المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الحكم الشرعي الخاص بإسقاط الجنين سليما كان أو مظنون التشوه

السبت 12 ديسمبر 2015

قال تعالى:-" أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون"سورة الواقعة/59
- " وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت" التكوير/8
- " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" الأنعام/151
نازلة واقعية تحضرني كلما رأيته، وتطفو أحيانا على
منعرجات الشعور في غيابه، وبنقلها من حيز حديث النفس
إلى حظيرة الكتابة، نرجو ألا يظن المتلقي أننا في مجلس
إفتاء، كلما هنالك فعملنا لا يعدو أن يكون تقريرا
لمجريات يتخلله كلام في الفقه. وشتان بين الإفتاء والكلام في الفق


 
 
     
  طرق باب بيتي في وقت لا يستأذن فيه إلا من استضيف، إنه وقت الغداء، فتحت فإذا به طالب من طلبتي القدامى، فوجئت بملامحه ومظهره غير المعتاد، كل ذلك يوحي بشخصية ذات نفسية قلقة، دعوته للتفضل فاعتذر، ومن غير مقدمات طفق يعرب عن الهم الذي أثقل كاهله وساقه إلي.
- دفعني لزيارتك في هذا الوقت الحرج، واعتذر، نازلة خطيرة نزلت بي؛ زوجتي حامل، وقد دلت التحاليل الواردة من الخارج، من فرنسا بالضبط، أن بالجنين تشوه، والآن وبكل إيجاز أتساءل: هل لنا من الناحية الشرعية، أن نأذن، بصفتنا والدين، لمختص في أمراض النساء والتوليد بإسقاطه؛ فإمكانياتنا المادية وظروفنا لا تسمح لنا بحمله وتحمله؟
استثرت إيمانه، وذكرته بالاستغفار، وأن ما بدر منه من تلبيس إبليس وأنه جهالة جهلاء وضلالة عمياء.وأن الله تبارك وتعالى هو الخالق. وتساءلت: ومن أعطاكما حق الإجهاز عليه بالإجهاض؟. ثم اعتذرت قائلا: لقد حملتني بعرض نازلتك علي شيئا إمرا، فالإسقاط أو الإجهاض، كبرت كلمة تخرج من الأفواه ودركات مهاويها لا يعلمها إلا الله، إن مجالها اللغوي يوحي بالتطاول والاعتداء والقتل، ويدخل شرعا في باب الجنايات. إن نازلتك من اختصاص المفتين الورعين لا المستهترين والأطباء الموثوقين لا المتهورين الماديين، ولست في عير هؤلاء ولا نفير أولئك.
- قصدتك لأني درست عليك في الكلية أصول الفقه، وأثق فيك كل الثقة.
- شكرا على حسن الظن، لكن تدريس الأصول ليس هو الإفتاء، فمن لم يختص في شيء فلا حق له في حشر أنفه فيه. فالإفتاء توقيع عن رب العالمين، فأنى لي أن أجترئ على ذلك ! فما كان يعنيني من أصول الفقه في شعبة الدراسات الأدبية زمان دراستك، هو مباحثه اللغوية وقوانين التأويل. وعلى كل حال فمادام الأمر بهذه الخطورة، فسآخذك إلى صديق عضو في المجلس العلمي ليفتيك.
وفي طريقنا إليه أخذت أحدثه عن العالم الذي اخترته لنازلته، وأن عضويته في المجلس ضاربة في القدم، وأن مشكلته لن تعزب عن باله، وأنه ليس بأول من امتحن بها.
انتهينا إليه، عرض عليه مشكله وتلطف في طلب الحكم.
أخذ الفقيه يحوم حول الموضوع من دون أن يدخل فيه. فقاطعه مرافقي المستفتي.
- من فضلك يا سيدي أنا لا أفهم شيئا في هذه الحواشي، أريد حكما شرعيا حاسما على أصول المذهب المالكي يريحني ويطمئن زوجتي.
- لا أذكر حكما أحسم به في مشكلتك، وعلى كل حال، ليس هذا مكان الإفتاء والإستفتاء، عليك أن تتجه إلى مقر المجلس العلمي، وتتبع مسطرة طلب الفتوى؛ كتابة طلب فتواك معززة بصورة مصادق عليها من بطاقتك الوطنية وأخرى لعقد الزواج، وثالثة للتقرير الطبي، وانتظر الجواب.
- سأجاب في الحين أو بعد حين.
- لابد من انتظار قرابة 20 يوما على الأكثر وسيصلك الجواب إلى بيتك.
- جئتك طالبا للحسم الفوري، فلو انتظرت هذه المدة أو أقل منها لخرج ما علق بالرحم من طور إلى طور.
محيلا على الحديث المرفوع الذي رواه ابن مسعود، رضي الله عنه، إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح" رواه البخاري ومسلم.
فقلنا راجعين وهو يحوقل ويتأسف قائلا:
- ما عهدنا مثل هذه البيروقراطية في الفتوى، كان علماؤنا رحمهم اللهّ، وإلى عهد قريب، يجيبون الناس عما نزل بهم في الحين أو في وقت وجيز من غير تسويف ولا مماطلة، علمهم معهم، يفتون في السوق، في المسجد، في البيت، أنى وجدتهم حلوا مشكلك !
وحيث تعذر عليه الحكم العاجل، أصبح مترددا بين تفويض أمره إلى الله، وعرض قضيته على فضائية من الفضائيات الخارجية التي جعلت رهن إشارة المستفتين أرقام محمولات علمائها.
أمسكت بمبدأ التفويض العقدي الذي بدا منه، واجتهدت في تغليبه وترجيحه لديه بأدلة نقلية وعقلية كقوله تعالى:" ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" الإسراء/33. " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم" الإسراء/31. وألا اعتراض على الحكم والقضاء، وأن جوهر الإيمان الرضا بقضاء الله وقدره، وأن العلامة محمد الطاهر ابن عاشور قيده بأنه اعتقاد جازم لا يقبل الزيادة والنقصان،وضربت له أمثلة متعددة  من أخطاء التحاليل التي حدثت لمن يعرفهم من الأصدقاء ومن لا يعرفهم. لاحظت أن صدمة مصابه قد تنازلت حدتها، وبمرور الأيام حل برد الإطمئنان والرضا بما قدر الله وقضى. وللمزيد من تهدئة بلبلة خواطره، بادرت إلى إهدائه "كتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر" للإمام ابن القيم الجوزية، الذي لفت نظري إليه المرحوم صبحي الصالح أثناء درس مواز للدروس الحسنية، وقال عنه إنه مصنف يكتب بسواد العين.
بعد انصرام بضعة أشهر، فوجئت به يعزمني على مناسبة العقيقة.
- سألته عن الجنين المعهود، فأجاب:
- بشرني الله تبارك وتعالى بمولودة، حالتها الصحية جيدة، فالحمد لله ما كنا نخشاه لم يحدث منه شيء.
وأثناء المأدبة تناول الحديث، سيرا على عادة محمودة، أحد المدعوين وهو أستاذ حقوقي ومستشار قانوني، فتكلم بطريقة وأسلوب غير معهودين لدى حفظة الخطب الباردة المستهلكة. دخل إلى موضوعه من باب أهلية الوجوب الناقصة وأهلية الوجوب الكاملة. ومثل للحالة الأولى التي تعنينا بحقوق الجنين مادام في بطن أمه، وكعادة الباحثين المتمرسين فقبل عرض بنود القانون الجنائي المتعلقة بهذه الحقوق، ارتأى أن يعرج عليها في إطار الشريعة الإسلامية وخاصة في المذهب المالكي.
فالجنين في هذا المنظور نعمة وهدية ربانية، فعلى الوالدين أن يتقبلا هدية الخالق تبارك وتعالى، وأن يشكراه على نعمته العظيمة، ويستبشرا بها خيرا، وأن يعملا كل من جهته على تعهدها بكامل العطف والرعاية والحنان، فليس من شأن المومن أن يرفض هدية الله ولا أن يعارض إرادته ، ولا يحق لهما أو لأحدهما أو لغيرهما أن يتعرض للجنين بأي نوع من أنواع الأذى.
- وهنا تدخل أحد الحضور مستفسرا عن مشكلة أو ظاهرة الإجهاض التي أصبح البعض ياتيها من غير خوف ولا وجل.
فانفتح الموضوع نحو حكم إسقاط الجنين، فذكر محدثنا أن فقهاءنا القدامى تعرضوا له في باب أحكام الدماء والحدود، وهو باب تقشعر من جناياته الجلود، ففيه أحكام الدماء والحرابة والجنايات والكبائر. لقد نصت الشريعة على أن الأطوار التي يمر منها الجنين قبل نفخ الروح فيه ثلاثة أطوار يبتدئ نطفة، بعد اثنين وأربعين يوما يصير علقة، وبعد مثل تلك المدة يصبح مضغة. وهكذا فبعد مائة وعشرين (120) يوما تنفخ فيه الروح. فأطوار الجنين هذه التي نصت عليها الشريعة هي التي انتهى إليها الطب الشرعي اليوم.
فالمالكية الذين جمعوا بين العقيدة والشريعة والأخلاق يرون في المشهور من أقوالهم أن مجرد بلوغ الجنين اثنين وأربعين(42) يوما أي انتقاله إلى طور العلقة يحرم إسقاطه. والحالة الإستثنائية الوحيدة التي حكموا فيها بالإسقاط هي إذا ثبت من طريق موثوق أن بقاءه بعد تحقق حياته يؤدي لا محالة إلى موت الأم، فإن الشريعة بقواعدها العامة تأمر بارتكاب أخف الضررين.
وكأني به قد أحس في أعين مخاطبيه بالمطالبة بالدليل، فلم يتردد في إخراج جذاذة من محفظته الكتفية واستشهد بقول مالك الصغير وشيخ المذهب ابن أبي زيد القيرواني في رسالته، وبالضبط في باب أحكام الدماء والحدود حيث يقول: " وفي جنين الحرة عبدا أو وليدة تقوم بخمسين دينارا أو ستمائة درهم"  وعبارة ابن أبي زيد هنا جامعة بين الإسقاط والدية قال الشيخ زروق في شرحه لمتن الرسالة:" وما ذكر المصنف هو قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد في المتفق عليه من الصحيحين أن أبا هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة؛ عبدا أو وليدة". والغرة دية الجنين الحر المسلم محكما يلقى غير مستهل بفعل أدمي. والجنين هو ما علم انه حمل وإن كان مضغة أو علقة أو مصورا، والدم المجتمع لغو، وفي استبراء المدونة أنه حمل" وإنما جعلوا قيمتها خمسين دينارا أو ستمائة درهم قياسا على أقل الجراح المنصوص عليها".
والغرة أو دية الجنين تقدر بواحد مما يلي:
إذا قدرت بالإبل: تساوي 5  من الإبل؛ لأن دية أمه 50 من الإبل، وهو يساوي عشرها.
وإذا قدرت بالذهب: 212,5  ج
وإذا قدرت بالفضة: 1785 ج
يقول:فهذه هي النوازل التي اعترضت فقهاءنا القدامى في العصر الوسيط، واجتهدوا في حلها. أما اليوم فإن التساؤلات أصبحت تطرح بصيغ آخرى ومضمون آخر، فتقدم التشخيص الطبي، وتطور تقنيات وسائل التحليل أمكنت من التعرف على الأمراض التي تعتري الجنين وهو في بطن أمه. هل هي بسيطة أو معقدة، وذلك عن طريق فحص دم الجنين، أو أخذ عينات نسيجية من المشيمة، أو فحص الماء المحيط بالجنين، أو الفحص بالمنظار الرحمي، كما ساعد التقدم الطبي على معالجة الجنين وهو في بطن أمه،  فمثل هذه النوازل المعززة  بالصور المشخصة والتحاليل لا عهد للفقهاء القدامى بها أما اليوم فهي حالات واقعية عادية، والمفروض أن يوضع بإزاء كل نازلة جديدة حكم.
وأضاف ومن حسن حظنا اليوم أن إمكانية جمع الفقهاء المتضلعين وأهل الإختصاص من الأطباء الموثوقين أصبحت متاحة، وتنعقد فعلا، في حرم مجلس وهيئة كبار العلماء، ودور الإفتاء ورابطا العالم الإسلامي والمجامع الفقهية، ملتقيات حول قضايا ومحاور معينة كهذه، ويخرج منها أهل الإختصاص بحلول للمشاكل الملحة التي تعترض المسلمين.
ومعظم الخلاصات التي تعني موضوعنا، أعني الجنين سواء أكان سليما أو به شائبة تشويه، لا تخرج عن الرؤية المالكية المتقدمة.
وختم إن عقيدتنا الإسلامية تحتم علينا الرضا بقضاء الله وقدره، فالخلق بيد الله، ومن قدر عليه أن ابتلي، فلعل الله تبارك وتعالى شاء اختباره هل يصبر على مصابه أم يتضجر ويشكو بثه لغير الله. إننا لم نقف على أي فتوى تحكم بإسقاط الجنين المشوه من أجل الإسقاط، فقد يكون وصف الطبيب مبالغ فيه، ولا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أملا. وهب أن الجنين خرج من بطن أمه سليما ثم أصابته عاهة بعد حين من ولادته، فهل تستطيع قتله أو التخلص منه؟ إن الإجهاض من غير عذر شرعي قتل للنفس، وعموم الأدلة نصت على تحريم الوأد وقتل النفس بغير حق. على أن الإنسان، ذكرا كان أو أنثى، أن يتجنب كل ما يمكن أن يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه؛ كالزواج من الأقارب، وكل الممارسات الجنسية المحرمة شرعا، والدخان، والإدمان على الخمر وأنواع المخدرات. وليعلم أن الغريزة الجنسية ينبغي تهذيبها وإلجامها بقواعد الأحكام الشرعية، وبإمكان الزوجين تنظيمها وفقا لظروفهما وأحوالهما، وقد راعي الإسلام ذلك فكان الصحابة، رضوان الله، عليهم يعزلون والقرآن ينزل. أما اليوم فقد تعددت وسائل تنظيم النسل الأسري وتجري تحت رعاية طبية دقيقة.
ولهذا السبب ألغى المرسوم الملكي رقم 181-66. بتاريخ 22 ربيع الأول 1387- 1 يوليوز 1967 النصوص التي تعاقب على الدعاية لمنع الحمل، وشدد العقوبات المتعلقة بالدعاية للإجهاض. ولمنع حدوثه سن قوانين زاجرة وعقوبات صارمة ملائمة لما استحدثه الناس من جنايات.
 
محمد الطوكي / كلية آداب مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
محمد الطوكي / كلية آداب مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل