الحركة الثقافية والفكرية بمراكش عبر جامعة ابن يوسف 3/2

الخميس 1 ماي 2014

الحركة الثقافية والفكرية بمراكش عبر جامعة ابن يوسف 3/2
3) مسلسل النضال الوطني بمراكش وجامعة ابن يوسف.
ومع ذلك فيمكننا الإشارة العابرة إلى نضال من نوع آخر قامت به جامعة ابن يوسف، وحققته مدينة مراكش في مختلف عصور التاريخ المغربي، فقد قام المراكشيون بنضال كبير في جيش يوسف بن تاشفين البطل الصحراوي المراكشي العظيم، الذي جمع في جيشه المراد به الجهاد في إسبانيا، لتحرير الأندلس من الظلم والعدوان. وكان  هذا الجيش معتمدا في مجموعه على عناصر من الصحراء ومن إقليم مراكش، من مسفيوة، وأوريكة، وأغمات، وقبائل الرحامنة، وصنهاجة، ومن إقليم آسفي ، وآنفا، كقبائل عبدة والشاوية،  ومن أقاليم الشمال، خصوصا منها قبائل كتامة، وجبال الريف، ومكناسة القديمة، ومن أقاليم طنجة وتطوان وسائر الأقاليم المغربية...
   وفي عهد الموحدين قام سكان مراكش، وطلاب جامعة ابن يوسف بنضال آخر يتجلى في البحث على أعمال الخير، ومحاربة عناصر الشر والفساد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتزعم حركة هذا الإصلاح الفقيه الموحدي محمد المهدي بن تومرت الذي يعتبر فقيها أصوليا، وكاتبا مبدعا ، ونابغة في السياسة ، والمناظرة . وقد كان مدرسا في جامعة ابن يوسف بمراكش في عهد المرابطين ، ولكنه أصبح خصما لهم عندما انتـقد عليهم اعتمادهم في السياسة  والأحكام على مجلس الشورى المؤلف من فقهاء مراكش وفاس، وهم فقهاء يعتمدون على فروع الفقه دون أصوله. ولهذا السبب أمر أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين بإقامة مناظرة في جامع ابن يوسف لمناظرة المهدي بن تومرت، بقيادة قاضي مراكش، والعلامة مالك بن وهيب الذي كان مستشارا في البلاط المرابطي، وحضر لمناظرته كثير من فقهاء فاس ومراكش والأندلس ، ولكن الزعيم الموحدي عرف كيف ينتصر عليهم، بحكم أنه يدعو إلى تطبيق القواعد الفقهية، والإدارية والسياسية المقتبسة من القرآن الكريم، وسنة الرسول عليه السلام، ونبذ آراء الفقهاء الذين تختلف اجتهاداتهم  في فروع  الفقه حسب اختلاف مذاهبهم.
 وجدير بالملاحظة أن كثيرا من العبقريات العربية البارزة في العلوم القرآنية، وفي الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه، وفي الحضارة الإسلامية، والفلسفة اليونانية، قد هاجرت من مواطنها في الأندلس، وفي القيراوان، وفي صقلية، إلى مدينة مراكش على عهد الموحدين، فكانت تنشر العلوم والآداب في مختلف المعاهد الثقافية بعاصمة يوسف بن تاشفين، وفي الأوساط الثقافية الخاصة في قصور الموحدين، الذين كانوا يهتمون بالعلوم الرياضية، والفلسفية، وعلم الأصول، وعلم الكلام، والفكر الإسلامي.
كان الملوك والأمراء الموحدون يتوفرون على رصيد هائل من العلم والآداب والفلسفة، أو الفكر الإسلامي، فكانوا ينشرون هذه الثقافة والعلوم الجديدة في مراكش، بواسطة أساتذة مراكشيين، وأندلسيين، وصقليين، وذلك في الخزانات العلمية للملوك الموحدين، وفي ردهاتِِـهم وقصورهم التي كانت غاصة بالعلماء، والأدباء، والشعراء، والفلاسفة، والأطباء الذين حضروا إلى مراكش لتقديم الولاء لأمير المؤمنين الموحدي عبد المؤمن بن علي، أو لابنه يوسف بن عبد المومن، أو لحفيده يعقوب المنصور، وهؤلاء الملوك كانوا من أبرز العلماء، والفقهاء، والحكماء، والفلاسفة في العصر الموحدين..
وقد كان هؤلاء العباقرة الأندلسيون والمغاربة والصقليون، والإفريقيون الذين هاجروا إلى مراكش، عاصمة الموحدين ينشرون ثقافتهم، وعلومهم، وأفكارهم على تلامذتهم وطلابهم المراكشيين، في جامع أو جامعة ابن يوسف بمراكش، التي أصبحت في عصر الموحدين تزخر بعلماء الرياضيات، والهندسة، والطب، والفلسفة، والحكمة، وعلم أصول الدين، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية، خصوصا منها آراء علماء الكلام، والمعتزلة الذين كانوا يخالفون علماء السنة في مسألة خلق القرآن، وتكفير من يرتكب الكبائر من الذنوب، واتباع مبدأ المنزلة بين المنزلتين، ويقصدون بِها أن مرتكب الذنوب الكبيرة، والجرائم الخطيرة لا يعتبر مومنا حتى مع التوبة، خلافا لمذهب أهل السنة، ولكنه يعتبر في منـزلة بين منـزلة الإيمان ومنـزلة الكفر، ويفوض أمره إلـى الله.
"إن كثيرا من هذه العقول والعبقريات الأندلسية اتخذت من مدينة مراكش موطنا ثانيـا لها، فعاشت بين أحضانها معززة مكرمة، وساهمت في تنميتها العلمية والفكرية بمعرفتها وفلسفتها، ومؤلفاتها الرائعة، وكثير من هذه العبقريات العربية ساهمت في سياسة الدولة المغربية، إما بالشورى أو بالنصيحة، وبقيت تتنقل بين المساجد ومدارس مراكش، وفي مقدمتها جامع ابن يوسف الخالد"(12)
وجدير بالملاحظة أن ملوك الدولة الموحدية كلهم كانت لهم عناية بالأدب العربي، والفقه، والحديث، والحضارة الإسلامية، وكانت لهم عناية بجميع المساجد في مدينة مراكش، خصوصا منها جامع ابن يوسف، وجامع الكتبية، وجامع يعقوب المنصور الموحدي، وإن بعض ملوكهم أخذوا علوم اللغة العربية، والفقه الإسلامي، والحديث النبوي من علماء جامعة ابن يوسف بمراكش، وشاركوا بمجهودهم الشخصي في التضلع في علوم أخرى كعلم الطب، والهندسة، والفلسفة،ومنهم على سبيل المثال أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن الذي يقول المؤرخون في ذاكئه، وثقافية ومشاركته في مختلف العلوم العقلية والنقلية ما يوجزه مؤرخنا المراكشي العظيم عبد الواحد المراكشي في كتابه المعجب الذي يجمع بين دفتيه حقائق من التاريخ، والجغرافية،والشعر، والفكر والأدب،قال في عبقرية يوسف بن عبد المومن.
"كان شديد البأس، قوي الشكيمة، بعيد الهمة، جوادا، محبا للعلم، بارعا فيه، وقد استغنى الناس في عهده، وكثرت في أيديهم الأموال، مع إيثاره للعلم، وتعطشه إليه مفرط، وكان يحفظ أحد الصحيحين، وهو صحيح البخاري، ثم طمحت به نفسه وعلو همته إلى تعلم الفلسفة، فجمع كثيرا من أجزائها، وبدأ من ذلك بعلم الطب، فاستظهر من الكتاب المعروف بالملكي أكثره، مما يتعلق بالعلم خاصة"(13)
وهكذا يتضح أن علماء   مراكش في عهد الموحدين، وفي جامعة ابن يوسف كانت لهم ثقافة عالية، ومشاركة في جميع العلوم العقلية والنقلية، وكانوا عباقرة ، وكان ملوكهم يجمعون بين موهبة السيف والقلم".
وإذا كانت جامعة ابن يوسف بمراكش قد عرفت تقلصا محسوسا في نشاطها الثقافي، والعلمي على عهد ملوك بني مرين الذين نقلوا كرسي العاصمة من مراكش إلى مدينة فاس، فإن الازدهار الفكري، والثقافي يعود إلى جامع أو جامة ابن يوسف في عهد دولة الأشراف السعديين..
 وهكذا فقد أعاد الملوك السعديون إلى مدينة مراكش مجدها، وتفوقها العلمي الحضاري، بعد تغلبهم على بني مرين، ونقلوا كرسي المملكة من مدينة فاس عاصمة المرينيين إلى مدينة مراكش، التي أصبحت في عهد السعديين تعج بكثير من العلماء، والفقهاء، والمفكرين، والأدباء، والشعراء، والمؤرخين الذين كانوا يقومون بتدريس مواد اللغة العربية، والقرآن، والسنة النبوية في جامع ابن يوسف، وكانوا في نفس الوقت يتصلون بالملوك السعديين في مراكش، ويُنشـدون بحضرتـهم في مختلف المناسبات قصائد رائعة، خصوصا بمناسبة ليالي رمضان، وفي مناسبة عيد المولد النبوي، الذي كان الملوك السعديون الأشراف يحتفلون به في مدينة مراكش، احتفالا رائعا يشارك فيه العلماء، والصناع، والفنانون ، والوزراء، والتجار والشعراء، ومختلف طبقات الشعب، خصوصا في قصر البديع، على عهد السلطان المراكشي العبقري أحمد المنصور الذهبي منشء قصر البديع..
وكانت الدولة السعدية تعتمد في الدعوة لها، والولاء لخلفائها على أولئك الصوفيين المتفانين في حب الله ورسوله، وحب آل البيت، انطلاقا من سيدنا الحسن والحسين رضي الله عنهما، إلى أحفادهما الأشراف السعديين الذين هيأهم القدر، لإنقاذ المغرب من جنود الاحتلال الصليبي عموما، على عهد السلطان السعدي مولاي عبد الله الغالب بالله إلى عهد أمير المؤمنين المعتصم بالله، المجاهد عبد المالك السعدي، وأخيه البطل المجاهد أحمد المنصور الذهبي، وهما اللذان أنقذا المغرب من عدوان الجيش البرتغالي في واقعة وادي المخازن المشهورة، التي احتدم فيها صراع عسكري كبير بين جيش البرتغال وجيش السعديين الوافد من مدينة مراكش إلى مدينة القصر الكبير بزعامة علماء، وفقهاء، وصوفيين ، وصلحاء من مراكش، ساهموا بكثير من المجهودات الفكرية، والمادية، والروحية إلى جانب الجيش النظامي الذي كان يرأسه السلطان المجاهد المعتصم بالله عبد المالك السعدي، وشقيقه البطل أحمد المنصور الذهبي..
"ولعل ما ميز هذه الفترة في عهد السلطان السعدي مولاي عبد الله الغالب بالله أنها كانت فترة مليئة بالنشاط الصوفي السليم، والأفكار الدينية، والخلقية، التي تدعو إلى الجهاد، والتي تبناها كثير من الأولياء والصلحاء المراكشيين، مثل الشيخ سيدي  أبي عمرو القسطلي المراكشي، والشيخ سيدي أحمد وموسى السملالي، والشيخ الولي العالم مولاي عبد الله بن الحسن المغاري، المعروف في مدينة مراكش بمولاي عبد الله بن احساين، وهو دفين تامصلوحت بضواحي مراكش"(14)
ويلاحظ أن جامعة ابن يوسف بمراكش، كانت تعج بالعلماء، والأدباء، والفقهاء، والشعراء، والمؤرخين، وبكثير من كتاب الدولة، والأطر الإدارية القضائية التي ساهمت في نصرة الدعوة لمولك السعديين، لأنهم بصفة عامة، كانوا يدعون إلى الله، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويحاربون الاحتلال الأجنبي وعملاءه في شخص الملك العميل أبي عبد الله محمد المتوكل المسلوخ، الذي أصبح خائنا يحارب الإسلام، والسلطة الشرعية التي كانت في يد عمه المعتصم بالله المجاهد عبد المالك السعدي..
وهكذا قام علماء جامع ابن يوسف بمراكش، واتفقوا مع إخوانهم علماء القرويين بفاس، ومع علماء تارودانت، وسائر علماء المغرب على إنذار الأمير الخائن أبي عبد الله المسلوخ بالرسالة الإسلامية التاريخية، الرائعة الخالدة وهي كما يلي باختصار:
" وبعد، فهذا جواب من كافة أهل المغرب من الشرفاء والعلماء والصلحاء والأحفاد، والرؤساء، وفقهم الله عن كتابه الذي استدعى فيه الحكم للكتاب واستدل فيه بحججه الواهية الأطناب المتنكبة عن الصواب قائلين له عن  أول حجة صدر بها الخطاب، لو رجعت على نفسك اللوم والعتاب، لعلمت أنك المحجوج المصاب، فقولك أننا خلعنا بيعتك التي التزمناها، وطوقناها أعناقنا وعقدناها...والله ما كان ذلك منا عن هوى متبع عن سبيل خارج عن طريق الشرع، مبتدع !.. وإنما كان ذلك منا منهج الشـرع وطريقـه، وهـدى الحـق وتحققـه.."
"وقد كان جدكم الأكبر مولانا محمد أبو عبد الله القائم بأمر الله قد عهد لأولاده من بعده، مولانا أحمد الأعرج، ومولانا محمد الشيخ وإخوانهما ألا يتولى الخلافة منهم، ولا من أولادهم إلا الأكبر سنا، فالتزموا بذلك إلى أن كبر أولادهم، فطلب جدك، محمد الشيخ من أخيه الوفاء بذلك، ثم عهد لوالدك مولانا عبد الله، الذي كان أكبر أولاده، فلم ينازعهم أحد في ذلك إلى أن عهد إليك بولاية العهد دون أعمامك، فأبى الله إلا أن يحق الحق ويبطل الباطل فأعطى الملك لعمك عبد الملك الذي هو أكبركم بعد أبيك،فإن سلمت هذا فأي حجة تدلي بها، وأي طريقة تعتمد عليها؟"(15)
وهكذا فقد عرفت جامعة ابن يوسف (الجامع) ازدهارا دراسيا وفكريا لم تعرفه من قبل، حتى في عصر الموحدين، الذي كانت مدينة مراكش تزخرفيه بالعلماء، والفلاسفة، والفقهاء الكبار، والواردين من عواصم الأندلس على البلاط الموحدي لتقديم  ولائهم من جهة، وللإسهام في التنمية الفكرية والتدريس بمراكش من جهة أخرى...
ويكاد مؤرخو الحضارة العربية الإسلامية يتفقون بالإجماع على أن مدينة مراكش عرفت، عبر جامعة ابن يوسف [الجامع التاريخي الكبير] كثيرا من المؤسسات التربوية، والثقافية، والفكرية انطلاقا من عهد السلطان مولاي عبد الله الغالب السعدي، إلى عهد السلطان المجاهد الكبير المعتصم عبد المالك السعدي، وشقيقه البطل العظيم أحمد المنصور الذهبي، وهو مع أخيه عبد المالك السعدي، يعتبـران البطلين المجاهدين العظيمين اللذين يرجع إليهما الفضل في انتصار الجيش المغربي  في واقعة وادي المخازن المشهورة..
ولعل من مظاهر ازدهار الثقافة والفكر في مدينة مراكش على عهد السعديين انتشار الزوايا، والمساجد والمؤسسات الثقافية انطلاقا من جامع ابن يوسف، ومن قصر البديع،حتى أصبحت هذه المؤسسات الفكرية والفنية، والمدرسية تتوج كل حي من أحياء مدينة مراكش، في العصر الذهبي للسعديين، خصوصا في عهد البطل المجاهد أحمد المنصور الذهبي.
 وفي هذا الصدد يقول المؤرخ الكبير محمد حجي في كتابه القيم :
 
(12)  عن بحث للأستاذ عبد الله إبراهيم نشره في مجلة جامعة ابن يوسف العدد الأول، صفحة 16 مطبعة فضالة.
(13)  عن كتاب المعجب في تلخيص أخبار المغرب للمؤرخ العلامة عبد الواحد المراكشي صفحتي 143-144.
(14)  نقلا بإيجاز عن كتاب حضارة مراكش واإشعاع الفكري لجامعة ابن يوسف الجزء الثاني صفحة 100.
(15)  نقلا عن كتاب نزهة الحادي لأبي عبد الله محمد الصغير اليفرني صفحة 67.
ذ ابراهيم الهلالي


معرض صور