المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

الحركة الحقوقية وتحولات الربيع العربي

الاربعاء 5 ديسمبر 2012

الحركة الحقوقية وتحولات الربيع العربي
 
ان التطورات التي يعرفها المحيط الاقليمي نتيجة ثورات الربيع العربي، تؤكد على أن زمن التحالفات التقليدية المبنية على الصداقات الاستراتيجية التي جمعت الدول الغربية القوية بالانظمة السياسية العربية قد ولى،  فثورات الربيع العربي أعادت قراءة العلاقات التي تجمع بين الدول الغربية و العالم العربي وعدم حصرها فقط في المصالح الاستراتيجية و الاقتصادية القائمة على توازنات القوى في منطقة شمال افريقيا والشرق الاوسط .
وهو ما يفند بشكل نهائي المقترب الذي كان يعتبر حتى وقت قريب أن علاقة الدول الغربية   مع العالم العربي مبنية أساسا على الصداقات الدائمة والثابتة مع الانظمة السياسية العربية الحليفة، وهو ما يفسر دعمها لهذه الانظمة بالرغم من فقدانها لأية شرعية سياسية وقانونية.
وقد تطرح التحولات الراهنة التي تشهدها منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط سؤالا جوهريا يرتبط بموقع الحركة الحقوقية في الاستجابة بفعالية لدعم تطلعات الشعوب العربية في التغيير الديمقراطي وتعزيز تخليق الحياة العامة ومكافحة الفساد السياسي والاقتصادي.
فالحركة الحقوقية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالتفاعل ودعم التطلعات المشروعة للشعوب العربية في التغيير والإصلاحات السياسية والمؤسساتية نحو ارساء دعائم البناء الديموقراطي.
وتوجد الحركة الحقوقية في المنطقة العربية اليوم أمام محك المساهمة الفعالة في التدبير الديموقراطي في مجال تنظيم الانتخابات الديمقراطية في وضمان شروط الحرية والنزاهة والشفافية، وذلك في افق تحقيق التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، خصوصا وان الشعوب العربية أبانت عن وجود ارادة  جامحة من أجل  التحول الديمقراطي والقطيعة مع الانظمة السياسية الفاسدة.
فالعديد من المنظمات الحقوقية في المنطقة العربية افرزت  نخبة انتهازية تدور في فلك الانظمة السياسية القائمة و قامت بترديد ونقل شعارات جوفاء ومفرغة من حمولتها الديموقراطية إلى باقي الشرائح الاجتماعية، فوقع بالتالي تنافر بين الثقافة المجتمعية السائدة والمؤسسات التي تشبه صوريا ما يوجد في الدول الديمقراطية ولكنها معطلة عن العمل على مستوى الواقع.
وفي هذا السياق، يمكن اعتبار تجربة الحركة الحقوقية التونسية في انتخابات المجلس التاسيسي الدستوري  التي عرفتها تونس بتاريخ  23 اكتوبر 2011 رائدة، لانها ساهمت بشكل حقيقي في التاطير والتفاعل مع المطالب الشعبية في ضمان شروط الحرية والنزاهة والشفافية في العملية الانتخابية و المشاركة في الاستحقاقات كتجسيد فعلي لارادة  حقيقية للانتقال الديموقراطي. وقد اعترفت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي أشرفت على مختلف المراحل الانتخابية في تونس بدور الحركة الحقوقية في الرفع من نسبة المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية التي فاقت 80 في المائة من المسجلين الذين يبلغ عددهم 4.5 مليون مواطن.
 
- عجز الحركة الحقوقية عن قراءة الواقع السياسي في العالم العربي
اعادت الدول الغربية صياغة البناء الاستراتيجي مع العالم العربي وفق معادلة جديدة تضمن دائما تامين مصالحها الاقتصادية والسياسية، ولكن بالتضحية بالانظمة السياسية العربية الصديقة التي فقدت شرعيتها  بعد نجاح ثورات الربيع العربي، وتمكن شعوبها في ابعاد رموز هذه الانظمة السياسية.  
فالرئيس الامريكي اوباما ابدى مساندة قوية للتحول الديموقراطي  في العالم العربي، واكد في خطاباته عن رغبة الولايات المتحدة في نجاح الثورات الشعبية  حتى في البلدان العربية الحليفة مثل البحرين التي تعتبر صديقة تقليدية وتجمعها علاقات اقتصادية واستراتيجية  مع الولايات المتحدة تدور حول النفط، ومطالبة رئيس الوزراء خليفة بن سلمان الخليفة من وقف سياسة التمييز ضد الاكثرية الشيعية واستعمال العنف في حق المتظاهرين في ساحة اللؤلؤة في المنامة وفتح ابواب الحوار مع المعارضة واحترام طموحات الشعب البحريني في التغيير و هو ما يشكل نقلة نوعية على مستوى العلاقات الامريكية العربية. فهذه اول مرة  تطالب فيها الادارة الامريكية بشكل علني القادة العرب  في تونس ومصر واليمن والبحرين وسوريا بالانسحاب ومغادرة السلطة،  لفتح المجال للشعوب لتقرير مصيرها وتنظيم انتخابات شفافة ونزيهة تضمن وصول حكومات ديموقراطية الى السلطة.
وقد يفسرهذا الطرح، انحياز مواقف المسؤولين في الدول الغربية في لغة الخطاب السياسي لصالح الشعوب العربية، وتاييدها لثورات الربيع العربي  في تونس ومصر والبحرين واليمن وليبيا وسوريا، ومسايرتها لنبضات الشارع العربي المطالبة بالتغيير والديموقراطية وتخليق الحياة العامة ورحيل الرؤساء العرب التي ابتليت بهم شعوبهم العشرات من السنين في أفق بناء دولة المؤسسات والقانون في العالم العربي.
ولكن تجب الاشارة، الى أن الحركة الحقوقية في المنطقة العربية عجزت عن قراءة الواقع السياسي في العالم العربي ، ولم تكن تنتظر هبوب رياح التغيير الى المنطقة العربية، بل انها كانت حذرة في البداية في التعامل مع أولى شرارات ثورة الياسمين في تونس، و حتى بعد رحيل الرئيس المخلوع  زين العابدين بن علي، فهي بقيت مترددة وقتا طويلا معتقدة أن العالم العربي في منأى عن أي حراك اجتماعي وسياسي، ولكن سرعان ما أدارت ظهرها للانظمة السياسية في مصر وليبيا واليمن وسوريا، بعد اصرار الشعوب العربية على رحيل رموز الفساد.
ويمكن رصد عجز الحركة الحقوقية في التفاعل مع تحولات الربيع العربي في أمرين أساسين :
أولا : عدم ادانة استعمال العنف الممارس من طرف القوات النظامية بشكل غير مشروع لقمع الحركات الاجتماعية ضد المتظاهرين في الشوارع العربية والدفاع عن حق الشعوب  الديموقراطية ومساندتها ضد الانظمة الشمولية التي لجات الى استعمال القوة واستعمالها للنظام المخابراتي لقمع الحريات العامة ونشر الفساد السياسي والاقتصادي وتزوير الانتخابات السياسية والإستفراد  بالحكم  والسلطة.  
ثانيا : عدم تقديم مقاربة حقوقية تروم التأكيد على أن الشرعية السياسية للأنظمة تستمدها من الشعوب وليس العكس، وتفنيد الطرح الذي يقيم ترابطا عضويا بين حقوق الانسان والنظام العام، ويفسر كل محاولة للفصل بينهما هي بمثابة مساس للسيادة والنظام السياسي القائم . خصوصا وأن بعض الأنظمة السياسية العربية غرست في أذهان مواطنيها الأفراد بأنها  هي المعنية الأولى بحقوق الإنسان وأغلقت الباب أمام ممارسة المواطنين للحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية،  وأبدت نوعا من الحساسية المفرطة اتجاه قضايا الحريات  العامة مثل حرية الاعلام وحرية التعبير  معتبرة أنها جزءا من مجالها المحفوظ.
 
- الحركة الحقوقية وإرهاصات الوعي السياسي العربي
إن ثورات الربيع العربية رفعت شعارات جديدة في الشارع العربي، أعادت الاعتبار للحراك الاجتماعي بإبتعادها عن خطابات الانقلابات العسكرية والعنف والإنتقام ، والمطالبة برحيل رموز الفساد  و مناهضة الافلات من العقاب والحق في الكرامة والحرية، وهو ما يعكس إرتفاع درجة الوعي السياسي للشعب العربي وتشبته بالديموقراطية  وروح التسامح وحقوق المواطنة  والتعددية السياسية واللغوية والثقافية، خصوصا وأن المظاهرات في العالم العربي كانت شعبية و تلقائية وعفوية، ولم ترفع فيها إلا الأعلام الوطنية واللافتات المكتوبة باليد من طرف المواطنين أبناء الشعب ومن جميع الفئات المثقفة  والاعلاميون والمحامون والجامعيون والشباب، والتي كانت معبرة  باللغة الانجليزية وتحمل دلالات عميقة بالغة الانجليزية مثل  we would we can  و go out وyou must leave and fall او باللغة الفرنسية مثل Egalité  و  Justice sociale.
ويمكن التوقف عند مجموعة من الإشارات القوية في ثورات الربيع العربي، هي انه  جاءت تلقائية وابانت عن عجز الحركة الحقوقية في القيام بتاطير الحراك الاحتجاجي،  بالرغم من ان هذا الحراك جسد تشبت   الشعوب العربية بالحق الطبيعي في الكرامة الإنسانية، من خلال المطالبة بالمساواة والعدالة الاجتماعية ورحيل رموز الفساد، والانتفاع من ثروات البلاد ومواردها الطبيعية.
ولعل الشرارة الاولى لثورة الياسمين الشعبية، والتي أسقطت النظام الاستبدادي لزين العابدين بن علي، تؤكد هذا الطرح المرتبط بغياب الحركة الحقوقية عن مواكبة التحولات العميقة التي عرفتها المجتمعات العربية، فهي كانت تلقائية حيث جاءت نتيجة حادث عابر هو إحراق بائع الخضر المتجول الشاب محمد البوعزيزي لنفسه  في مدينة سيدي بوزيد، بعد إتلاف عربته من طرف أحد أفراد القوات العمومية. فالرغبة والإصرار الشعبي للإنعتاق من النظام السياسي التونسي القائم على الاستبداد هي التي دفعت بجميع فئات الشعب إلى التظاهر بشكل تلقائي في المدن التونسية ضد القمع والفساد  والمطالبة بالحرية والتمتع  بحياة كريمة داخل النسيج الاجتماعي الذي يعيش فيه .
إن الحركة الاحتجاجية للشعوب العربية ستعيد لا ريب قراءة التاريخ العربي وتفند النظريات والأطروحات القائلة بأن رياح التغيير في العالم العربي تأتي فقط من الانقلابات العسكرية  وستضع  الحركة الحقوقية العربية أمام رهان ضرورة اعادة قراءة الذات والإمتلاك الفعلي لاليات وسبل التاثير  في الوعي الحقوقي والسياسي للمواطن والقدرة على التفاعل مع المبادئ والقيم الأخلاقية  للديموقراطية و الانخراط في دينامية  التغيير الداخلي  بتفاعل  جميع  النخب السياسية مع ثقافة الحوار والتسامح.
 
التحديات الراهنة للحركات الحقوقية
 توجد الحركة الحقوقية في المنطقة العربية أمام تحديات ورهانات متعددة، أهمها المساهمة في دينامية الاصلاحات التشريعية والمؤسساتية للقطيعة مع نظام حكم الفرد وتقوية دور البرلمان والحكومة.
كما أن الحركة الحقوقية مطالبة بالتحسيس بدور إشراك جميع الاحزاب والقوى السياسية في الانتقال الديموقراطي، وضمان تعبئتها للتحضير لانتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة تتفاعل مع النضج والوعي السياسي للشعوب العربية، حيث تمثل الاحزاب السياسية حجر الزاوية الذي يقوم عليه بناء المجتمع الديمقراطي ، ولا يمكن الاستغناء عنها في تشكيل الرأي العام، وهي أيضا شرط لا غنى عنه في الممارسة الديموقراطية والتداول على السلطة.
فالتحديات الراهنة لإرجاع الثقة للشعوب العربية، ترتبط برد الاعتبار للتعددية السياسية وتفعيل دور الأحزاب السياسية، خصوصا بعدما قامت بعض الانظمة السياسية العربية في سياق الهيمنة والإنفراد بالسلطة،   بالتضييق وقمع جميع الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الحقوقية والثقافية ولكل من يرغب في التأثير في المجتمع عموما. وهي طريقة لتعطيل دور الأحزاب في نشر  الوعي السياسي و تحول دون تمكين الشعوب من ممارسة خياراته من منطلق التعددية السياسية .
كما يجب استيعاب دروس ثورات الربيع العربي من طرف الحركة الحقوقية، وذلك بالاقتراب من نبضات الشعوب العربية بالدفاع عن حقوق الانسان وإطلاق سراح المعتقلين السياسين وإعتبار الحريات العامة  رافعة أساسية للبناء الديمقراطي واقتراح مجموعة من التدابير التي تنسجم مع المعايير الدولية لحرية التعبير والرأي وحرية الصحافة والحق في التجمع والتظاهر وذلك بتحديد مفهوم النظام العام بموجب القانون،  فالحريات العامة ليست ترفا وإنما عامل يؤثر ويساهم في البناء الديمقراطي.
فالمكانة الطبيعية للحركة الحقوقية تتجلى في مشاركة جميع فئات الشعب  من أجل الحرية والكرامة والديموقراطية  والقطيعة مع الاستبداد والقمع والفساد ومطالبة الانظمة الفاسدة بالتنحية في حالة عدم التفاعل مع المطالب الشعبية المتعلقة بتخليق الحياة العامة ورحيل رموز الفساد وبناء المؤسسات الديموقراطية.
2
 
يوسف البحيري / استاذ القانون الدولي بكلية الحقوق بمراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
يوسف البحيري / استاذ القانون الدولي بكلية الحقوق بمراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل