن الظروف  الدولية كانت ملائمة، فقد حاول هتلر وموسيليني التقرب من الدول الإسلامية، أما تشرشل وروزفلت فقد عبر من جانبهما- وذلك من أجل اجتذاب الشعوب إلى حرب الحرية المقدسة ضد هتلر- في ميثاق الأطلسي عن تطلعهما العميق نحو الرفاهية والسعادة، وقد أكدا في توجههما إلى الشعوب المستعبدة في المادة الثالثة من الميثاق بأن "الأمم المتحدة" تتمنى أن تسترد الشعوب حقوقها التي حرمت منها بالقوة".
فهذه هي الهموم التي سكنت المغاربة، أما إثارة تساؤلات من قبيل ما جاء في الفتوى من ركوب المباحات لإثارة البلبلة فهي مشغلة غير ذات معنى إذا ما قورنت بما هو أولى. ولهذا فقد حسم المفتي في الأمر.
ولم ينس العلامة محمد بلحسن أن يحقق من خلال تلك الفتوى بعدا تربويا ساميا؛ حيث قدم لطلبته بحثا نموذجيا لما ينبغي أن تكون عليه الكتابة في مسائل الخلاف العالي، وركز فيه على الجوانب الإيجابية في علم الخلاف القائمة على العقلنة، وأساسها الاحتكام إلى مقتضيات المنطق الشرعي. يقول ابن خلدون عن هذا البعد الإيجابي لعلم الخلاف : وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم، ومران المطالعين له على الاستدلال عليه".
محمد الطوگي / كلية آداب مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
محمد الطوگي / كلية آداب مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل